وَالْإِقْسَامُ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقْسِمُ عَلَى غَيْرِهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنْ حَنَّثَهُ وَلَمْ يُبِرَّ قَسَمَهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ لَا عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ صَدِيقِهِ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ الْحَانِثِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " سَأَلْتُك بِاَللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " فَهَذَا سُؤَالٌ وَلَيْسَ بِقَسَمِ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿مَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ﴾ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى هَذَا إذَا لَمْ يُجَبْ سُؤَالُهُ. وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ وَقَدْ يُجِيبُ اللَّهُ دُعَاءَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ الرِّزْقَ فَيَرْزُقُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ وَإِذَا مَسَّهُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ يَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلَى الْبَرِّ أَعْرَضُوا وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا. وَأَمَّا الَّذِينَ يُقْسِمُونَ عَلَى اللَّهِ فَيُبِرُّ قَسَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ نَاسٌ مَخْصُوصُونَ. فَالسُّؤَالُ كَقَوْلِ السَّائِلِ لِلَّهِ: أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدَ أَنْتَ اللَّهُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَأَسْأَلُك بِأَنَّك أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَأَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك. فَهَذَا سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إقْسَامًا عَلَيْهِ فَإِنَّ أَفْعَالَهُ هِيَ مُقْتَضَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَمَغْفِرَتُهُ وَرَحْمَتُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ وَعَفْوُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْعَفُوِّ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ﴿قَالَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ
[ ١ / ٢٠٦ ]
ﷺ إنْ وَافَقْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَاذَا أَقُولُ؟ قَالَ قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي﴾ . وَهِدَايَتُهُ وَدَلَالَتُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْهَادِي وَفِي الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِك الصَّالِحِينَ. وَجَمِيعُ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَبْدِهِ مِنْ الْخَيْرِ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الرَّبِّ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ كَمَا قَالَ آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَالَ نُوحٌ: ﴿رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي عِمْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي وَقَالُوا: قُلْ كَمَا قَالَتْ الْأَنْبِيَاءُ: رَبِّ رَبِّ وَاسْمُهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ يَجْمَعُ أَصْلَ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُهُ إذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ. فَإِذَا سُئِلَ الْمَسْئُولُ بِشَيْءِ - وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِ - سُئِلَ بِسَبَبِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَسْئُولِ. فَإِذَا قَالَ: أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدَ أَنْتَ اللَّهُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ كَوْنُهُ مَحْمُودًا مَنَّانًا بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَقْتَضِي أَنْ يَمُنَّ عَلَى عَبْدِهِ السَّائِلِ
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَكَوْنُهُ مَحْمُودًا هُوَ يُوجِبُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ وَحَمْدُ الْعَبْدِ لَهُ سَبَبُ إجَابَةِ دُعَائِهِ؛ وَلِهَذَا أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ: ﴿سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ﴾ أَيْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ فَالسَّمَاعُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ كَقَوْلِهِ ﷺ ﴿أَعُوذُ بِك مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ﴾ أَيْ لَا يُسْتَجَابُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ فِي آخِرِ دُعَائِهِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أَيْ يَقْبَلُونَ الْكَذِبَ وَيَقْبَلُونَ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك وَلِهَذَا أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْمُتَضَمِّنِ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ. ﴿وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ رَآهُ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَلَمْ يَحْمَدْ رَبَّهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ﴾ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. ﴿وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنْت أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ فَلَمَّا جَلَسْت بَدَأْت بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ دَعَوْت لِنَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَلْ تعطه﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. فَلَفْظُ السَّمْعِ يُرَادُ بِهِ إدْرَاكُ الصَّوْتِ وَيُرَادُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَعْنَى مَعَ ذَلِكَ
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَيُرَادُ بِهِ الْقَبُولُ وَالِاسْتِجَابَةُ مَعَ الْفَهْمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا لَمْ يَقْبَلُوا الْحَقَّ ثُمَّ ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فَذَمَّهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ فَهِمُوهُ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
وَإِذَا قَالَ السَّائِلُ لِغَيْرِهِ: أَسْأَلُ بِاَللَّهِ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِإِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَهُ بِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إلَى الْخَلْقِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ كَفَّ الظُّلْمِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَى عَنْ الظُّلْمِ وَأَمْرُهُ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي حَضِّ الْفَاعِلِ فَلَا سَبَبَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِمُسَبِّبِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه عَنْ عَطِيَّةَ العوفي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: وَأَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِك وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك﴾ . فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَحَقُّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ وَحَقُّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهُمْ كَمَا يُسْأَلُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وَكَمَا يُسْأَلُ بِوَعْدِهِ لِأَنَّ وَعْدَهُ يَقْتَضِي إنْجَازَ مَا وَعَدَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ:
[ ١ / ٢٠٩ ]
﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ . وَيُشْبِهُ هَذَا مُنَاشَدَةَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي﴾ وَكَذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَضِبَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَجَعَلَ مُوسَى يَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُ مَا وَعَدَ بِهِ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ بِسَابِقِ وَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ.
