فَصْلٌ:
(إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَقَدْ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ تَغْرَقُ قَبْلَ الزَّرْعِ. [وَقَدْ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ تَغْرَقُ] أَوْ يُصِيبُ الزَّرْعَ آفَةٌ بَعْدَ زَرْعِهَا وَقَبْلَ وَقْتِ الْحَصَادِ فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ؟) (*).
الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ: أَنَّ انْقِطَاعَهُ بَعْدَ الزَّرْعِ كَانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ إنْ حَصَلَ مَعَهُ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ وَجَبَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ ذَلِكَ وَإِنْ تَعَطَّلَتْ الْمَنْفَعَةُ كُلُّهَا فَلَا أُجْرَةَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ رَجُلٍ اكْتَرَى أَرْضًا يَزْرَعُهَا وَانْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ؟ قَالَ: يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا أَوْ بِقَدْرِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا. فَصَرَّحَ بِأَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ بَعْدَ الزَّرْعِ يُوجِبُ أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَعَلَى هَذَا أَصْحَابُنَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَزَرَعَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقُ آفَةٍ مِنْ غَيْرِ الشُّرْبِ فَلَمْ يَنْبُتْ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهَا لَوْ غَرِقَتْ فِي وَقْتِ زَرْعِهَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ الزِّرَاعَةُ
_________________
(١) (*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (٢٢٥): يظهر أن ما ما بين المعقوفتين مكرر.
[ ٣٠ / ٢٩١ ]
لَمْ تَلْزَمْهُ الْأُجْرَةُ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّفْرِيعِ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي الصُّورَتَيْنِ. فَالْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَالنَّصَّيْنِ الْمُفْتَرِقَيْنِ: يُفَرِّقُ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَبَيْنَ حُدُوثِ الْغَرَقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْآفَاتِ بِأَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ فَوَاتُ نَفْسِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَرْضٌ لَهَا مَاءٌ فَانْقِطَاعُ الْمَاءِ الْمُعْتَادُ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ. وَالْأُجْرَةُ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِدَوَامِ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ. وَأَمَّا الْغَرَقُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تُفْسِدُ الزَّرْعَ فَهُوَ إتْلَافٌ لِعَيْنِ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَتَلِفَ لَهُ فِيهَا ثَوْبٌ. وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ: أَنَّهُ مَعَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ لَمْ تَسْلَمْ الْمَنْفَعَةُ وَمَعَ تَلَفِ الزَّرْعِ تَسْلَمُ الْمَنْفَعَةُ؛ لَكِنْ حَصَلَ مَا أَتْلَفَ مِلْكَ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْحَصَادِ. وَسَوَّى طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا - كَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ - فِي الْإِجَارَةِ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَحُدُوثِ الْغَرَقِ الَّذِي يَمْنَعُ الزَّرْعَ أَوْ يَضُرُّ الزَّرْعَ؛ بِأَنَّ ذَلِكَ إنْ عَطَّلَ الْمَنْفَعَةَ أَسْقَطَ الْأُجْرَةَ وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ مَعَهُ عَلَى تَعَبٍ مِنْ الْقُصُورِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْغَرَقُ يَمْنَعُ بَعْضَ الزِّرَاعَةِ أَوْ يَسُوءُ الزَّرْعَ ثَبَتَ بِهِ الْفَسْخُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ كَغَرَقِ بِمَاءِ يَنْحَسِرُ فِي قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ الزَّرْعَ وَلَا يَضُرُّهُ وَانْقِطَاعُ الْمَاءِ عَنْهَا إذَا سَاقَ الْمُؤَجِّرُ إلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ أَوْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي زَمَنٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ لَمْ
[ ٣٠ / ٢٩٢ ]
يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ. وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَنْقُلُ جَوَابَ أَحْمَدَ مِنْ مَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ إلَى مَسْأَلَةِ غَرَقِ الزَّرْعِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ غَرَقِ الزَّرْعِ إلَى مَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَذَلِكَ إنْ غَرِقَ الزَّرْعُ الْحَادِثُ قَبْلَ الزَّرْعِ إذَا مُنِعَ مِنْ الزَّرْعِ فَالْحَادِثُ بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ نَبَاتِ الزَّرْعِ كَمَا أَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ يَمْنَعُ مِنْ نَبَاتِ الزَّرْعِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ لَيْسَ إلْقَاءُ الْبَذْرِ هُوَ جَمِيعُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَحْدَهُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لَوَجَبَ إذَا انْقَطَعَ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْفَسْخَ وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِهِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ مَقْصُودَ الْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدَ هُوَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتُرْبَةِ الْأَرْضِ وَهَوَائِهَا وَمَائِهَا وَشَمْسِهَا إلَى أَنْ يَكْمُلَ صَلَاحُ زَرْعِهِ فَمَتَى زَالَتْ مَنْفَعَةُ التُّرَابِ أَوْ الْمَاءِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ الشَّمْسِ لَمْ يَنْبُتْ الزَّرْعُ وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْعَقْدِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا لِلسُّكْنَى فَتَعَذَّرَتْ السُّكْنَى بِهَا لِبَعْضِ الْأَسْبَابِ مِثْلَ خَرَابِ حَائِطٍ أَوْ انْقِطَاعِ مَاءٍ أَوْ انْهِدَامِ سَقْفٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ تَعَطُّلَ الْمَنْفَعَةِ بِأَمْرِ سَمَاوِيٍّ يُوجِبُ سُقُوطَ الْأُجْرَةِ أَوْ نَقْصَهَا أَوْ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ صُنْعٌ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ وَانْقِطَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ: فَكَذَلِكَ حُدُوثُ الْغَرَقِ
[ ٣٠ / ٢٩٣ ]
وَغَيْرُهُ مِنْ الْآفَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ كَمَالِ الِانْتِفَاعِ بِالزَّرْعِ. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ فِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي هُوَ شَقُّ الْأَرْضِ وَإِلْقَاءُ الْبَذْرِ حَتَّى يُقَالَ: إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ جَمِيعِهَا وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَهُ مَا يُفْسِدُ الزَّرْعَ وَيَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنْتَقَضٌ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَانْتِفَاعُهُ بِهَا لَيْسَ هُوَ فِعْلَهُ؛ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ هُوَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلَا فِيهِ انْتِفَاعٌ لَهُ؛ بَلْ هُوَ كُلْفَةٌ عَلَيْهِ وَتَعَبٌ وَنَصَبٌ يَذْهَبُ فِيهِ نَفْعُهُ وَمَالُهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ سُكْنَى الدَّارِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ السُّكْنَى وَالرُّكُوبِ انْتِفَاعٌ وَبِذَلِكَ قَدْ نَفَعَتْهُ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ. وَأَمَّا شَقُّ الْأَرْضِ فَتَعَبٌ وَنَصَبٌ وَإِلْقَاءُ الْبَذْرِ إخْرَاجُ مَالٍ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا يَرْجُوهُ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالنَّفْعِ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْإِنْبَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ وَقَالَ: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ . وَلَيْسَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إنْبَاتَ الْأَرْضِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا
[ ٣٠ / ٢٩٤ ]
خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ وَسَائِرِ الْعُقَلَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَقْصُودَ بِالْإِجَارَةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِ أَحَدِ المتآجرين؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ غَيْرُهُمَا مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ جَمَادٍ وَإِنْ كَانَا عَاجِزَيْنِ عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ: مِثْلَ أَنْ يُؤَجِّرَهُ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً وَنَفَعَهَا هُوَ بِاخْتِيَارِهَا. وَمِثْلَ أَنْ يُؤَجِّرَهُ دَارًا لِلسُّكْنَى وَنَفْسُ الِانْتِفَاعِ بِهَا هُوَ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمُؤَجِّرِ. وَكَذَلِكَ جَرَيَانُ الْمَاءِ مِنْ السَّمَاءِ وَنَبْعُهُ مِنْ الْأَرْضِ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَقْدُورِ أَحَدِهِمَا. وَكَذَلِكَ إذَا آجَرَهُ مَنْقُولًا مِنْ سِلَاحٍ أَوْ كُتُبٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ آلَةِ صِنَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْمُؤَجِّرِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. فَكَذَلِكَ نَفْعُ الْأَرْضِ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهَا حَتَّى يَنْبُتَ الزَّرْعُ بِتُرَابِهَا وَمَائِهَا وَهَوَائِهَا وَشَمْسِهَا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ لَا يَدْخُلُ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ - هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ فَإِذَا تَلِفَ هَذَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَإِنْ بَطَلَ بَعْضُهُ كَانَ كَمَا لَوْ تَعَطَّلَ مَنْفَعَةُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ بَلْ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ أَوْ نَقْصُ الْأُجْرَةِ هُنَا أَوْلَى مِنْهُ فِي جَوَائِحِ الثَّمَرِ. فَإِنَّ الَّذِينَ تَنَازَعُوا هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حُجَّتُهُمْ أَنَّ الثَّمَرَةَ تَلِفَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْجِذَاذِ أَوْ بَعْدَ
