وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُقْبَضُ بِطَرِيقِ المناهب الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الْأَعْرَابِ إذَا كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ تَنَاسَلَ وَعَيْنٌ حَصَلَ فِيهَا رِبْحٌ أَوْ شَجَرٌ أَثْمَرَ. هَلْ النَّسْلُ وَالرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ؛ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَرْعَى الْحَيَوَانَ وَيَتَّجِرُ فِي الْعَيْنِ وَيَسْقِي الشَّجَرَ؟ أَمْ لِلْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؟ وَالْأَمْوَالُ الَّتِي بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ. هَلْ تُزَكَّى؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا تَابَ الْغَاصِبُ وَقَدْ جَهِلَ الْمَالِكُ؟ مَا حُكْمُهُ؟ هَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ؟ وَهَلْ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَفِي أَقْوَامٍ مِنْ الْأَحْمَدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَحْضُرُ سَمَاعَ الْغِنَاءِ وَالْمَلَاهِي وَيُمْسِكُونَ الْحَيَّاتِ وَيَدْخُلُونَ النَّارَ وَلَا يَحْتَرِقُونَ. وَإِذَا لَمْ يُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ غَضِبُوا وَتَوَجَّهُوا عَلَى الْمَانِعِ لَهُمْ وَيَقُولُونَ: هَذِهِ فِي إبِلِك هَذِهِ فِي غَنَمِك فِي كَذَا. . . وَيَمُوتُ بَعْضُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ بِخَوَاطِرِنَا. فَهَلْ يَجُوزُ إعْطَاءُ هَؤُلَاءِ مِنْ الزَّكَاةِ خَوْفًا مِنْهُمْ؟ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا الْمَالُ الْمَغْصُوبُ إذَا عَمِلَ فِيهِ الْغَاصِبُ حَتَّى حَصَلَ مِنْهُ نَمَاءٌ: فَفِيهِ أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ: هَلْ النَّمَاءُ لِلْمَالِكِ
[ ٣٠ / ٣٢٢ ]
وَحْدَهُ؟ أَوْ يَتَصَدَّقَانِ بِهِ؟ أَوْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا إذَا عَمِلَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَكَمَا يَدْفَعُ الْحَيَوَانَ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْ دَرِّهِ وَنَسْلِهِ أَوْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ جَارِيَةً بِمِثْلِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا أَقْرَضَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ابْنَيْهِ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَصَّهُمَا بِهَا دُونَ سَائِر الْمُسْلِمِينَ وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَابَاةً لَهُمَا لَا تَجُوزُ وَكَانَ الْمَالُ قَدْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا بَلَغَ بِهِ الْمَالُ ثَمَانَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَدْفَعَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمَا مِنْ الرِّبْحِ لِكَوْنِهِمَا قَبَضَا الْمَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَك؛ فَإِنَّ الْمَالَ لَوْ خَسِرَ وَتَلِفَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِنَا فَلِمَاذَا تَجْعَلُ عَلَيْنَا الضَّمَانَ وَلَا تَجْعَلُ لَنَا الرِّبْحَ؟ فَتَوَقَّفَ عُمَرَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: نَجْعَلُهُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: لَهُمَا نِصْفُ الرِّبْحِ وَلِلْمُسْلِمِينَ نِصْفُ الرِّبْحِ فَعَمِلَ عُمَرَ بِذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُضَارَبَةِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَضَاءُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْعَدْلُ؛ فَإِنَّ النَّمَاءَ حَصَلَ بِمَالِ هَذَا وَعَمَلِ هَذَا فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ بِالنَّمَاءِ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛ بَلْ يُجْعَلُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ شَرِكَةَ مُضَارِبَةٍ.
[ ٣٠ / ٣٢٣ ]
وَهَكَذَا الَّذِي يَعْمَلُ عَلَى مَاشِيَةِ غَيْرِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ أَوْ أَرْضِهِ حَتَّى يَحْصُلَ بِمَزْرُوعِ أَوْ دَرٍّ أَوْ نَسْلٍ؛ لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعَمَلَ هُنَا بِجُزْءِ مِنْ النَّمَاءِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَهُ الْإِجَارَةُ. وَأَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ مِنْ الْعَامِلِ أَوْ مِنْهُمَا كَمَا ﴿عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يُعَمِّرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا كَانُوا يَدْفَعُونَ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا لِيَبْذُرَ مِنْ عِنْدِهِ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَكَانَ عَامَّةُ بُيُوتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مُزَارِعُونَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعَ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُقَدَّرَةٌ. وَإِنَّمَا الْعَدْلُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ مِنْ النَّمَاءِ؛ لِهَذَا جُزْءٌ شَائِعٌ وَلِهَذَا جُزْءٌ شَائِعٌ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْرَمِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ ذَهَبَ نَفْعُ مَالِ هَذَا وَنَفْعُ بَدَنِ هَذَا.
[ ٣٠ / ٣٢٤ ]