مُطْلَقًا عَنْ كُلِّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْجَازِمَةِ وَنَحْوِهَا مَعَ ظَنِّ الِاثْنَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ لَمْ يَظْهَرْ بِقَوْلِ وَلَا عَمَلٍ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ انْحِرَافٌ عَنْ الْوَسَطِ. فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْفِعْلُ مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا لِعَجْزِ يَجْرِي صَاحِبُهَا مَجْرَى الْفَاعِلِ التَّامِّ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَأَمَّا إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا فَذَلِكَ الْمُتَخَلِّفُ لَا يَكُونُ مُرَادًا إرَادَةً جَازِمَةً؛ بَلْ هُوَ الْهَمُّ الَّذِي وَقَعَ الْعَفْوُ عَنْهُ. وَبِهِ ائْتَلَفَتْ النُّصُوصُ وَالْأُصُولُ.
ثُمَّ هُنَا " مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ " فِيمَا يَجْتَمِعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ كَالِاعْتِقَادَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ وَإِرَادَةِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ؛ مِثْلَ شَهْوَةِ النَّفْسِ لِلْمَعْصِيَةِ وَبُغْضِ الْقَلْبِ لَهَا. وَمِثْلَ حَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ إذَا قَارَنَهُ بَعْضُ ذَلِكَ وَالتَّعَوُّذُ مِنْهُ كَمَا ﴿شَكَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ فَقَالُوا: إنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَحْتَرِقَ حَتَّى يَصِيرَ حُمَمَةً أَوْ يَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَقَالَ: أو قَدْ وَجَدْتُمُوهُ فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِيهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ﴾ . وَحِينَ كَتَبْت هَذَا الْجَوَابَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْ الْكُتُبِ مَا يُسْتَعَانُ
[ ١٠ / ٧٦٥ ]
بِهِ عَلَى الْجَوَابِ؛ فَإِنَّ لَهُ مَوَارِدَ وَاسِعَةً. فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ؛ بَلْ إنْ كَانَ فِي الْكُفْرِ الْبَسِيطِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَتَرَكَ الْإِيمَانَ بِهِ - وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ تَكْذِيبَهُ - فَهَذَا قَدْ لَا يُوَسْوِسُ لَهُ الشَّيْطَانُ بِذَلِكَ إذْ الْوَسْوَسَةُ بِالْمُعَارِضِ الْمُنَافِي لِلْإِيمَانِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي الْإِيمَانَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مُعَارِضٍ يَدْفَعُهُ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْكُفْرِ الْمُرَكَّبِ وَهُوَ التَّكْذِيبُ فَالْكُفْرُ فَوْقَ الْوَسْوَسَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إيمَانٌ يُكْرَهُ بِهِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ عَارِضَةً لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الْآيَاتُ. فَضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ لِمَا يُنْزِلُهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ بِالْمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ فِي أَوْدِيَةِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ الْقُلُوبَ كَالْأَوْدِيَةِ: مِنْهَا الْكَبِيرُ وَمِنْهَا الصَّغِيرُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا: فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَسَقَى النَّاسُ وَشَرِبُوا وَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ إنَّمَا هِيَ
[ ١٠ / ٧٦٦ ]
قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً فَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ. وَمِثْلَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلَتْ بِهِ﴾ فَهَذَا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ. و" الْمَثَلُ الْآخَرُ " مَا يُوقَدُ عَلَيْهِ لِطَلَبِ الْحِلْيَةِ وَالْمَتَاعِ: مِنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّ السَّيْلَ يَحْتَمِلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ زَبَدٌ مِثْلُهُ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الرَّابِي عَلَى الْمَاءِ وَعَلَى الْمُوقَدِ عَلَيْهِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الشَّكِّ وَالشُّبُهَاتِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةِ كَمَا شَكَاهُ الصَّحَابَةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ يَجْفُوهُ الْقَلْبُ فَيَرْمِيهِ وَيَقْذِفُهُ كَمَا يَقْذِفُ الْمَاءُ الزَّبَدَ وَيَجْفُوهُ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وَهُوَ مِثْلُ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ الْآيَةُ إلَى قَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ فَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ خَوَاطِرِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فَكَرِهَهُ وَأَلْقَاهُ ازْدَادَ إيمَانًا وَيَقِينًا كَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِذَنْبِ فَكَرِهَهُ وَنَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ لِلَّهِ ازْدَادَ صَلَاحًا وَبِرًّا وَتَقْوَى.
[ ١٠ / ٧٦٧ ]
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَإِذَا وَقَعَتْ لَهُ الْأَهْوَاءُ وَالْآرَاءُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنِّفَاقِ لَمْ يكرهها وَلَمْ يَنْفِهَا فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ سَيِّئَةُ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ حَسَنَةٍ إيمَانِيَّةٍ تَدْفَعُهَا أَوْ تَنْفِيهَا وَالْقُلُوبُ يَعْرِضُ لَهَا الْإِيمَانُ وَالنِّفَاقُ فَتَارَةً يَغْلِبُ هَذَا وَتَارَةً يَغْلِبُ هَذَا. وَقَوْلُهُ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا﴾ كَمَا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ فِي الصَّحِيحِ هُوَ مُقَيَّدٌ بِالتَّجَاوُزِ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ مُنَافِقٌ فِي الْبَاطِنِ وَهُمْ كَثِيرُونَ فِي الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِي حَالِ ظُهُورِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَمَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ وَكَانَ صَادِقًا مُجْتَنِبًا مَا يُضَادُّهُ أَوْ يُضْعِفُهُ يَتَجَاوَزُ لَهُ عَمَّا يُمْكِنُهُ التَّكَلُّمُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ: دُونَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ. فَالْقِسْمَانِ اللَّذَانِ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَبْدَ يُثَابُ فِيهِمَا وَيُعَاقَبُ عَلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ خَارِجَةٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ " و" مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ " إنَّمَا هُوَ فِي الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا فَرُبَّمَا فَعَلَهَا وَرُبَّمَا تَرَكَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ بسبعمائة ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.
[ ١٠ / ٧٦٨ ]
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَفْعَلُ الْحَسَنَاتِ لِلَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ و﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ وَهَذَا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُطْعِمُهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُخَفِّفُ عَنْهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ كَمَا خَفَّفَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ لِإِحْسَانِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُوعَدْ لِكَافِرِ عَلَى حَسَنَاتِهِ بِهَذَا التَّضْعِيفِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إنَّهُ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي هُوَ حَسَنُ الْإِسْلَامِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَم. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
[ ١٠ / ٧٦٩ ]