ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكْمِ بِهَا؛ وَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى ذَلِكَ وَمَنْ حَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِلَا شَهَادَةٍ أَصْلًا بَلْ بِالنُّكُولِ أَوْ الرَّدِّ وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي مَوَاضِعَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفِ لِلْقُرْآنِ؟ فَكَيْفَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ ثُمَّ مَالِكٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي الْقَسَامَةِ وَيُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ وَلَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ وَالشَّافِعِيُّ يُقِيمُ الْحَدَّ وَلَا يَقْتُلُ مِنْ الْقَسَامَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَحْمَد يُوَافِقُ عَلَى الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ دُونَ حَدِّ الْمَرْأَةِ بَلْ يَحْبِسُهَا إذَا لَمْ تَلْتَعِنْ وَيُخَلِّيهَا. وَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ قَتْلَ اللُّوطِيِّ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ؛ مُحْصَنَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَمَنْ قَالَ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ فَلَا سُنَّةَ مَعَهُ وَلَا أَثَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ لِلْكُوفِيِّ الَّذِي نَاظَرَهُ أَيُجْعَلُ مَا لَا يَحِلُّ بِحَالِ كَمَا يُبَاحُ بِحَالِ
[ ٢٠ / ٣٩٠ ]
دُونَ حَالٍ؟ وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى فِي التُّهَمِ كَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ يُرَاعُونَ فِيهَا حَالَ الْمُتَّهَمِ: هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ أَمْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ؟ وَيَرَوْنَ عُقُوبَةَ مَنْ ظَهَرَتْ التُّهْمَةُ فِي حَقِّهِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد ذَكَرُوا فِي عُقُوبَةِ مِثْلَ هَذَا هَلْ يُعَاقِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي أَمْ يُعَاقِبُهُ الْوَالِي؟ قَوْلَانِ. وَكَمَا يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ وَالِيًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ غَلِطَ وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ لِكَوْنِ هَذَا وَلِيٍّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ. وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ خِطَابِ بَعْضِ أَتْبَاعِ الْكُوفِيِّينَ وَفِي تَصَانِيفِهِمْ إذَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُحْتَجٌّ بِمَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ؛ كَقَتْلِهِ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الْجَارِيَةِ وَكَإِهْدَارِهِ لِدَمِ السَّابَّةِ الَّتِي سَبَّتْهُ وَكَانَتْ مُعَاهَدَةً وَكَأَمْرِهِ بِقَتْلِ اللُّوطِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالُوا: هَذَا يَعْمَلُهُ سِيَاسَةً فَيُقَالُ. لَهُمْ: هَذِهِ السِّيَاسَةُ: إنْ قُلْتُمْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ لَنَا فَهِيَ حَقٌّ؛ وَهِيَ سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً لَنَا فَهَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ. ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ بَعْدَ هَذَا سِيَاسَةٌ: إمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النَّاسَ
[ ٢٠ / ٣٩١ ]
يُسَاسُونَ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ أَمْ هَذِهِ السِّيَاسَةُ مِنْ غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ فَذَلِكَ مِنْ الدِّينِ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي فَهُوَ الْخَطَأُ. وَلَكِنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْخَطَأِ أَنَّ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ تَقْصِيرٌ عَنْ مَعْرِفَةِ سِيَاسَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسِيَاسَةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا مَاتَ نَبِيٌّ قَامَ نَبِيٌّ. وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ يَكْثُرُونَ؛ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوْفُوا بَيْعَةَ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلَ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ﴾ فَلَمَّا صَارَتْ الْخِلَافَةُ فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَاحْتَاجُوا إلَى سِيَاسَةِ النَّاسِ وَتَقَلَّدَ لَهُمْ الْقَضَاءَ مَنْ تَقَلَّدَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَلَمْ يَكُنْ مَا مَعَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ كَافِيًا فِي السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ: احْتَاجُوا حِينَئِذٍ إلَى وَضْعِ وِلَايَةِ الْمَظَالِمِ وَجَعَلُوا وِلَايَةَ حَرْبٍ غَيْرَ وِلَايَةِ شَرْعٍ وَتَعَاظَمَ الْأَمْرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى صَارَ يُقَالُ: الشَّرْعُ وَالسِّيَاسَةُ وَهَذَا يَدْعُو خَصْمَهُ إلَى الشَّرْعِ وَهَذَا يَدْعُو إلَى السِّيَاسَةِ سَوَّغَ حَاكِمًا أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّرْعِ وَالْآخَرُ بِالسِّيَاسَةِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَى الشَّرْعِ قَصَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ فَصَارَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ إذَا حَكَمُوا ضَيَّعُوا الْحُقُوقَ وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ حَتَّى تُسْفَكَ الدِّمَاءُ وَتُؤْخَذَ الْأَمْوَالُ وَتُسْتَبَاحَ الْمُحَرَّمَاتُ؟ وَاَلَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَى السِّيَاسَةِ صَارُوا يَسُوسُونَ بِنَوْعِ مِنْ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ
[ ٢٠ / ٣٩٢ ]