وَبَابُ الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي كُلِّ وَعِيدٍ عَلَى فِعْلٍ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْوَعِيدِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِي مُقْتَضَاهَا: بِاعْتِقَادِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ مُتَوَعَّدٌ بِذَلِكَ الْوَعِيدِ لَكِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ بِهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى شُرُوطٍ؛ وَلَهُ مَوَانِعُ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَظْهَرُ بِأَمْثِلَةِ مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ﴾ وَصَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ ﴿قَالَ لِمَنْ بَاعَ صَاعَيْنِ بِصَاعِ يَدًا بِيَدِ: أُوهِ عَيْنُ الرِّبَا﴾ كَمَا قَالَ: ﴿الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءً وَهَاءً﴾ الْحَدِيثَ وَهَذَا يُوجِبُ دُخُولَ نَوْعَيْ الرِّبَا: رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النسأ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ بَلَغَهُمْ ﴿قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ﴾ فَاسْتَحَلُّوا بَيْعَ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ يَدًا بِيَدِ؛ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَأَصْحَابِهِ: أَبِي الشَّعْثَاءِ؛ وَعَطَاءٍ؛ وطاوس؛ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ؛ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْيَانِ الْمَكِّيِّينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ صَفْوَةِ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ أَوْ مَنْ قَلَّدَهُ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ: تَبْلُغُهُمْ لَعْنَةُ آكِلِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ تَأْوِيلًا سَائِغًا فِي الْجُمْلَةِ.
[ ٢٠ / ٢٦٣ ]
وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ إتْيَانِ الْمُحَاشِ مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ أَفَيَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يَقُولَ إنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا كَانَا كَافِرَيْنِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ ﴿قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا﴾ . وَثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ﴾ . وَخَطَبَ عُمَرُ ﵁ عَلَى مِنْبَرِهِ ﷺ فَقَالَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا مَا كَانُوا يَشْرَبُونَهُ فِي الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرَابٌ إلَّا الْفَضِيخُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ خَمْرِ الْأَعْنَابِ شَيْءٌ. وَقَدْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَمْرَ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ وَأَنَّ مَا سِوَى الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ لَا يَحْرُمُ مِنْ نَبِيذِهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُسْكِرُ وَيَشْرَبُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ مُنْدَرِجُونَ تَحْتَ الْوَعِيدِ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْعُذْرِ الَّذِي تَأَوَّلُوا بِهِ أَوْ لِمَوَانِعَ أُخَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ مِنْ الْخَمْرِ الْمَلْعُونِ شَارِبُهَا فَإِنَّ سَبَبَ الْقَوْلِ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ خَمْرٌ مِنْ الْعِنَبِ ثُمَّ ﴿إنَّ النَّبِيَّ
[ ٢٠ / ٢٦٤ ]
ﷺ قَدْ لَعَنَ الْبَائِعَ لِلْخَمْرِ﴾ وَقَدْ بَاعَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ خَمْرًا حَتَّى بَلَغَ عُمَرَ فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا﴾ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ بَيْعَهَا مُحَرَّمٌ وَلَمْ يَمْنَعْ عُمَرَ ﵁ عِلْمُهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ أَنْ يُبَيِّنَ جَزَاءَ هَذَا الذَّنْبِ؛ لِيَتَنَاهَى هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ بِهِ. وَقَدْ لَعَنَ الْعَاصِرَ وَالْمُعْتَصِرَ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْصِرَ لِغَيْرِهِ عِنَبًا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا فَهَذَا نَصٌّ فِي لَعْنِ الْعَاصِرِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْذُورَ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمَانِعِ. وَكَذَلِكَ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ صِحَاحٍ ثُمَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ فَقَطْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿إنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ﴿إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ﴾ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي تَحْرِيمِ قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ
[ ٢٠ / ٢٦٥ ]
بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ إنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَمَلِ وصفين لَيْسُوا فِي النَّارِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا عُذْرًا وَتَأْوِيلًا فِي الْقِتَالِ وَحَسَنَاتٍ مَنَعَتْ الْمُقْتَضِي أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ. وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاك وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنْيَا إنْ أَعْطَاهُ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ سَخِطَ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ﴾ فَهَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَ مَائِهِ. فَلَا يَمْنَعُنَا هَذَا الْخِلَافُ أَنْ نَعْتَقِدَ تَحْرِيمَ هَذَا مُحْتَجِّينَ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَمْنَعُنَا مَجِيءُ الْحَدِيثِ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهُ هَذَا الْوَعِيدُ. وَقَالَ ﷺ ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَعَنْ أَصْحَابِهِ مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ صَحَّحُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْعَقْدِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَعْذَارٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإِنَّ قِيَاسَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ؛ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَقِيَاسُ الْأُصُولِ عِنْدَ الثَّانِي أَنَّ الْعُقُودَ الْمُجَرَّدَةَ عَنْ شَرْطٍ مُقْتَرِنٍ لَا تُغَيِّرُ
[ ٢٠ / ٢٦٦ ]
أَحْكَامَ الْعُقُودِ؛ وَلَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ الْمُتَقَدِّمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَذَكَرُوهُ آخِذِينَ بِهِ أَوْ مُجِيبِينَ عَنْهُ؛ أَوْ بَلَغَهُمْ وَتَأَوَّلُوهُ؛ أَوْ اعْتَقَدُوا نَسْخَهُ؛ أَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَا يُعَارِضُهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ لَا يُصِيبُهُ هَذَا الْوَعِيدُ لَوْ أَنَّهُ فَعَلَ التَّحْلِيلَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَمْنَعُنَا ذَلِكَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ التَّحْلِيلَ سَبَبٌ لِهَذَا الْوَعِيدِ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ. وَكَذَلِكَ اسْتِلْحَاقُ مُعَاوِيَةَ ﵁ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ الْمَوْلُودَ عَلَى فِرَاشِ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ؛ لِكَوْنِ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ مِنْ نُطْفَتِهِ مَعَ أَنَّهُ ﷺ قَدْ قَالَ: ﴿مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ اُدُّعِيَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا﴾ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَهُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ الْأَبِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيَّنَ أَحَدٌ دُونَ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ الصَّحَابَةِ فَيُقَالُ: إنَّ هَذَا الْوَعِيدَ لَاحِقٌ بِهِ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَاعْتَقَدُوا
[ ٢٠ / ٢٦٧ ]