لَا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى طَاعَةٍ كَانَتْ لِلْأَبْرَارِ دُونَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَمَّا إنْ حَصَلَتْ بِالسَّبَبِ الشَّرْعِيِّ وَاسْتُعِينَ بِهَا عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ: فَهَذِهِ خَوَارِقُ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ. فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْظَرَ فِي " الْخَوَارِقِ " فِي أَسْبَابِهَا وَغَايَاتِهَا: مِنْ أَيْنَ حَصَلَتْ وَإِلَى مَاذَا أَوْصَلَتْ - كَمَا يُنْظَرُ فِي الْأَمْوَالِ فِي مُسْتَخْرَجِهَا وَمَصْرُوفِهَا - وَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا - أَعْنِي الْخَوَارِقَ - فِي إرَادَتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ كَانَ مَذْمُومًا وَمَنْ كَانَ خَالِيًا عَنْ الْإِرَادَتَيْنِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا حَسْبُهُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْرِفْ الْإِرَادَةَ الشَّرْعِيَّةَ. وَأَمَّا إنْ عَرَفَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مَذْمُومًا مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ إنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَهُوَ يُمْدَحُ بِكَوْنِ إرَادَتِهِ لَيْسَتْ بِهَوَاهُ؛ لَكِنْ يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَكْفِيهِ أَنْ تَكُونَ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ خُلُوُّهُ عَنْ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إرَادَةٍ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرَادَ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ لَكِنْ إذَا جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ مَا تَهْوَاهُ بَقِيَ مُرِيدًا لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَكُونُ ضَالًّا. فَإِنَّ هَذَا يُشْبِهُ حَالَ الضَّالِّينَ مِنْ النَّصَارَى. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ﴾ ". فَالْيَهُودُ لَهُمْ إرَادَاتٌ فَاسِدَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ: بِأَنَّهُمْ عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. وَهُمْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ فَلَهُمْ عِلْمٌ لَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ وَهُمْ فِي الْإِرَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الْمُحَرَّمَةِ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ لَيْسُوا فِي الْإِرَادَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَهِيَ إرَادَةُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَالنَّصَارَى لَهُمْ قَصْدٌ وَعِبَادَةٌ وَزُهْدٌ لَكِنَّهُمْ ضُلَّالٌ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلَا يَعْرِفُونَ الْإِرَادَةَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَلْ غَايَةُ أَحَدِهِمْ تَجْرِيدُ نَفْسِهِ عَنْ الْإِرَادَاتِ فَلَا يَبْقَى مُرِيدًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَمَا لَا يُرِيدُ كَثِيرًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَهَؤُلَاءِ ضَالُّونَ عَنْ مَقْصُودِهِمْ فَإِنَّ مَقْصُودَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِهَذَا كَانُوا مَلْعُونِينَ: أَيْ بَعِيدِينَ عَنْ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُنَالُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿. وَ" الْعَالِمُ الْفَاجِرُ " يُشْبِهُ الْيَهُودَ. وَ" الْعَابِدُ الْجَاهِلُ " يُشْبِهُ النَّصَارَى. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ مَنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّانِي.
[ ١٠ / ٥٠١ ]
وَهَذَا الْمَوْضِعُ تَفَرَّقَ فِيهِ بَنُو آدَمَ وَتَبَايَنُوا تَبَايُنًا عَظِيمًا لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ. فَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وَأَفْضَلُ الْأَحْوَالِ فِيهِ حَالُ الْخَلِيلَيْنِ: إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَمُحَمَّدٌ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَفْضَلُ الْأَوَّلِينَ والآخرين، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِمَامُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا، وَخَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا وَهُوَ الْمَعْرُوجُ بِهِ إلَى مَا فَوْقَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ - إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمَا.
وَأَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ " إبْرَاهِيمُ " كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " ﴿أَنَّ إبْرَاهِيمَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ " وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَةِ الْجُمْعَةِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ﴾ ". وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " ﴿مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ قَطُّ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ﴾ ".
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
﴿وَقَالَ أَنَسٌ: خَدَمْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ وَمَا قَالَ لِي لِشَيْءِ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءِ لَمْ أَفْعَلْهُ لِمَ لَا فَعَلْتَهُ؟ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ إذَا عَنَّفَنِي عَلَى شَيْءٍ قَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ﴾ ". وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَهُ الْوَسِيلَةُ فِي الْمَقَامَاتِ كُلِّهَا وَلَمْ يَكُنْ حَالُهُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ شَيْئًا وَلَا أَنَّهُ يُرِيدُ كُلَّ وَاقِعٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَالُهُ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْهَوَى بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ . وَالْمُرَادُ بِعَبْدِهِ عَابِدُهُ الْمُطِيعُ لِأَمْرِهِ؛ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقِينَ عِبَادٌ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعَبَّدُونَ مَخْلُوقُونَ مدبرون. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَابْنِ عُيَيْنَة وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: عَلَى دِينٍ عَظِيمٍ. وَ" الدِّينُ " فِعْلُ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعَاقِبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ لَكِنْ يُعَاقِبُ لِلَّهِ
[ ١٠ / ٥٠٣ ]
وَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ يَعْفُو عَنْ حُظُوظِهِ وَأَمَّا حُدُودُ اللَّهِ فَقَدْ قَالَ: " ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا﴾ " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الْإِرَادَةِ؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ وَكَرِهَ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وَأَمَّا لِحَظِّ نَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ يُعَاقِبُ وَلَا يَنْتَقِمُ بَلْ يَسْتَوْفِي حَقَّ رَبِّهِ، وَيَعْفُو عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ وَفِي حَظِّ نَفْسِهِ يَنْظُرُ إلَى الْقَدَرِ. فَيَقُولُ: " ﴿لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ﴾ " وَفِي حَقِّ اللَّهِ يَقُومُ بِالْأَمْرِ فَيَفْعَلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَكْمَلَ الْجِهَادِ الْمُمْكِنِ فَجَاهَدَهُمْ أَوَّلًا بِلِسَانِهِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ . ثُمَّ لَمَّا
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى لَمَّا لَامَ مُوسَى آدَمَ لِكَوْنِهِ أَخْرَجَ نَفْسَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ الْجَنَّةِ بِالذَّنْبِ الَّذِي فَعَلَهُ فَأَجَابَهُ آدَمَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِمُدَّةِ طَوِيلَةٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " ﴿فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى﴾ " وَذَلِكَ لِأَنَّ مَلَامَ مُوسَى لِآدَمَ لَمْ يَكُنْ لِحَقِّ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِمَا لَحِقَهُ وَغَيْرَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْمُصِيبَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَذَكَرَ لَهُ آدَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ أَمْرًا مُقَدَّرًا لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُ الْعِبَادَ يُؤْمَرُونَ فِيهَا بِالصَّبْرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفَعُهُمْ. وَأَمَّا لَوْمُهُمْ لِمَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهَا فَلَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَنْفَعُهُمْ يُؤْمَرُونَ فِي ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَدَرِ وَأَمَّا التَّأَسُّفُ وَالْحُزْنُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ فَمَا جَرَى بِهِ الْقَدَرُ مِنْ فَوْتِ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ حُصُولِ مَضَرَّةٍ لَهُمْ فَلْيَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ إلَى الْقَدَرِ وَأَمَّا مَا كَانَ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَلْيَجْتَهِدُوا فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْإِصْلَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَنْفَعُهُمْ وَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُمْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُمْ.
[ ١٠ / ٥٠٥ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ. وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا؛ وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ﴾ " أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحِرْصِ الْعَبْدِ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَأَنْفَعُ مَا لِلْعَبْدِ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ هُمَا حَقِيقَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ الْإِضَاعَةُ وَالتَّفْرِيطُ وَالتَّوَانِي. كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " ﴿الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ﴾ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: " ﴿أَنَّ رَجُلَيْنِ تَحَاكَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى عَلَى أَحَدِهِمَا. فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَك أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ " فَالْكَيْسُ ضِدُّ الْعَجْزِ. وَفِي الْحَدِيثِ: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ﴾ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَجْزِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُضَادُّ
[ ١٠ / ٥٠٦ ]