مَعَ أَنَّهَا أُمُورٌ اخْتِيَارِيَّةٌ وَلَهَا مُنَاسَبَاتٌ فَتُنَاسِبُ أَهْلَ مَكَانٍ وَزَمَانٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا تُنَاسِبُ أَهْلَ زَمَانٍ آخَرَ كَمَا يَخْتَارُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ وَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ مَا لَا يَخْتَارُونَهُ فِي الصَّيْفِ وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمُنَاسَبَةِ الدَّاعِيَةِ لَهُمْ؛ إذْ كَانُوا يَخْتَارُونَ فِي الْحَرِّ مِنْ الْمَأْكَلِ الْخَفِيفِ وَالْفَاكِهَةِ مَا يَخِفُّ هَضْمُهُ لِبَرْدِ بَوَاطِنِهِمْ وَضَعْفِ الْقُوَى الْهَاضِمَةِ وَفِي الشِّتَاءِ وَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ. يَخْتَارُونَ مِنْ الْمَآكِلِ الْغَلِيظَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ الْهَاضِمَةِ فِي بَوَاطِنِهِمْ أَوْ كَانَ زَمَنَ الشِّتَاءِ تَسْخُنُ فِيهِ الْأَجْوَافُ وَتَبْرُدُ الظَّوَاهِرُ مِنْ الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ الْهَوَاءِ يَبْرُدُ فِي الشِّتَاءِ وَشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ فَيَنْجَذِبُ إلَيْهِ الْبَرْدُ فَتَسْخُنُ الْأَجْوَافُ وَفِي الْحَرِّ يَسْخُنُ الْهَوَاءُ فَتَنْجَذِبُ إلَيْهِ الْحَرَارَةُ فَتَبْرُدُ الْأَجْوَافُ فَتَكُونُ الْيَنَابِيعُ فِي الصَّيْفِ بَارِدَةً لِبَرْدِ جَوْفِ الْأَرْضِ وَفِي الشِّتَاءِ تَسْخُنُ لِسُخُونَةِ جَوْفِ الْأَرْضِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ بَشَرًا مِنْ النَّاسِ لَيْسَ عَبَّادَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَحْدَهُ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بَلْ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَيَانِ يُثْبِتُونَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي وَيُقَسِّمُونَ الِاشْتِقَاقَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
الِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ: وَهُوَ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ فِي الْحُرُوفِ وَالتَّرْتِيبِ: مِثْلَ عِلْمٍ وَعَالِمٍ وَعَلِيمٍ.
وَالثَّانِي الِاشْتِقَاقُ الْأَوْسَطُ: وَهُوَ اتِّفَاقُهُمَا فِي الْحُرُوفِ دُونَ التَّرْتِيبِ
[ ٢٠ / ٤١٨ ]
مِثْلَ سُمِّيَ وَوُسِمَ؛ وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ إنَّ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ السِّمَةِ صَحِيحٌ إذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا الِاشْتِقَاقُ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الِاتِّفَاقُ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا فَالصَّحِيحُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ: فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي الْفِعْلِ سَمَّاهُ وَلَا يُقَالُ: وَسَمَهُ وَيُقَالُ فِي التَّصْغِيرِ: سمي وَلَا يُقَالُ: وسيم. وَيُقَالُ فِي جَمْعِهِ: أَسْمَاءٌ وَلَا يُقَالُ أوسام. وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ الثَّالِثُ: فَاتِّفَاقُهُمَا فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ دُونَ بَعْضٍ لَكِنْ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّفِقَا فِي جِنْسِ الْبَاقِي مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حُرُوفَ حَلْقٍ كَمَا يُقَالُ: حَزَرَ؛ وَعَزَرَ؛ وَأَزَرَ فَالْمَادَّةُ تَقْتَضِي الْقُوَّةَ وَالْحَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْهَمْزَةُ جِنْسُهَا وَاحِدٌ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ. وَمِنْهُ الْمُعَاقَبَةُ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمُعْتَلِّ وَالْمُضَعَّفِ كَمَا يُقَالُ: تَقَضَّى الْبَازِي؛ وَتَقَضَّضَ. وَمِنْهُ يُقَالُ: السُّرِّيَّةُ مُشْتَقٌّ مِنْ السِّرِّ وَهُوَ النِّكَاحُ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: الْعَامَّةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعَمَى. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الضَّمَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ ضَمِّ إحْدَى الذِّمَّتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى. وَإِذَا قِيلَ: هَذَا اللَّفْظُ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا فَهَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ
[ ٢٠ / ٤١٩ ]