وَأَمَّا الشَّافِعُ فَسَائِلٌ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ بَرِيرَةَ أَنْ تُمْسِكَ زَوْجَهَا وَلَا تُفَارِقَهُ لَمَّا أُعْتِقَتْ وَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ وَكَانَ زَوْجُهَا يُحِبُّهَا فَجَعَلَ يَبْكِي فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُمْسِكَهُ فَقَالَتْ أَتَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ لَا إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ﴾ . وَإِنَّمَا قَالَتْ " أَتَأْمُرُنِي؟ " وَقَالَ: " إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ " لِمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ طَاعَةَ أَمْرِهِ وَاجِبَةٌ بِخِلَافِ شَفَاعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ شَفَاعَتِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَلُمْهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَرْكِ قَبُولِ شَفَاعَتِهِ فَشَفَاعَةُ غَيْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ قَبُولُهَا.
وَالْخَالِقُ ﷻ أَمْرُهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَافِعًا إلَى مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَى شَأْنًا مِنْ أَنْ يَشْفَعَ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ . وَدَلَّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُسْتَشْفَعُ بِهِ إلَى اللَّهِ ﷿: أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ الشَّفَاعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الْخَلْقُ الشَّفَاعَةَ فِي أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَفِي أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.
[ ١ / ٣١٧ ]
وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوَابِ. وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا: لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ ﷺ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِسْقَاءَ وَالِاسْتِشْفَاعَ وَالتَّوَسُّلَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ كَانَ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ فَيَدْعُو لَهُمْ فَكَانَ تَوَسُّلُهُمْ بِدُعَائِهِ وَالِاسْتِشْفَاعُ بِهِ طَلَبَ شَفَاعَتِهِ وَالشَّفَاعَةُ دُعَاءٌ.
فَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِذَاتِهِ فِي حُضُورِهِ أَوْ مَغِيبِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ - مِثْلَ الْإِقْسَامِ بِذَاتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ السُّؤَالِ بِنَفْسِ ذَوَاتِهِمْ بِدُعَائِهِمْ - فَلَيْسَ هَذَا مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ بِحَضْرَتِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ لَمَّا أَجْدَبُوا اسْتَسْقَوْا وَتَوَسَّلُوا وَاسْتَشْفَعُوا بِمَنْ كَانَ حَيًّا كَالْعَبَّاسِ وكيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ وَلَمْ يَتَوَسَّلُوا وَلَمْ يَسْتَشْفِعُوا وَلَمْ يَسْتَسْقُوا فِي هَذِهِ الْحَالِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ بَلْ عَدَلُوا إلَى الْبَدَلِ كَالْعَبَّاسِ
[ ١ / ٣١٨ ]
وكيزيد بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي دُعَائِهِمْ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. فَجَعَلُوا هَذَا بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ لَمَّا تَعَذَّرَ أَنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَأْتُوا إلَى قَبْرِهِ فَيَتَوَسَّلُوا بِهِ وَيَقُولُوا فِي دُعَائِهِمْ فِي الصَّحْرَاءِ بِالْجَاهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْقَسَمَ بِمَخْلُوقِ عَلَى اللَّهِ ﷿ أَوْ السُّؤَالِ بِهِ؛ فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُك أَوْ نُقْسِمُ عَلَيْك بِنَبِيِّك أَوْ بِجَاهِ نَبِيِّك وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ. وَرَوَى بَعْضُ الْجُهَّالِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ؛﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ جَاهَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ جَاهِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَقَدْ أَخْبَرَنَا سُبْحَانَهُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ أَنَّهُمَا وَجِيهَان عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ . فَإِذَا كَانَ مُوسَى وَعِيسَى وَجِيهَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ ﷿؛ فَكَيْفَ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون؛ وَصَاحِبِ الْكَوْثَرِ
[ ١ / ٣١٩ ]
وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ الَّذِي آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا؟ . وَهُوَ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمَ وَأُولُو الْعَزْمِ - نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وَيَتَقَدَّمُ هُوَ إلَيْهَا وَهُوَ صَاحِبُ اللِّوَاءِ آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى رَبِّهِ ﷿ وَهُوَ إمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إذَا اجْتَمَعُوا وَخَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا ذُو الْجَاهِ الْعَظِيمِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ.
