إذَا كَانَتْ مَقْدُورَةً وَأَمَّا مَا تُرِكَ فِيهِ فِعْلُ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الْفَاعِلِ فَأَقْوَالُ الْقَلْبِ وَأَفْعَالُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا مَا هُوَ حَسَنَةٌ وَسَيِّئَةٌ بِنَفْسِهِ.
وَثَانِيهَا مَا لَيْسَ سَيِّئَةً بِنَفْسِهِ حَتَّى يُفْعَلَ وَهُوَ السَّيِّئَةُ الْمَقْدُورَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَثَالِثُهَا مَا هُوَ مَعَ الْعَجْزِ كَالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ الْمُفَعْوِلَةِ وَلَيْسَ هُوَ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ الْمُفَعْوِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. " فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ ": هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يَحْصُلُ فِيهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَاتِ وَأَسْفَلُ الدَّرَكَاتِ بِمَا يَكُونُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الْجَوَارِحِ: بَلْ الْمُنَافِقُونَ يُظْهِرُونَ بِجَوَارِحِهِمْ الْأَقْوَالَ وَالْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَإِنَّمَا عِقَابُهُمْ وَكَوْنُهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ أَحْيَانًا بُغْضُ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لَكِنْ لَيْسَتْ الْعُقُوبَةُ مَقْصُورَةً عَلَى ذَلِكَ الْبُغْضِ الْيَسِيرِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْبُغْضُ دَلَالَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ
[ ١٠ / ٧٥٩ ]
نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفُوا فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. وَأَمَّا " الْقِسْمُ الثَّانِي " و" الثَّالِثُ " فَمَظِنَّةُ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تُنَافِي أُصُولَ الْإِيمَانِ مِثْلَ الْمَعَاصِي الطَّبْعِيَّةِ؛ مِثْلَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ مَاتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ﴾ وَكَمَا شَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُكْثِرُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَكَانَ يَجْلِدُهُ كُلَّمَا جِيءَ بِهِ فَلَعَنَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ﴿لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿قَالَ بَعْضُهُمْ: أَخْزَاهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ﴾ وَهَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ﴾ وَالْعَفْوُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ إنَّمَا وَقَعَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْعَفْوَ هُوَ فِيمَا يَكُونُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَقْدَحُ فِي الْإِيمَانِ فَأَمَّا مَا نَافَى الْإِيمَانَ فَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَافَى الْإِيمَانَ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مِنْ
[ ١٠ / ٧٦٠ ]
أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِينَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُعْفَى عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ كَلَامِهِ أَوْ عَمَلِهِ وَهَذَا فَرْقٌ بَيِّنٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَبِهِ تَأْتَلِفُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ. وَهَذَا كَمَا عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ فَمَنْ صَحَّ إيمَانُهُ عُفِيَ لَهُ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ كَمَا يُخْرَجُونَ مِنْ النَّارِ؛ بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ الْإِيمَانُ فَإِنَّ هَذَا لَمْ تَدُلّ النُّصُوصُ عَلَى تَرْكِ مُؤَاخَذَتِهِ بِمَا فِي نَفْسِهِ وَخَطَئِهِ وَنِسْيَانِهِ [وَلِهَذَا جَاءَ: ﴿نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ﴾ هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني فِي " كِتَابِ الْأَمْثَالِ " مِنْ مَرَاسِيلِ ثَابِتٍ البناني. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي النِّيَّةِ مَنْ طُرُقٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ضَعَّفَهَا. فَاَللَّهُ أَعْلَم. فَإِنَّ النِّيَّةَ يُثَابُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ بِمُجَرَّدِهَا] (*) وَتَجْرِي مَجْرَى الْعَمَلِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْعَمَلِ بِهَا إلَّا الْعَجْزُ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَأَمَّا عَمَلُ الْبَدَنِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا قَلِيلًا؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قُوَّةُ الْمُؤْمِنِ فِي قَلْبِهِ وَضَعْفُهُ فِي بَدَنِهِ وَقُوَّةُ الْمُنَافِقِ فِي بَدَنِهِ وَضَعْفُهُ فِي قَلْبِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
_________________
(١) (*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص ٩١): والذي يظهر لي أن الكلام على هذا الحديث ليس من الشيخ ﵀، بل أظنه كان في الحاشية فأقحمه بعض النساخ، ويدل عليه أمور: فمن ذلك: أن الكلام الذي بعد التخريج متصل بالحديث اتصالًا وثيقًا، ويبدو أن العبارة هي كالتالي (ولهذا جاء: " نية المؤمن خير من عمله "، فإن النية يثاب عليها المؤمن بمجردها. .)، وما بينهما مقجم. ومنه: أنك لو تأملت الكلام على الحديث لوجدته مستقلًا بنفسه، بدأ بـ (هذا الأثر. .) وانتهى بـ (فالله أعلم)، مما يزيد من احتمال كونه في حاشية النسخة فقام أحدهم بإدخاله في المتن. ومنه: ذكر اسم ابن القيم ﵀ فيه. هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
[ ١٠ / ٧٦١ ]
