التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَمَنْ كَانَ وَاثِقًا بِاَللَّهِ أَنْ يَجْلِبَ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ مَا يَضُرُّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَدَعَ هَوَاهُ وَيُطِيعَ أَمْرَهُ وَإِلَّا فَنَفْسُهُ لَا تَدَعُهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَقُولُ إنَّهُ مُحْتَاجٌ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ - ﵁ -: " وَعَلَامَةُ فَنَاءِ إرَادَتِك بِفِعْلِ اللَّهِ أَنَّك لَا تُرِيدُ مُرَادًا قَطُّ فَلَا يَكُنْ لَك غَرَضٌ وَلَا تَقِفُ لَك حَاجَةٌ وَلَا مَرَامٌ؛ لِأَنَّك لَا تُرِيدُ مَعَ إرَادَةِ اللَّهِ سِوَاهَا بَلْ يَجْرِي فِعْلُهُ فِيك فَتَكُونُ أَنْتَ إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلَهُ، سَاكِنَ الْجَوَارِحِ، مُطَمْئِنَ الْجَنَانِ، مَشْرُوحَ الصَّدْرِ، مُنَوَّرَ الْوَجْهِ، عَامِرَ الْبَاطِنِ، غَنِيًّا عَنْ الْأَشْيَاءِ بِخَالِقِهَا تقلبك يَدُ الْقُدْرَةِ، وَيَدْعُوك لِسَانُ الْأَزَلِ، وَيُعَلِّمُك رَبُّ الْمُلْكِ وَيَكْسُوَك نُورًا مِنْهُ وَالْحُلَلَ، وَيُنْزِلُك مَنَازِلَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ مُنْكَسِرًا أَبَدًا. فَلَا تَثْبُتُ فِيك شَهْوَةٌ وَلَا إرَادَةٌ: كَالْإِنَاءِ الْمُتَثَلِّمِ - الَّذِي لَا يَثْبُتُ فِيهِ مَائِعٌ وَلَا كَدِرٌ فَتَفْنَى عَنْ أَخْلَاقِ الْبَشَرِيَّةِ فَلَنْ يَقْبَلَ بَاطِنُك سَاكِنًا غَيْرَ إرَادَةِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ يُضَافُ إلَيْك التَّكْوِينُ، وَخَرْقُ الْعَادَاتِ فَيُرَى ذَلِكَ مِنْك فِي ظَاهِرِ الْعَقْلِ وَالْحُكْمِ وَهُوَ فِعْلُ اللَّهِ ﵎ حَقًّا فِي الْعِلْمِ فَتَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي زُمْرَةِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ الَّذِينَ كُسِرَتْ إرَادَتُهُمْ الْبَشَرِيَّةُ وَأُزِيلَتْ شَهَوَاتُهُمْ الطَّبِيعِيَّةُ وَاسْتَوْثَقَتْ لَهُمْ إرَادَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ وَشَهَوَاتٌ إضَافِيَّةٌ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ﴾ " فَأُضِيفَ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهُ وَزَالَ عَنْهُ تَحْقِيقًا لِمَا أَشَرْت إلَيْهِ وَتَقَدَّمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ﴿أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي﴾ " وَسَاقَ كَلَامَهُ. وَفِيهِ: " ﴿وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ﴾ " الْحَدِيثَ. قُلْت: هَذَا الْمَقَامُ هُوَ آخِرُ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - ﵁ - وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ كَوْنَ شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِإِرَادَتِهِ فَقَوْلُهُ: عَلَامَةُ فَنَاءِ إرَادَتِك بِفِعْلِ اللَّهِ أَنَّك لَا تُرِيدُ مُرَادًا قَطُّ. أَيْ لَا تُرِيدُ مُرَادًا لَمْ تُؤْمَرْ بِإِرَادَتِهِ فَأَمَّا مَا أَمَرَك اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِإِرَادَتِك إيَّاهُ فَإِرَادَتُهُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ وَتَرْكُ إرَادَةِ هَذَا إمَّا مَعْصِيَةٌ وَإِمَّا نَقْصٌ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ يَلْتَبِسُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ السَّالِكِينَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْكَامِلَةَ أَلَّا يَكُونَ لِلْعَبْدِ إرَادَةٌ أَصْلًا وَأَنَّ قَوْلَ أَبِي يَزِيدَ: " أُرِيدُ أَلَّا أُرِيدَ " - لَمَّا قِيلَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ؟ - نَقْصٌ وَتَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ، وَيَحْمِلُونَ كَلَامَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ يُمْدَحُونَ بِتَرْكِ الْإِرَادَةِ عَلَى تَرْكِ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ عَلَى الشُّيُوخِ الْمُسْتَقِيمِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الشُّيُوخِ مَنْ يَأْمُرُ بِتَرْكِ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ هَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْدُورِ وَلَا مَأْمُورٍ
