أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ الزَّكَاةَ حَقًّا لِلْفُقَرَاءِ وَمَنَعَ الْأَغْنِيَاءَ عَنْ الرِّبَا الَّذِي يَضُرُّ الْفُقَرَاءَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فَالظَّالِمُونَ يَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ وَيَأْكُلُونَ الرِّبَا وَأَمَّا الْقِمَارُ فَكُلٌّ مِنْ الْمُتَقَامِرَيْنِ قَدْ يَقْمُرُ الْآخَرَ وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْمُورُ هُوَ الْغَنِيَّ أَوْ يَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ ظُلْمِ الْمُحْتَاجِ وَضَرَرِهِ مَا فِي الرِّبَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظُلْمَ الْمُحْتَاجِ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ حَرَّمُوا الرِّبَا وَمَنَعُوا التَّحَيُّلَ عَلَى اسْتِحْلَالِهِ وَسَدُّوا الذَّرِيعَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يُسَوِّغُ الِاحْتِيَالَ عَلَى أَخْذِهِ؟ بَلْ يَدُلُّ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا يَظْهَرُ بِذِكْرِ مَثَلًا رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النسأ.
أَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ؛ إذْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِثْلِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَظُلْمٌ فَإِذَا أَرَادَ الْمَدِينُ أَنْ يَبِيعَ مِائَةَ دِينَارٍ مَكْسُورٍ
[ ٢٠ / ٣٤٧ ]
وَزْنُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا؛ يُسَوِّغُ لَهُ مُبِيحُ الْحِيَلِ أَنْ يُضِيفَ إلَى ذَلِكَ رَغِيفَ خُبْزٍ أَوْ مَنْدِيلٍ يُوضَعُ فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَسْهُلُ عَلَى كُلِّ مُرْبٍ فِعْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا فَائِدَةٌ وَلَا فِيهِ حِكْمَةٌ وَلَا يَشَاءُ مُرْبٍ أَنْ يَبِيعَ نَوْعًا مِنْ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَضُمَّ إلَى الْقَلِيلِ مَا لَا قَدْرَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَكَذَلِكَ إذَا سُوِّغَ لَهُمَا أَنْ يَتَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ بِعَرْضِ لَا قَصْدَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ ثُمَّ يَبْتَاعُهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ أَمْكَنَ طَالِبَ الرِّبَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ هُوَ دُونَ الرَّسُولِ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَأَذِنَ أَنْ يُفْعَلَ بِطَرِيقِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَكَانَ هَذَا عَيْبًا وَسَفَهًا؛ فَإِنَّ الْفَسَادَ بَاقٍ وَلَكِنْ زَادَهُمْ غِشًّا وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ فَقَدْ كَلَّفَهُمْ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَكَيْفَ يُظَنُّ هَذَا بِالرَّسُولِ ﷺ؟ بَلْ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُلُوكَ لَوْ نَهَوْا عَمَّا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَاحْتَالَ الْمَنْهِيُّ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَعَدُّوهُ لَاعِبًا مُسْتَهْزِئًا بِأَوَامِرِهِمْ وَقَدْ عَذَّبَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الَّذِينَ احْتَالُوا عَلَى أَلَّا يَتَصَدَّقُوا وَعَذَّبَ اللَّهُ الْقَرْيَةَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ لَمَّا اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَ بِالْحِيلَةِ بِأَنْ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَرْكَبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ﴾ .
[ ٢٠ / ٣٤٨ ]
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى " قَاعِدَةِ إبْطَالِ الْحِيَلِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ " فِي كِتَابٍ كَبِيرٍ مُفْرَدٍ وَقَرَّرْنَا فِيهِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَكَذَلِكَ رِبَا النسأ فَإِنَّ أَهْلَ ثَقِيفٍ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي إلَى الْغَرِيمِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَقُولُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ وَإِلَّا زَادَهُ الْمَدِينُ فِي الْمَاءِ وَزَادَهُ الطَّالِبُ فِي الْأَجَلِ فَيُضَاعِفُ الْمَالَ فِي الْمُدَّةِ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ. وَهَذَا هُوَ الرِّبَا الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَالظُّلْمُ وَالضَّرَرُ فِيهِ ظَاهِرٌ. وَاَللَّهُ ﷾ أَحَلَّ الْبَيْعَ وَأَحَلَّ التِّجَارَةَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَالْمُبْتَاعُ يَبْتَاعُ مَا يَسْتَنْفِعُ بِهِ كَطَعَامِ وَلِبَاسٍ وَمَسْكَنٍ وَمَرْكَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالتَّاجِرُ يَشْتَرِي مَا يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ لِيَرْبَحَ فِيهِ وَأَمَّا آخِذُ الرِّبَا فَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَيَلْزَمُ الْآخَرُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ بِلَا فَائِدَةٍ حَصَلَتْ لَهُ لَمْ يَبِعْ وَلَمْ يَتَّجِرْ وَالْمُرْبِي آكِلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ بِظُلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْ النَّاسَ لَا بِتِجَارَةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَلْ يُنْفِقُ دَرَاهِمَهُ بِزِيَادَةِ بِلَا مَنْفَعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ وَلَا لِلنَّاسِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَقْصُودَهُمَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَوَصَّلُوا إلَيْهِ حَصَلَ الْفَسَادُ وَالظُّلْمُ مِثْلَ أَنْ تَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ فَهَذِهِ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ وَفِي
[ ٢٠ / ٣٤٩ ]