ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَلْ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِهِ لِلصَّحَابَةِ إنَّمَا عَلَّمَهُمْ الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ فَهَذِهِ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ أَيْضًا غَلَطٌ فِي الْقَصْدِ فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِعْلِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي النَّفْسِ فَالتَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ كَتَلَفُّظِ الْآكِلِ بِنِيَّةِ الْأَكْلِ؛ وَالشَّارِبِ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ؛ وَالنَّاكِحِ بِنِيَّةِ النِّكَاحِ؛ وَالْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ " صِفَاتُ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّ مَالِكًا وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يُجَوِّزُونَ تَغْيِيرَ صِفَةِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَلَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ الْمَشْرُوعِ؛ وَهُوَ قَوْلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَمَا أَنَّ هَذَا التَّكْبِيرَ هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْأَذَانِ وَالْأَعْيَادِ وَلَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الْمَقْصُودِ الْمَنْصُوصِ فِي الزَّكَاةِ إلَى مَا يَخْتَارُ الْمَالِكُ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالْقِيمَةِ. وَهُمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ حَيْثُ يَسْتَحِبُّونَ تَقْدِيمَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَيَجْعَلُونَ وَقْتَ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَيَجْعَلُونَ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُشْتَرِكًا لِلْمَعْذُورِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَالْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ
[ ٢٠ / ٣٥٩ ]
وَيُجَوِّزُونَ الْجَمْعَ لِلْمُسَافِرِ الَّذِي جَدَّ بِهِ السَّيْرُ؛ وَالْمَرِيضِ؛ وَفِي الْمَطَرِ. وَهُمْ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ مُعْتَدِلُونَ؛ فَإِنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَجْعَلُ الْإِتْمَامَ أَفْضَلَ مِنْ الْقَصْرِ أَوْ يَجْعَلُ الْقَصْرَ أَفْضَلَ لَكِنْ لَا يَكْرَهُ الْإِتْمَامَ بَلْ يَرَى أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْإِتْمَامَ غَيْرَ جَائِزٍ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الْقَصْرُ وَإِذَا رَبَّعَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَيَجْعَلُونَ الْقَصْرَ سُنَّةً رَاتِبَةً وَالْجَمْعَ رُخْصَةً عَارِضَةً. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالسُّنَّةِ. وَكَذَلِكَ فِي " السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ " يَجْعَلُونَ الْوِتْرَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا شَفْعٌ. وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا وِتْرَ إلَّا كَالْمَغْرِبِ. مَعَ أَنَّ تَجْوِيزَ كِلَيْهِمَا أَصَحُّ؛ لَكِنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ. فَقَوْلُهُمْ أَرْجَحُ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ مُطْلَقًا وَلَا يَرَوْنَ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَهَا سُنَّةً رَاتِبَةً خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ. وَمَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ مَعَ الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَّتَ أَشْيَاءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ فَقَوْلُ مَالِكٍ أَقْرَبُ إلَى السُّنَّةِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ الْجَمْعَ وَالْقَصْرَ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْقَصْرَ
[ ٢٠ / ٣٦٠ ]
بِمِنَى سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا رَيْبٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْجَمْعِ أَسْبَابًا غَيْرَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطَّوِيلِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزْهُ إلَّا فِي الطَّوِيلِ لَا فِي الْقَصِيرِ. وَظَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِمِنَى ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ﴾ وَهَذَا بَاطِلٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا صَلَّى فِي مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَكَذَلِكَ قَدْ نَقَلُوا هَذَا عَنْ عُمَرَ. وَيُرْوَى أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا حَجَّ أَمَرَ أَبَا يُوسُفَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: أَتَقُولُ لَنَا هَذَا وَمِنْ عِنْدَنَا خَرَجَتْ السُّنَّةُ؟ وَقَالَ: هَذَا مِنْ فِقْهِك تَكَلَّمَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ.
[ ٢٠ / ٣٦١ ]
وَهَذَا الْمَكِّيُّ وَافَقَ أَبَا يُوسُفَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ لَكِنْ مِنْ قِلَّةِ فِقْهِهِ تَكَلَّمَ وَتَكَلُّمُ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيُبْطِلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَوْ كَانَ الْمَكِّيُّ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ لَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ بَلْ قَدْ صَلَّى ﷺ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَكَذَلِكَ صَلَّوْا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَأْمُرُوا مَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ الْمَكِّيِّينَ بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِيهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ " صَلَاةُ الْكُسُوفِ " فَإِنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَتْ السُّنَنُ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ صَلَّاهَا بِرُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاتَّبَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ هَذِهِ السُّنَّةَ وَخَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ حَيْثُ مَنَعُوا ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ " صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ " فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ﴾ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ أَنْ يُصَلِّيَ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَخَفِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ الزَّوَائِدُ؛ فَإِنَّ غَالِبَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْأُولَى سَبْعٌ بِتَكْبِيرَاتِ الِافْتِتَاحِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسٌ.
[ ٢٠ / ٣٦٢ ]