أَحَدُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿إذَا بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ﴾ وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ أَطْلَقَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَقُلْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا. فَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِبَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَلَا وَجْهَ لَهُ.
الثَّالِثُ أَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِحَالِ الْجَائِحَةِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ لَا يَجِبُ فِيهِ ثَمَنٌ بِحَالِ. (الرَّابِعُ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ فَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ عَلَى الشَّجَرِ مَقْبُوضًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ. وَهَذَا الْوَجْهُ يُوجِبُ أَنْ يَحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ كَمَا تُوضَعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الصَّحِيحِ ضُمِنَ فِي الْفَاسِدِ وَمَا لَا يُضْمَنْ فِي الصَّحِيحِ لَا يُضْمَنُ فِي الْفَاسِدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ نَقُولُ: ذَلِكَ تَلِفَ قَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ وَكَمَالِهِ؛ بَلْ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَلَيْهِ تَمَامُ التَّرْبِيَةِ مِنْ سَقْيِ الثَّمَرِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَكَانَ مُفَرِّطًا وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْبَائِعَ فَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّخْلِيَةِ فَالْمُشْتَرِي إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمُعْتَادِ. فَقَدْ وُجِدَ التَّسْلِيمُ دُونَ تَمَامِ التَّسَلُّمِ. وَذَلِكَ
[ ٣٠ / ٢٧٤ ]
أَحَدُ طَرَفَيْ الْقَبْضِ. وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُشْتَرِي إلَّا عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَ الْمَبِيع عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمُعْتَادِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْضُ مُسْتَعْقِبًا لِلْعَقْدِ أَوْ مُسْتَأْخِرًا. وَسَوَاءٌ كَانَ جُمْلَةً أَوْ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَنَحْنُ نَطْرُدُ هَذَا الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَبْضِ أَنْ يَسْتَعْقِبَ الْعَقْدَ؛ بَلْ الْقَبْضُ يَجِبُ وُقُوعُهُ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ؛ لَفْظًا وَعُرْفًا؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيع مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَإِنْ تَأَخَّرَ بِهَا الْقَبْضُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الشَّجَرِ وَاسْتِثْنَاءُ ثَمَرِهِ لِلْبَائِعِ وَإِنْ تَأَخَّرَ مَعَهُ كَمَالُ الْقَبْضِ. وَيَجُوزُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ لِمُدَّةِ لَا تَلِي الْعَقْدَ. وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ هُوَ مُوجَبُ الْعَقْدِ فَيَجِبُ فِي ذَلِكَ مَا أَوَجَبَهُ الْعَاقِدَانِ بِحَسَبِ قَصْدِهِمَا الَّذِي يَظْهَرُ بِلَفْظِهِمَا وَعُرْفِهِمَا؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إنْ شَرَطَا تَعْجِيلَ الْقَطْعِ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَسَادٌ يَحْظُرُهُ الشَّرْعُ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا. وَإِنْ أَطْلَقَا فَالْعُرْفُ تَأْخِيرُ الْجِذَاذِ وَالْحَصَادِ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْقَبْضَ هُوَ التَّخْلِيَةُ فَالْقَبْضُ مَرْجِعُهُ إلَى عُرْفِ النَّاسِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ. وَقَبْضُ ثَمَرِ الشَّجَرِ
[ ٣٠ / ٢٧٥ ]
لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْخِدْمَةِ وَالتَّخْلِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ؛ بِخِلَافِ قَبْضِ مُجَرَّدِ الْأُصُولِ. وَتَخْلِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْمَنَافِعُ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْبَيْعِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا دَامَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَلَا يَجُوزُ. وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنَافِعِ الْإِجَارَةِ بِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجَّرِ بِالِاتِّفَاقِ وَمَعَ هَذَا فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَصَلَ الْإِقْبَاضُ الْمُمْكِنُ فَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمَانِ؛ لِانْتِفَاءِ كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ الَّذِي بِهِ يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَعَلَى هَذَا فَعِنْدَنَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ جَوَازِ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ؛ بَلْ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ بِلَا ضَمَانٍ كَمَا هُنَا. وَقَدْ يَحْصُلُ الضَّمَانُ بِلَا جَوَازِ تَصَرُّفٍ كَمَا فِي الْمَقْبُوضِ قَبْضًا فَاسِدًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَقَبَضَ الصُّبْرَةَ كُلَّهَا وَكَمَا فِي الصُّبْرَةِ قَبْلَ نَقْلِهَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهَا الخرقي. وَقَدْ يَحْصُلَانِ جَمِيعًا. وَقَدْ لَا يَحْصُلَانِ جَمِيعًا.
[ ٣٠ / ٢٧٦ ]
وَلَنَا فِي جَوَازِ إيجَارِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ بِأَكْثَرِ مِنْ أُجْرَتِهَا رِوَايَتَانِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ. وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إنْ زَادَ فِيهَا عِمَارَةً جَازَتْ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ. فَالرِّوَايَتَانِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ الْمُشْتَرَاةِ نَظِيرُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إيجَارِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَلَوْ قِيلَ فِي الثِّمَارِ: إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ كَرِوَايَةِ الْمَنْعِ فِي الْإِجَارَةِ لَتَوَجَّهَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا الْكَلَامِ يَظْهَرُ الْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ كَتَلَفِ الْمَنَافِعِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا مَقْصُودُهَا تَمَكُّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ الْمَبِيع وَالثَّمَرُ عَلَى الشَّجَرِ لَيْسَ بِمُحْرَزٍ وَلَا مَقْبُوضٍ؛ وَلِهَذَا لَا قَطْعَ فِيهِ. وَلَا الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ كَوْنُهُ عَلَى الشَّجَرِ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ حَصَادُهُ وَجِذَاذُهُ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ مَا بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ جِذَاذِهِ وَسَقْيِهِ وَالْأَجْزَاءُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْبَيْعِ دَاخِلَةٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً كَمَا تَدْخُلُ الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً. فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَعْدُومُ مَقْبُوضًا قَبْضًا مُسْتَقِرًّا مُوجِبًا لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ؟.
[ ٣٠ / ٢٧٧ ]