تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَخَرَجَ مِنْهَا الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ خَمْسَةٌ: الْحَرَمَانِ وَالْعِرَاقَانِ وَالشَّامُ؛ مِنْهَا خَرَجَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَالْعِبَادَةُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ. وَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ بِدَعُ أُصُولِيَّةِ غَيْرِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. فَالْكُوفَةُ خَرَجَ مِنْهَا التَّشَيُّعُ وَالْإِرْجَاءُ وَانْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا. وَالْبَصْرَةُ خَرَجَ مِنْهَا الْقَدَرُ وَالِاعْتِزَالُ وَالنُّسُكُ الْفَاسِدُ وَانْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا. وَالشَّامُ كَانَ بِهَا النُّصُبُ وَالْقَدَرُ.
وَأَمَّا التَّجَهُّمُ فَإِنَّمَا ظَهَرَ مِنْ نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ وَهُوَ شَرُّ الْبِدَعِ. وَكَانَ ظُهُورُ الْبِدَعِ بِحَسَبِ الْبُعْدِ عَنْ الدَّارِ النَّبَوِيَّةِ فَلَمَّا حَدَثَتْ الْفُرْقَةُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الحرورية وَتَقَدَّمَ بِعُقُوبَتِهَا الشِّيعَةُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الْغَالِيَةِ حَيْثُ حَرَقَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّارِ وَالْمُفَضَّلَةُ حَيْثُ تَقَدَّمَ بِجَلْدِهِمْ ثَمَانِينَ والسبائية حَيْثُ تَوَعَّدَهُمْ وَطَلَبَ أَنْ يُعَاقَبَ ابْنُ سَبَأٍ بِالْقَتْلِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ. ثُمَّ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ حَدَثَتْ الْقَدَرِيَّةُ فِي آخِرِ عَصْرِ ابْنِ عُمَرَ
[ ٢٠ / ٣٠١ ]
وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَجَابِرٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَحَدَثَتْ الْمُرْجِئَةُ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّمَا حَدَثُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِهِمْ وَكَانَ ظُهُورُ جَهْمٍ بِخُرَاسَانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ شَيْخَهُمْ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ قَبْلَ ذَلِكَ ضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَأَمْثَالَهُ مِنْ التَّابِعِينَ فَشَكَرُوا ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ فَكَانَتْ سَلِيمَةً مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَإِنْ كَانَ بِهَا مَنْ هُوَ مُضْمِرٌ لِذَلِكَ فَكَانَ عِنْدَهُمْ مُهَانًا مَذْمُومًا؛ إذْ كَانَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ كَانُوا مَذْمُومِينَ مَقْهُورِينَ بِخِلَافِ التَّشَيُّعِ وَالْإِرْجَاءِ بِالْكُوفَةِ وَالِاعْتِزَالِ وَبِدَعِ النُّسَّاكِ بِالْبَصْرَةِ وَالنُّصُبِ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ
[ ٢٠ / ٣٠٢ ]