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
فَإِنَّ الْحَيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إرَادَةٍ فَلَا يُمْكِنُ حَيًّا أَلَّا تَكُونَ لَهُ إرَادَةٌ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَأْمُرُ بِهَا أَمْرُ إيجَابٍ أَوْ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا يَدَعُهَا إلَّا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ عَاصٍ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَانَ تَارِكُهَا تَارِكًا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ الْأَنْبِيَاءَ وَالصِّدِّيقِينَ بِهَذِهِ " الْإِرَادَةِ " فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ﴿إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
وَلَا عِبَادَةَ إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَلِمَا أَمَرَ بِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
هُوَ إرَادَتُهُ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . وَكُلُّ مُحِبٍّ فَهُوَ مُرِيدٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵇ ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ؛ يَأْمُرُ اللَّهُ بِإِرَادَتِهِ وَإِرَادَةِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْ إرَادَةِ غَيْرِهِ وَإِرَادَةِ مَا نَهَى عَنْهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ﴾ " فَهُمَا " إرَادَتَانِ ": إرَادَةٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا وَإِرَادَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَلَا يَرْضَاهَا بَلْ إمَّا نَهَى عَنْهَا وَإِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهَا وَلَا يَنْهَى عَنْهَا وَالنَّاسُ فِي الْإِرَادَةِ " ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ". قَوْمٌ يُرِيدُونَ مَا يَهْوُونَهُ فَهَؤُلَاءِ عَبِيدُ أَنْفُسِهِمْ وَالشَّيْطَانِ. وَقَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ فَرَغُوا مِنْ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُرَادٌ إلَّا مَا يُقَدِّرُهُ الرَّبُّ وَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ هُوَ أَكْمَلُ الْمَقَامَاتِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهَذَا فَقَدْ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الْقَدَرِيَّةُ الْكَوْنِيَّةُ؛ وَأَنَّهُ
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
شَهِدَ القيومية الْعَامَّةَ وَيَجْعَلُونَ الْفَنَاءَ فِي شُهُودِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ الْغَايَةُ؛ وَقَدْ يُسَمُّونَ هَذَا: الْجَمْعَ وَالْفَنَاءَ وَالِاصْطِلَامَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ زَلَقُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَفِي " هَذَا الْمَقَامِ " كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْجُنَيْد بْنِ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابِهِ الصُّوفِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى شُهُودِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَهُوَ شُهُودُ الْقَدَرِ؛ وَسَمَّوْا هَذَا " مَقَامَ الْجَمْعِ " فَإِنَّهُ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْفَرْقُ الطَّبِيعِيُّ بِإِرَادَةِ هَذَا وَكَرَاهَةِ هَذَا، وَرُؤْيَةِ فِعْلِ هَذَا وَتَرْكِ هَذَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ هَذَا التَّوْحِيدَ يَرَى لِلْخَلْقِ فِعْلًا يَتَفَرَّقُ بِهِ قَلْبُهُ فِي شُهُودِ أَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ فِيمَا يُرِيدُهُ فَإِذَا أَرَادَ الْحَقَّ خَرَجَ بِإِرَادَتِهِ عَنْ إرَادَةِ الْهَوَى وَالطَّبْعِ ثُمَّ شَهِدَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَخَرَجَ بِشُهُودِ هَذَا الْجَمْعِ عَنْ ذَاكَ الْفَرْقِ فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا ذَكَرَ لَهُمْ الْجُنَيْد بْنُ مُحَمَّدٍ " الْفَرْقَ الثَّانِي " وَهُوَ بَعْدَ هَذَا الْجَمْعِ وَهُوَ الْفَرْقُ الشَّرْعِيُّ. أَلَّا تَرَى أَنَّك تُرِيدُ مَا أُمِرْت بِهِ وَلَا تُرِيدُ مَا نُهِيت عَنْهُ وَتَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاهُ وَأَنَّ عِبَادَتَهُ هِيَ بِطَاعَةِ رُسُلِهِ فَتُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ وَبَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَتَشْهَدُ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ فَنَازَعُوهُ فِي هَذَا " الْفَرْقِ "