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الْآيَةُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ طَائِفٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ - إنَّهَا نُسِخَتْ فَالنَّسْخُ فِي لِسَانِ السَّلَفِ أَعَمُّ مِمَّا هُوَ فِي لِسَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ يُرِيدُونَ بِهِ رَفْعَ الدَّلَالَةِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا لِلْعَامِّ أَوْ تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عُرْفِهِمْ وَقَدْ أَنْكَرَ آخَرُونَ نَسْخَهَا لِعَدَمِ دَلِيلِ ذَلِكَ وَزَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَا يُنْسَخُ. وَرَدَّ آخَرُونَ بِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. كَالْخَبَرِ الَّذِي بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالْقَائِلُونَ بِنَسْخِهَا يَجْعَلُونَ النَّاسِخَ لَهَا الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَيَكُونُ الْمَرْفُوعُ عَنْهُمْ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَهُوَ مَا هَمُّوا بِهِ وَحَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْدُورَةِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ وَرُفِعَ عَنْهُمْ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. كَمَا رَوَى ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ﴾ . و" حَقِيقَةُ الْأَمْرِ " أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ لَمْ يَدُلّ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ بِهِ وَلَا
[ ١٠ / ٧٦٢ ]
يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يُحَاسَبُ أَنْ يُعَاقَبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ بِلَا سَبَبٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَلَا أَنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ شَيْءٍ أَوْ يُعَذِّبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إلَّا مَعَ التَّوْبَةِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْأَصْلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا كَانَ مُجَامِعًا لِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَمَا كَانَ مُنَافِيًا لَهُ وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بَيْنَ مَا كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُتْرَكْ إلَّا لِلْعَجْزِ عَنْهُ فَهَذَانِ الْفَرْقَانِ هُمَا فَصْل فِي هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ الْمُشْتَبِهَةِ. وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ أَصْلَ النِّزَاعِ فِي " الْمَسْأَلَةِ " إنَّمَا وَقَعَ لِكَوْنِهِمْ رَأَوْا عَزْمًا جَازِمًا لَا يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلٌ قَطُّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ الْفِعْلُ مُقَارِنًا لِلْعَزْمِ وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ مُقَارِنًا لِلْإِرَادَةِ امْتَنَعَ وُجُودُ الْمُرَادِ لَكِنْ لَا تَكُونُ تِلْكَ إرَادَةً جَازِمَةً فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ مُمْتَنِعَةٌ أَيْضًا فَمَعَ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ يُوجَدُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْفِعْلِ وَلَوَازِمِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ نَفْسَهُ. وَالْإِنْسَانُ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ: أَنَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ يَقْوَى طَلَبُهُ وَالطَّمَعُ فِيهِ وَإِرَادَتُهُ وَمَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ يَضْعُفُ ذَلِكَ الطَّمَعُ وَهُوَ لَا يَعْجِزُ عَمَّا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ عَلَى السَّوَاءِ وَلَا عَمَّا يَظْهَرُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ
[ ١٠ / ٧٦٣ ]
وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ. مِثْلَ بَسْطِ الْوَجْهِ وَتَعَبُّسِهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَهَذِهِ وَمَا يُشْبِهُهَا مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الذَّمُّ وَالْعِقَابُ كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحَمْدُ وَالثَّوَابُ. وَبَعْضُ النَّاسِ يُقَدِّرُ عَزْمًا جَازِمًا لَا يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلٌ قَطُّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا لِعَجْزِ يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ فَسَمُّوا التَّصْمِيمَ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَزْمًا جَازِمًا وَلَا نِزَاعَ فِي إطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ فَيَقُولُ: مَا قَارَنَ الْفِعْلَ فَهُوَ قَصْدٌ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ عَزْمٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْجَمِيعَ سَوَاءً وَقَدْ تَنَازَعُوا هَلْ تُسَمَّى إرَادَةُ اللَّهِ لِمَا يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَزْمًا وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ؛ لَكِنْ مَا عَزَمَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا بُدَّ حِينَ فِعْلِهِ مِنْ تَجَدُّدِ إرَادَةٍ غَيْرِ الْعَزْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَنَازَعُوا أَيْضًا هَلْ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي؟ وَقَدْ ذَكَرُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقُدْرَةَ مَعَ الدَّاعِي التَّمَامَ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ وَالْإِرَادَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ. والمتنازعون فِي هَذِهِ أَرَادَ أَحَدُهُمْ إثْبَاتَ الْعِقَابِ مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ عَزْمٍ عَلَى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ فِعْلٌ. وَأَرَادَ الْآخَرُ رَفْعَ الْعِقَابِ
[ ١٠ / ٧٦٤ ]