وَمِنْ السُّؤَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ سُؤَالُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَوْا إلَى غَارٍ فَسَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَمَلِ عَظِيمٍ أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مَحَبَّةً تَقْتَضِي إجَابَةَ صَاحِبِهِ: هَذَا سَأَلَ بِبِرِّهِ لِوَالِدَيْهِ وَهَذَا سَأَلَ بِعِفَّتِهِ التَّامَّةِ وَهَذَا سَأَلَ بِأَمَانَتِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ وَقْتَ السَّحَرِ " اللَّهُمَّ أَمَرْتنِي فَأَطَعْتُك وَدَعَوْتنِي فَأَجَبْتُك وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي " وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الصَّفَا: " اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ عَلَى الصَّفَا. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ " أَسْأَلُك بِكَذَا " نَوْعَانِ: فَإِنَّ الْبَاءَ قَدْ تَكُونُ
[ ١ / ٢١٠ ]
لِلْقَسَمِ وَقَدْ تَكُونُ لِلسَّبَبِ فَقَدْ تَكُونُ قَسَمًا بِهِ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ تَكُونُ سُؤَالًا بِسَبَبِهِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْقَسَمُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَكَيْفَ عَلَى الْخَالِقِ؟ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ السُّؤَالُ بِالْمُعَظَّمِ كَالسُّؤَالِ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُ السَّائِلِ لِلَّهِ تَعَالَى: " أَسْأَلُك بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ أَوْ بِجَاهِ فُلَانٍ أَوْ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ " يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ جَاهٌ وَهَذَا صَحِيحٌ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ وَحُرْمَةٌ يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ دَرَجَاتِهِمْ وَيُعْظِمَ أَقْدَارَهُمْ وَيَقْبَلَ شَفَاعَتَهُمْ إذَا شُفِّعُوا مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ وَاقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا سُنَّ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيهِ كَانَ سَعِيدًا وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُمْ الَّذِي بَلَّغُوهُ عَنْ اللَّهِ كَانَ سَعِيدًا وَلَكِنْ لَيْسَ نَفْسُ مُجَرَّدِ قَدْرِهِمْ وَجَاهِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي إجَابَةَ دُعَائِهِ إذَا سَأَلَ اللَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ اللَّهَ بِذَلِكَ بَلْ جَاهُهُمْ يَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا اتَّبَعَهُمْ وَأَطَاعَهُمْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ أَوْ تَأَسَّى بِهِمْ فِيمَا سَنُّوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا دَعَوْا لَهُ وَشُفِّعُوا فِيهِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ دُعَاءٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَلَا مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْإِجَابَةَ لَمْ يَكُنْ مُتَشَفِّعًا بِجَاهِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ بِجَاهِهِمْ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ يَكُونُ قَدْ سَأَلَ
[ ١ / ٢١١ ]
بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ سَبَبًا لِنَفْعِهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِمُطَاعِ كَبِيرٍ: " أَسْأَلُك بِطَاعَةِ فُلَانٍ لَك وَبِحُبِّك لَهُ عَلَى طَاعَتِك وَبِجَاهِهِ عِنْدَك الَّذِي أَوْجَبَتْهُ طَاعَتُهُ لَك لَكَانَ قَدْ سَأَلَهُ بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ إحْسَانُ اللَّهِ إلَى هَؤُلَاءِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَحَبَّتُهُ لَهُمْ وَتَعْظِيمُهُ لِأَقْدَارِهِمْ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لَهُ وَطَاعَتِهِمْ إيَّاهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ إجَابَةَ دُعَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِهِمْ وَإِنَّمَا يُوجِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ بِسَبَبِ مِنْهُ لِطَاعَتِهِ لَهُمْ أَوْ سَبَبٍ مِنْهُمْ لِشَفَاعَتِهِمْ لَهُ فَإِذَا انْتَفَى هَذَا وَهَذَا فَلَا سَبَبَ.
نَعَمْ لَوْ سَأَلَ اللَّهَ بِإِيمَانِهِ بِمُحَمَّدِ ﷺ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَطَاعَتِهِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ لَكَانَ قَدْ سَأَلَهُ بِسَبَبِ عَظِيمٍ يَقْتَضِي إجَابَةَ الدُّعَاءِ بَلْ هَذَا أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ شَفَاعَتَهُ فِي الْآخِرَةِ تَنْفَعُ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لَا أَهْلَ الشِّرْكِ وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ لِمَنْ دَعَا لَهُ بِالْوَسِيلَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدَ. فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ﴾ . فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ تَوْحِيدًا وَإِخْلَاصًا لِأَنَّ التَّوْحِيدَ جِمَاعُ الدِّينِ وَاَللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِذَا شُفِّعَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَدَّ لَهُ رَبُّهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ وَذَلِكَ بِحَسَبِ
[ ١ / ٢١٢ ]
مَا يَقُومُ بِقُلُوبِهِمْ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ. وَذَكَرَ ﷺ أَنَّهُ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَيَّنَ أَنَّ شَفَاعَتَهُ تُنَالُ بِاتِّبَاعِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَبِالدُّعَاءِ الَّذِي سَنَّ لَنَا أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِهِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ بِحَقِّ فُلَانٍ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ وَالثَّانِي هَلْ نَسْأَلُ اللَّهَ بِذَلِكَ كَمَا نَسْأَلُ بِالْجَاهِ وَالْحُرْمَةِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ حَقٌّ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَقَاسَ الْمَخْلُوقَ عَلَى الْخَالِقِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ بِحَالِ لَكِنْ يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ بِحُكْمِ وَعْدِهِ وَخَبَرِهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَتْبَاعِ جَهْمٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ عَلَيْهِ وَلَا يُقَاسُ بِمَخْلُوقَاتِهِ بَلْ هُوَ بِحُكْمِ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى
[ ١ / ٢١٣ ]