[ ٣٠ / ٢٩٥ ]
وَقْتِهِ. وَأَمَّا هُنَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ إنَّمَا تُقْبَضُ - الْقَبْضَ الْمَضْمُونَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ - شَيْئًا فَشَيْئًا. وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ أَوْ تَعَطَّلَتْ الْمَنْفَعَةُ أَوْ بَعْضُهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ أَوْ بَعْضُهَا أَوْ مِلْكُ الْفَسْخِ. وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْعَقْدِ إثَارَةُ الْأَرْضِ وَالْبَذْرُ فِيهَا. وَظَنَّ أَنَّ تَلَفَ الزَّرْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَرَقِ أَوْ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ زَرْعِ الزَّارِعِ بَعْدَ الْحَصَادِ وَبِمَنْزِلَةِ تَلَفِ ثَوْبٍ لَهُ فِي الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. وَهَذِهِ غَفْلَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ. وَلِهَذَا يُنْكِرُ كُلُّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ ذَلِكَ حَتَّى مَنْ لَمْ يُمَارِسْ عِلْمَ الْفِقْهِ مِنْ الْفَلَّاحِينَ وَشُذَّاذِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَنَحْوِهِمْ. فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ انْتِفَاعُ الْمُسْتَأْجِرِ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ لَا مُجَرَّدَ تَعَبِهِ وَنَفَقَتِهِ الَّذِي هُوَ طَرِيقٌ إلَى الِانْتِفَاعِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إسْرَاجِهِ وَإِلْجَامِهِ وَاقْتِيَادِهِ لِلْفَرَسِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَذَلِكَ طَرِيقٌ إلَى الِانْتِفَاعِ بِالرُّكُوبِ؛ لَا أَنَّهُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ. وَكَذَلِكَ شَدُّ الْأَحْمَالِ وَعَقْدُ الْحِبَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ هُوَ طَرِيقٌ إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ. وَإِلَّا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ هُوَ نَفْسُ حَمْلِ الدَّابَّةِ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ نَفْعَ الدَّابَّةِ وَالْإِسْرَاجُ وَالشَّدُّ فِعْلَ الْمُسْتَأْجِرِ فَكَذَلِكَ هُنَا الشَّقُّ وَالْبَذْرُ وَإِنْ كَانَ فِعْلَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِجَارَةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى النَّفْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ
[ ٣٠ / ٢٩٦ ]
نَفْعُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْلُقُهُ فِيهَا مِنْ مَاءٍ وَهَوَاءٍ وَشَمْسٍ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ فِعْلِهِ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِالْيَقِينِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ. وَسَبَبُ غَلَطِهِ كَوْنُ فِعْلِهِ أَمْرًا مَحْسُوسًا لِحَرَكَتِهِ وَكَوْنُ نَفْعِ الْأَرْضِ أَمْرًا مَعْقُولًا لِعَدَمِ حَرَكَتِهَا فَالذِّهْنُ لَمَّا أَدْرَكَ الْحَرَكَةَ الْمَحْسُوسَةَ تَوَهَّمَ أَنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَهَذَا غَلَطٌ مَنْقُوضٌ بِسَائِرِ صُوَرِ الْإِجَارَةِ؛ فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ نَفْعُ الْأَعْيَانِ الْمُؤَجَّرَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ جَامِدَةً كَالْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالثِّيَابِ أَوْ مُتَحَرِّكَةً كَالْأَنَاسِيِّ وَالدَّوَابِّ؛ لَا عَمَلُ الشَّخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَإِنَّمَا عَمَلُ الشَّخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ طَرِيقٌ إلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. فَتَارَةً يُقْرَنُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ كَالرُّكُوبِ وَاللَّبْسِ. وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ عَنْهُ الِاسْتِيفَاءُ كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ. فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ حُصُولُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَالزَّرْعِ؛ لَا مُجَرَّدُ عَمَلِ الْبَانِي الْغَارِسِ الزَّارِعِ الَّذِي هُوَ حَقُّ نَفْسِهِ كَيْفَ يَكُونُ حَقُّ نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي بَذَلَ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهِ؟ وَإِنَّمَا يَبْذُلُ الْأُجْرَةَ فِيمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَا فِيمَا هُوَ لَهُ مِنْ عَمَلِ نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ شِرَاءَ حَقِّهِ بِحَقِّهِ مُحَالٌ. وَمَنْ تَصَوَّرَ هَذِهِ قَطَعَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ نَفْسَ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ إلَى آخِرِهَا
[ ٣٠ / ٢٩٧ ]