مِنْ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى يَقْطَعَ بِهِ مَنْ ظَهَرَ لَهُ مُدْرَكُهُ. وَوَضْعُ الْجَوَائِحِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَبِالْعَمَلِ الْقَدِيمِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَبِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ؛ بَلْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الصَّحِيحِ لَيْسَ فِي الْعُلَمَاءِ مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى زَمَنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْ عُلَمَائِهِمْ: كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ. وَأَمَّا فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ فَقَالَ ﵁ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعُدَّهُ وَلَوْ كُنْت قَائِلًا بِوَضْعِهَا لَوَضَعْتهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ. وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ فَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعُدَّهُ. وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ؛ بَلْ صَحَّحُوهُ وَرَوَوْهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ. فَظَهَرَ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِهِ
[ ٣٠ / ٢٧٠ ]
عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ الْخِلَافَ مَعَهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ: أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ وَمُطْلَقُ الْعَقْدِ عِنْدَهُ وُجُوبُ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ. وَلَوْ شَرَطَ التَّبْقِيَةَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ؛ بِنَاءً عَلَى مَا رَآهُ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ مُوجِبٌ التَّقَابُضَ فِي الْحَالِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِذَا تَلِفَ الثَّمَرُ عِنْدَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالتَّخْلِيَةِ فَقَدْ تَلِفَ بَعْدَ وُجُوبِ قَطْعِهِ كَمَا لَوْ تَلِفَ عِنْدَ غَيْرِهِ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاحِهِ. وَطَرَدَ أَصْلَهُ فِي الْإِجَارَةِ فَعِنْدَهُ لَا يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ فِيهَا إلَّا بِالْقَبْضِ شَيْئًا فَشَيْئًا لَا تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَقَبْضِ الْعَيْنِ؛ وَلِهَذَا يَفْسَخُهَا بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَوَاتِرَةٌ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ بُدُوِّهِ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ حَيْثُ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ. حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. فَلَوْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ يَقُولُ بِبَيْعِ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مُبْقَاةً إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ ظَهَرَ النِّزَاعُ مَعَهُ. وَاَلَّذِينَ يُنَازِعُونَ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ الْمَبِيع إذَا
[ ٣٠ / ٢٧١ ]
تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ بَلْ الشَّافِعِيِّ أَشَدُّ النَّاسِ فِي ذَلِكَ قَوْلًا؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فِي كُلِّ مَبِيعٍ وَيَطْرُدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِهِ فِي كُلِّ مَنْقُولٍ. وَمَالِكٍ وَأَحْمَد الْقَائِلَانِ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ يُفَرِّقَانِ بَيْنَ مَا أَمْكَنَ قَبْضُهُ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ وَمَا لَمْ يُمْكِنْ قَبْضُهُ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَبًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ". وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي أَنَّ تَلَفَ الثَّمَرِ قَبْلَ كَمَالِ صَلَاحِهِ تَلَفٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ حَصَلَ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا قَبْضُ الْعَقَارِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَجَوَازُ التَّصَرُّفِ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيع قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ فَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِمْ. وَقَدْ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ مِنْ أَحَادِيثَ معتضدين بِهَا. مِثْلَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ﴿أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا
[ ٣٠ / ٢٧٢ ]
وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ﴾ وَمِثْلَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي اشْتَرَى ثَمَرَةً مِنْ فُلَانٍ فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ فَتَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلُ خَيْرًا﴾ . وَلَا دَلَالَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَلَامٌ مُجْمَلٌ فَإِنَّهُ حَكَى أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى ثِمَارًا فَكَثُرَتْ دُيُونُهُ فَيُمْكِنُ أَنَّ السِّعْرَ كَانَ رَخِيصًا فَكَثُرَ دَيْنُهُ لِذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَلِفَتْ أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاحِ أَوْ حَوْزِهَا إلَى الْجَرِينِ أَوْ إلَى الْبَيْتِ أَوْ السُّوقِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نَهْيِهِ أَنْ تُبَاعَ الثِّمَارُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا. وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا كَانَ مُخَالِفًا لَكَانَ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ وَذَاكَ نَاقِلٌ عَنْهُ وَفِيهِ سُنَّةٌ جَدِيدَةٌ فَلَوْ خُولِفَتْ لَوَقَعَ التَّغْيِيرُ مَرَّتَيْنِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ﴿تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا﴾ وَالْخَيْرُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مُطَالَبَةِ الْخَصْمِ وَحُضُورِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ وَلَعَلَّ التَّلَفَ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاحِ. وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى حَدِيثِ الْجَوَائِحِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَهَذَا بَاطِلٌ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ.
[ ٣٠ / ٢٧٣ ]