نَفْسُهُ مُشْتَغِلَةً بِهَا. وَاَلَّذِينَ يَسْلُكُونَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ مَسْلَكًا نَاقِصًا يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ يُسَمَّى " الِاصْطِلَامُ " وَ" الْفَنَاءُ " يَغِيبُ بِمَحْبُوبِهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِشَيْءِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَ" مِنْهُمْ " مِنْ قَدْ يَنْتَقِلُ مِنْ هَذَا إلَى " الِاتِّحَادِ ". فَيَقُولُ: أَنَا هُوَ وَهُوَ أَنَا وَأَنَا اللَّهُ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْ السَّالِكِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ غَايَةُ السَّالِكِينَ وَأَنَّ هَذَا هُوَ " التَّوْحِيدُ " الَّذِي هُوَ نِهَايَةُ كُلِّ سَالِكٍ. وَهُمْ غالطون فِي هَذَا؛ بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى وَلَكِنْ ضَلُّوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الْبَاطِنِ فِي خَبَرِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْمُتَّبِعِينَ لِشَهَوَاتِهِمْ مِنْ الصُّوَرِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ يَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِ أَحَدِهِمْ مَا يَشْتَهِيهِ حَتَّى يَقْهَرَهُ وَيَمْلِكَهُ وَيَبْقَى أَسِيرًا، مَا يَهْوَاهُ يَصْرِفُهُ كَيْفَ تَصَرَّفَ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَنَا عَلَى الشَّابِّ النَّاسِكِ بِأَخْوَفَ مِنِّي عَلَيْهِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ يَثِبُ عَلَيْهِ مِنْ صَبِيٍّ حَدَثٍ يَجْلِسُ إلَيْهِ.
[ ١٠ / ٥٩٤ ]
وَذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ الصَّافِيَةَ الَّتِي فِيهَا رِقَّةُ " الرِّيَاضَةِ " وَلَمْ تَنْجَذِبْ إلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ انْجِذَابًا تَامًّا وَلَا قَامَ بِهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ مَا يَصْرِفُهَا عَنْ هَوَاهَا مَتَى صَارَتْ تَحْتَ صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ اسْتَوْلَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ عَلَيْهَا كَمَا يَسْتَوْلِي السَّبُعُ عَلَى مَا يَفْتَرِسُهُ؛ فَالسُّبُعُ يَأْخُذُ فَرِيسَتَهُ بِالْقَهْرِ وَلَا تَقْدِرُ الْفَرِيسَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَذَلِكَ مَا يُمَثِّلُهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ مِنْ الصُّوَرِ الْمَحْبُوبَةِ تَبْتَلِعُ قَلْبَهُ وَتَقْهَرَهُ فَلَا يَقْدِرُ قَلْبُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَيَبْقَى قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ أَعْظَمَ مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْفَرِيسَةِ فِي جَوْفِ الْأَسَدِ؛ لِأَنَّ الْمَحْبُوبَ الْمُرَادَ هُوَ غَايَةُ النَّفْسِ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ قَاهِرٌ. وَ" الْقَلْبُ " يَغْرَقُ فِيمَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ: إمَّا مِنْ مَحْبُوبٍ وَإِمَّا مِنْ مَخُوفٍ كَمَا يُوجَدُ مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالصُّوَرِ، وَالْخَائِفُ مِنْ غَيْرِهِ يَبْقَى قَلْبُهُ وَعَقْلُهُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ كَمَا يَغْرَقُ الْغَرِيقُ فِي الْمَاءِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا مَا يُحِيطُ بِهَا مِنْ الْأَجْسَامِ وَالْقُلُوبِ يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا مَا يَتَمَثَّلُ لَهَا مِنْ الْمَخَاوِفِ وَالْمَحْبُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فَالْمَحْبُوبُ يَطْلُبُهُ وَالْمَكْرُوهُ يَدْفَعُهُ وَالرَّجَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْبُوبِ، وَالْخَوْفُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَكْرُوهِ وَلَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ إلَّا اللَّهُ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ .
[ ١٠ / ٥٩٥ ]