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ،وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِيهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ. ثُمَّ إنَّك تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الشُّيُوخِ إنَّمَا يَنْتَهِي إلَى ذَلِكَ الْجَمْعِ وَهُوَ " تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ " وَالْفِنَاءُ فِيهِ. كَمَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ مَعَ أَنَّهُ قَطْعًا كَانَ قَائِمًا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمَعْرُوفَيْنِ لَكِنْ قَدْ يَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا لِأَجْلِ الْعَامَّةِ. وَ(مِنْهُمْ مَنْ يَتَنَاقَضُ) . وَ(مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْوُقُوفُ مَعَ الْأَمْرِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ) وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُمْ بِأَهْلِ الْمَارَسْتَانِ. وَ(مِنْهُمْ مِنْ يُسَمِّي ذَلِكَ مَقَامَ التَّلْبِيسِ) . وَ(مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: التَّحْقِيقُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ فِي قَلْبِك مَشْهُودًا وَالْفَرْقُ عَلَى لِسَانِك مَوْجُودًا) فَيَشْهَدُ بِقَلْبِهِ اسْتِوَاءَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ مَعَ تَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمَا. وَ(مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ مُنْتَهَى سُلُوكِ
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
الْعَارِفِينَ وَغَايَةُ مَنَازِلِ الْأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقِينَ) . وَ(مِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْوُقُوفَ مَعَ إرَادَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ فِي السُّلُوكِ وَالْبِدَايَةِ وَأَمَّا فِي النِّهَايَةِ فَلَا تَبْقَى إلَّا إرَادَةُ الْقَدَرِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِسُقُوطِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ وَالطَّاعَةَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ إنَّمَا تَكُونُ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ لَا فِي الْجَرْيِ مَعَ الْمَقْدُورِ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا أَوْ فَسُوقًا أَوْ عِصْيَانًا وَمِنْ هُنَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ السَّالِكِينَ مِنْ أَعْوَانِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ وَخُفَرَائِهِمْ حَيْثُ شَهِدُوا الْقَدَرَ مَعَهُمْ؛ وَلَمْ يَشْهَدُوا الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الشَّرْعِيَّيْنِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ الْقَدَرَ سَقَطَ عَنْهُ الْمُلَامُ. وَيَقُولُونَ إنَّ الْخَضِرَ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الْمُلَامُ لَمَّا شَهِدَ الْقَدَرَ. وَأَصْحَابُ شُهُودِ الْقَدَرِ قَدْ يُؤْتَى أَحَدُهُمْ مُلْكًا مِنْ جِهَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ بِالْكَشْفِ وَالتَّصَرُّفِ فَيَظُنُّ ذَلِكَ كَمَالًا فِي الْوِلَايَةِ؛ وَتَكُونُ تِلْكَ " الْخَوَارِقُ " إنَّمَا حَصَلَتْ بِأَسْبَابِ شَيْطَانِيَّةٍ وَأَهْوَاءٍ نَفْسَانِيَّةٍ؛ وَإِنَّمَا الْكَمَالُ فِي الْوِلَايَةِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ خَرْقُ الْعَادَاتِ فِي إقَامَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ مَعَ حُصُولِهِمَا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ فَإِذَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ اُسْتُعْمِلَتْ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى مُحَرَّمٍ كانت مَذْمُومَةً وَإِنْ تَوَصَّلَ بِهَا إلَى مُبَاحٍ
[ ١٠ / ٤٩٩ ]