وَلَكِنَّ جَاهَ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْخَالِقِ تَعَالَى لَيْسَ كَجَاهِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ . وَالْمَخْلُوقُ يَشْفَعُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
[ ١ / ٣٢٠ ]
وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَلَعَنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ عِيدًا وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ كَانَ فِي قَوْمِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِهِ إنَّهُمْ قَالُوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ عَبَدُوهُمْ؛ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ صَارَتْ إلَى الْعَرَبِ وَسَمَّى قَبَائِلَ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ. فَلَمَّا عَلِمَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَسَمَ مَادَّةَ الشِّرْكِ بِالنَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ - وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي لِلَّهِ ﷿ كَمَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِئَلَّا يُشَابِهَ الْمُصَلِّينَ لِلشَّمْسِ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إنَّمَا يُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ الَّذِي يَقْصِدُ الدُّعَاءَ بِالْمَيِّتِ أَوْ عِنْدَ قَبْرِهِ أَقْرَبَ إلَى الشِّرْكِ مِنْ الَّذِي لَا يَقْصِدُ إلَّا الصَّلَاةَ لِلَّهِ ﷿ - لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ عَلِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ إنَّمَا هُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ
[ ١ / ٣٢١ ]
وَمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ أَوْ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ فَلِهَذَا لَمْ يَكُونُوا يَتَوَسَّلُونَ بِذَاتِهِ مُجَرَّدَةً عَنْ هَذَا وَهَذَا. فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا دَعَوْا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ - وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا وَأَعْلَمُ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَعْلَمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَمَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ مِنَّا بَلْ تَوَسَّلُوا بِالْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ - دَلَّ عُدُولُهُمْ عَنْ التَّوَسُّلِ بِالْأَفْضَلِ إلَى التَّوَسُّلِ بِالْمَفْضُولِ أَنَّ التَّوَسُّلَ الْمَشْرُوعَ بِالْأَفْضَلِ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا. وَقَدْ قَالَ ﷺ ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزَ قَبْرَهُ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ إنِّي أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ
[ ١ / ٣٢٢ ]
قَالَ: ﴿لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ﴾ . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا صَحِيحًا ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا لِي اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ﴾ وَرَوَى النَّسَائِي نَحْوَ هَذَا الدُّعَاءِ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَه عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي فَقَالَ: إنْ شِئْت دَعَوْت وَإِنْ شِئْت صَبَرْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك. فَقَالَ: فادعه. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي تَوَجَّهْت بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ النَّسَائِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ وَلَفْظُهُ ﴿أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ بَصَرِي. قَالَ فَانْطَلِقْ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي أَنْ يَكْشِفَ عَنْ بَصَرِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ قَالَ فَرَجَعَ وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصَرِهِ﴾ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده: حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ يَزِيدَ
[ ١ / ٣٢٣ ]
الخطمى الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَة بْنِ ثَابِتٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حنيف ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي فَقَالَ إنْ شِئْت أَخَّرْت ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لِآخِرَتِك وَإِنْ شِئْت دَعَوْت لَك قَالَ: لَا بَلْ اُدْعُ اللَّهَ لِي فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى اللَّهُمَّ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَشَفِّعْهُ فِيَّ. قَالَ فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ﴾ . فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ التَّوَسُّلُ بِهِ إلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّوَسُّلِ بِهِ مُطْلَقًا حَيًّا وَمَيِّتًا. وَهَذَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِذَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ وَيَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّ تَوَسُّلَ الْأَعْمَى وَالصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ كَانَ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ عَلَى اللَّهِ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ سَأَلُوا اللَّهَ بِذَاتِهِ أَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَدْعُوَ هُوَ لَهُمْ وَلَا إلَى أَنْ يُطِيعُوهُ فَسَوَاءٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ دَعَا الرَّسُولُ لَهُمْ أَوْ لَمْ يَدْعُ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ تَوَسَّلَ بِهِ وَسَوَاءٌ أَطَاعُوهُ أَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ وَيَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي حَاجَةَ هَذَا الَّذِي تَوَسَّلَ بِهِ بِزَعْمِهِمْ وَلَمْ يَدْعُ لَهُ الرَّسُولُ كَمَا يَقْضِي حَاجَةَ هَذَا الَّذِي تَوَسَّلَ بِدُعَائِهِ وَدَعَا لَهُ الرَّسُولُ ﷺ إذْ كِلَاهُمَا مُتَوَسِّلٌ بِهِ عِنْدَهُمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ تَوَسَّلَ بِهِ كَمَا تَوَسَّلَ بِهِ ذَلِكَ الْأَعْمَى وَأَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ الْأَعْمَى مَشْرُوعٌ لَهُمْ. وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ شَرْعًا وَقَدْرًا فَلَا هُمْ مُوَافِقُونَ لِشَرْعِ اللَّهِ وَلَا مَا يَقُولُونَهُ مُطَابِقٌ لِخَلْقِ اللَّهِ.