يُؤَدِّيهِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ لِكَوْنِهِ مُكْرَهًا عَلَى الْأَدَاءِ فَلَأَنْ يُعْذَرَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. فَإِنْ قَالَ الْمُنَازِعُ: لِأَنَّ الْمُؤَدَّى هُنَاكَ عَيْنُ مَالِ الْمُكْرَهِ الْمُؤَدِّي فَهُوَ الْمَظْلُومُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: بَلْ كِلَاهُمَا مَظْلُومٌ: هَذَا مَظْلُومٌ بِالْأَدَاءِ عَنْ ذَاكَ وَذَاكَ مَظْلُومٌ بِطَلَبِ مَالِهِ. فَكَيْفَ يُحْمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْمُؤَدِّي وَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ طَلَبُ الْمَالِ مِنْ الْمُؤَدَّى عَنْهُ؟ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَالطَّالِبُ الظَّالِمُ إنَّمَا قَصْدُهُ أَخْذُ مَالِ ذَلِكَ لَا مَالِ هَذَا وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ هَذَا الْأَدَاءَ عَنْ ذَاكَ. وَأَيْضًا فَهَذَا الْمُكْرَهُ عَلَى الْأَدَاءِ عَنْ الْغَائِبِ مَظْلُومٌ مَحْضٌ بِسَبَبِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَذَاكَ مَظْلُومٌ بِسَبَبِ مَالِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مَالُ هَذَا وِقَايَةً لِمَالِ ذَاكَ لِظُلْمِ هَذَا الظَّالِمِ الَّذِي أَكْرَهَهُ أَوْ يَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ الْقَلِيلِ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ أَضْعَافَ مَا يَخُصُّهُ وَصَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ . وَغَايَةُ هَذَا أَنْ يُشَبَّهَ بِغَصْبِ الْمَشَاعِ؛ فَإِنَّ الْغَاصِبَ إذَا قَبَضَ مِنْ الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ نَصِيبَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ أَخْذَ مَالِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
[ ٣٠ / ٣٤٥ ]
وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَخٍ ثَالِثٍ وَكَذَّبَهُ أَخُوهُ لَزِمَ الْمُقِرُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُقَرِّ بِهِ مَا فَضَلَ عَنْ حَقِّهِ وَهُوَ السُّدُسُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ. وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ. جَعَلُوا مَا غَصَبَهُ الْأَخُ الْمُنْكِرُ مِنْ مَالِ الْمُقِرِّ بِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ الْمُقِرِّ. وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ فِي غَصْبِ الْمَشَاعِ: إنَّ مَا قَبَضَهُ الْغَاصِبُ يَكُونُ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعًا بِاعْتِبَارِ صُورَةِ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ نِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْأَخِ الْمُنْكِرِ: إنَّ مَا غَصَبَهُ يَكُونُ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ إلَى الْمُقَرِّ بِهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ الرُّبُعُ وَيَكُونُ النِّصْفُ الَّذِي غَصَبَهُ الْمُنْكِرُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَهَذَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّوَابُ لِأَجْلِ النِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ هُنَا إنَّمَا قَبَضَ الظَّالِمُ عَنْ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ؛ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ مَالِ الدَّافِعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ غَلِطَ الظَّالِمُ مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ الْقُطَّاعُ أَخْذَ مَالِ شَخْصٍ فَيَأْخُذُونَ غَيْرَهُ ظَنًّا أَنَّهُ الْأَوَّلُ. فَهَلْ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ مَالَ هَذَا الَّذِي ظَنُّوهُ الْأَوَّلَ؟ قِيلَ: بَابُ الْغَلَطِ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ؛ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مَعْلُومٌ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذَا؛ فَإِنَّ الظَّالِمَ الغالط الَّذِي أَخَذَ مَالَ هَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ ظَنُّهُ مَالَ زَيْدٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ مَالَ عَمْرٍو فَقَدْ قَصَدَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ زَيْدٍ فَأَخَذَ مَالَ عَمْرٍو كَمَنْ طَلَبَ قَتْلَ مَعْصُومٍ
[ ٣٠ / ٣٤٦ ]
فَقَتَلَ مَعْصُومًا آخَرَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْأَوَّلُ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَصَدَ مَالَ زَيْدٍ بِعَيْنِهِ وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الشُّرَكَاءِ مَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ وَأَخَذَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَغْلَطْ؛ بَلْ فَعَلَ مَا أَرَادَهُ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ شَخْصٍ وَطَلَبَ الْمَالَ مِنْ الْمُسْتَوْلِي عَلَى مَالِهِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ وَكِيلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيُؤَدِّيَهُ عَنْهُ. أَوْ طَلَبُوا مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ مَالًا عَنْ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ تُؤْخَذُ مِنْ الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ لَمْ يَغْلَطُوا فِي ظَنِّهِمْ. فَإِذَا كَانُوا إنَّمَا قَصَدُوا الْأَخْذَ مِنْ وَاحِدٍ بَلْ قَصَدُوا الْعَدْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُرَكَائِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا قَدَرُوا عَلَى الْأَخْذِ مِنْ شَرِيكِهِ فَكَيْفَ يُظْلَمُ هَذَا الشَّرِيكُ مَرَّتَيْنِ؟ . وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَحْتَاجَ وَلِيُّ بَيْتِ الْمَالِ إلَى إعْطَاءِ ظَالِمٍ لِدَفْعِ شَرِّهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ؛ كَإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ أَوْ إعْطَاءِ الْكُفَّارِ إذَا احْتَاجَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ وَاسْتَسْلَفَ مِنْ النَّاسِ أَمْوَالًا أَدَّاهَا فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ أَنَّ تِلْكَ الْأَمْوَالَ تَذْهَبُ مِنْ ضَمَانِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ كَانَ عَيْنَ أَمْوَالِهِمْ لَا عَيْنَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ؟ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُعْطُونَ مَا يُعْطُونَهُ: تَارَةً مِنْ عَيْنِ الْمَالِ. وَتَارَةً مِمَّا يستسلفونه. فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْلِفُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَعَلَى الْفَيْءِ فَيَصْرِفُهُ فِي الْمَصَارِفِ الشَّرْعِيَّةِ: مِنْ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ
[ ٣٠ / ٣٤٧ ]