رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا نِيلَ مِنْهُ قَطُّ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ؛ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ. حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ﴾ . وَخُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ أَكْمَلَ الْأَخْلَاقِ وَقَدْ كَانَ مِنْ خُلُقِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ وَإِذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ فَيَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ وَيَسْتَوْفِيَ حَقَّ رَبِّهِ. وَالنَّاسُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ وَلِرَبِّهِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ دِينٌ وَغَضَبٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْتَصِرُ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِرَبِّهِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ جَهْلٌ وَضَعْفُ دِينٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ؛ لَا لِرَبِّهِ وَهُمْ شَرُّ الْأَقْسَامِ. وَأَمَّا الْكَامِلُ فَهُوَ الَّذِي يَنْتَصِرُ لِحَقِّ اللَّهِ وَيَعْفُو عَنْ حَقِّهِ. كَمَا قَالَ ﴿أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: خَدَمْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ. وَمَا قَالَ لِي لِشَيْءِ فَعَلْته: لَمْ فَعَلْته؟ وَلَا لِشَيْءِ لَمْ أَفْعَلْهُ: لَمْ لَا فَعَلْته؟ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ إذَا عَتَبَنِي عَلَى شَيْءٍ يَقُولُ: دَعُوهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ﴾ . فَهَذَا فِي الْعَفْوِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ
[ ٣٠ / ٣٦٩ ]
وَأَمَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ فَلَمَّا ﴿شَفَعَ عِنْدَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - وَهُوَ الْحِبُّ ابْنُ الْحِبِّ وَكَانَ هُوَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنَسٍ وَأَعَزَّ عِنْدَهُ - فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ شَرِيفَةٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَطْعِ يَدِهَا: غَضِبَ وَقَالَ: يَا أُسَامَةُ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ إنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْت يَدَهَا﴾ . فَغَضِبَ عَلَى أُسَامَةَ لَمَّا شَفَعَ فِي حَدٍّ لِلَّهِ وَعَفَا عَنْ أَنَسٍ فِي حَقِّهِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا ﴿أَخْبَرَهُ أُسَامَةُ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ: قَالَ أَقَتَلْته بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْت: لَيْتَهُ سَكَتَ﴾ . وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ عَنْ الظَّالِمِ وَأَنَّ أَجْرَهُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَهَذَا مِنْ الْعِلْمِ الْمُسْتَقِرِّ فِي فِطَرِ الْآدَمِيِّينَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْعَفْوِ فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ وَهُوَ مَا يُقَرُّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْعَفْوِ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. هَذَا مِنْ الْعَفْوِ وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُعْرِضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا جِمَاعُ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ النَّاسِ إمَّا أَنْ يَفْعَلُوا مَعَهُ غَيْرَ
[ ٣٠ / ٣٧٠ ]