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُونَ: هَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي نَظَائِرِهَا الَّتِي تُشْبِهُهَا فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهَا فِيمَا هُوَ مُخَالِفٌ لَهَا لَا مُمَاثِلٌ لَهَا وَالْفَرْقُ ثَابِتٌ شَرْعًا وَقَدْرًا بَيْنَ مَنْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا كَالْآخَرِ. وَهَذَا الْأَعْمَى شَفَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلِهَذَا قَالَ فِي دُعَائِهِ " اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ ". فَعُلِمَ أَنَّهُ شَفِيعٌ فِيهِ وَلَفْظُهُ: ﴿إنْ شِئْت صَبَرْت وَإِنْ شِئْت دَعَوْت لَك فَقَالَ: اُدْعُ لِي﴾ فَهُوَ طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَدْعُوَ هُوَ أَيْضًا لِنَفْسِهِ وَيَقُولَ فِي دُعَائِهِ " اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ " فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ " أَيْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ كَمَا قَالَ عُمَرُ " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا ". فَالْحَدِيثَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَهُوَ ﷺ عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إذَا أَجْدَبُوا ثُمَّ إنَّهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ إنَّمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِغَيْرِهِ بَدَلًا عَنْهُ. فَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا سَوَاءً وَالْمُتَوَسِّلُ بِهِ الَّذِي دَعَا لَهُ الرَّسُولُ كَمَنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ الرَّسُولُ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ التَّوَسُّلِ بِهِ - وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى رَبِّهِ وَأَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ وَسِيلَةً - إلَى أَنْ يَتَوَسَّلُوا بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُ.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعْمَى تَوَسَّلَ بِهِ وَلَمْ يَدْعُ لَهُ الرَّسُولُ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ الْأَعْمَى لَكَانَ عُمْيَانُ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ يَفْعَلُونَ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْأَعْمَى فَعُدُولُهُمْ عَنْ هَذَا إلَى هَذَا - مَعَ أَنَّهُمْ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِحُقُوقِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا يَشْرَعُ مِنْ الدُّعَاءِ وَيَنْفَعُ وَمَا لَمْ يَشْرَعْ وَلَا يَنْفَعْ وَمَا يَكُونُ أَنْفَعَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُمْ فِي وَقْتِ ضَرُورَةٍ وَمَخْمَصَةٍ وَجَدْبٍ يَطْلُبُونَ تَفْرِيجَ الْكُرُبَاتِ وَتَيْسِيرَ الْعَسِيرِ وَإِنْزَالَ الْغَيْثِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ مَا سَلَكُوهُ دُونَ مَا تَرَكُوهُ. وَلِهَذَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مَا فَعَلُوهُ دُونَ مَا تَرَكُوهُ وَذَلِكَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ حَيًّا هُوَ الطَّلَبُ لِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَسْأَلَتِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ وَهَذَا مَشْرُوعٌ؛ فَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ. وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ قَبْرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ؛ يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ الْمَيِّتَ حَاجَتَهُ أَوْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ بَلْ طَلَبُ الدُّعَاءِ مَشْرُوعٌ مِنْ كُلِّ مُؤْمِنٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرِ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ: ﴿لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مَنْ دُعَائِك﴾ - إنْ صَحَّ
[ ١ / ٣٢٦ ]
الْحَدِيثُ - وَحَتَّى ﴿أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ أُوَيْسٍ القرني أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلطَّالِبِ﴾ وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَفْضَلَ مِنْ أُوَيْسٍ بِكَثِيرِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ: ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ مَعَ أَنَّ طَلَبَهُ مِنْ أُمَّتِهِ الدُّعَاءَ لَيْسَ هُوَ طَلَبَ حَاجَةٍ مِنْ الْمَخْلُوقِ بَلْ هُوَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ بِمَا عَلَّمَهُمْ يُعْظِمُ اللَّهُ أَجْرَهُ: فَإِنَّا إذَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْنَا عَشْرًا وَإِذَا سَأَلْنَا اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْنَا شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكُلُّ ثَوَابٍ يَحْصُلُ لَنَا عَلَى أَعْمَالِنَا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِنَا شَيْءٌ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا﴾ وَهُوَ الَّذِي دَعَا أُمَّتَهُ إلَى كُلِّ خَيْرٍ وَكُلُّ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ أُمَّتُهُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ يَهْدُونَ إلَيْهِ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ وَلَا يَحُجُّونَ عَنْهُ
[ ١ / ٣٢٧ ]