ثُمَّ الْخَرَاجُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ لِعُمُومِ مَصْلَحَتِهَا وَالْخَرَاجُ ضَرِيبَةٌ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا شَجَرٌ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ. وَضَرَبَ عَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ مِقْدَارًا وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ مِقْدَارًا. وَهَذَا بِعَيْنِهِ إجَارَةٌ لِلْأَرْضِ مَعَ الشَّجَرِ؛ فَإِنْ كَانَ جَوَازُ هَذَا عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَإِنْ كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ لِحَاجَةِ دَاعِيَةٍ إلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَهُمْ بَسَاتِينُ فِيهَا مَسَاكِنُ وَلَهَا أُجُورٌ وَافِرَةٌ فَإِنْ دَفَعُوهَا إلَى مَنْ يَعْمَلُهَا مُسَاقَاةً وَمُزَارَعَةً: تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِنِ عَلَيْهَا كَمَا فِي أَرْضِ دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَقْفًا أَوْ لِيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعْطِيلُ مَنْفَعَةِ الْمَسْكَنِ الْمَبْنِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَدَائِقِ. وَقَدْ تَكُونُ مَنْفَعَةُ الْمَسْكَنِ هِيَ أَكْثَرُ الْمَنْفَعَةِ وَمَنْفَعَةُ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ تَابِعَةً فَيَحْتَاجُونَ إلَى إجَارَةِ تِلْكَ الْمَسَاكِنِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُؤَجَّرَ دُونَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ؛ فَإِنَّ الْعَامِلَ إذَا كَانَ غَيْرَ السَّاكِنِ تَضَرَّرَ هَذَا وَهَذَا تَضَرَّرَ: بِبِنَاءِ الْمَسَاكِنِ وَيَبْقَى مَمْنُوعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالثَّمَرِ وَالزَّرْعِ هُوَ وَعِيَالُهُ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَهُمْ وَيَتَضَرَّرُونَ بِدُخُولِ الْعَامِلِ عَلَيْهِمْ فِي دَارِهِمْ وَالْعَامِلُ أَيْضًا لَا يَبْقَى مُطْمَئِنًّا إلَى سَلَامَةِ ثَمَرِهِ وَزَرْعِهِ؛ بَلْ يَخَافُ عَلَيْهَا فِي مَغِيبِهِ. وَمَا كَلُّ سَاكِنٍ أَمِينًا وَلَوْ كَانَ أَمِينًا لَمْ تُؤْمَنْ الضِّيفَانُ وَالصِّبْيَانُ والنسوان. وَكُلُّ هَذَا مَعْلُومٌ. فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ
[ ٣٠ / ٢٣٣ ]
الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً - وَبَابُ الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ بَابِ الْمَيْسِرِ - ثُمَّ إنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا؛ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ وَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ شَجَرَةً لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ أَوْ يَهَبَهَا لَهُ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بِقَلْعِهَا. فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمُعَاوَضَةَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ مَالِكِ الْعَقَارِ كَمَا أَوْجَبَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ رَفْعًا لِضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُقَاسَمَةِ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ الضَّرَرُ مَا ذَكَرَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَأُمِرْنَا بِتَقْدِيمِ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَبِدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. وَالْفَسَادُ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ حُصُولِ ضَرَرٍ مَا لِأَحَدِ الْمُتَعَوِّضِينَ فَإِنَّ هَذَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ مُحَقَّقٌ وَذَاكَ إنْ حَصَلَ فِيهِ ضَرَرٌ فَهُوَ قَلِيلٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَأَيْضًا فَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ تَعْتَمِدُ أَمَانَةَ الْعَامِلِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَيَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى الْمُؤَاجَرَةِ الَّتِي فِيهَا مَالٌ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ؛ وَلِهَذَا يَعْدِلُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ عَنْ الْمُزَارَعَةِ إلَى الْمُؤَاجَرَةِ؛ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَتَشْتَرِطُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ مَا تَشْتَرِطُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يَنْفُذَ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ - مَعَ فُجُورِهِ - مِنْ وِلَايَتِهِ وَقِسْمَتِهِ
[ ٣٠ / ٢٣٤ ]
وَحُكْمِهِ مَا يَسُوغُ وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِلَا مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ. وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ تُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ الْفَاجِرِ. فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الْأَرْضِ إلَّا إلَى فَاجِرٍ وَائْتِمَانُهُ عَلَيْهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ؛ اُحْتِيجَ إلَى أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِ مُؤَاجَرَةً. فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ جَوَازِ الْمُؤَاجَرَةِ. وَأَيْضًا فَقَدْ لَا يَتَّفِقُ مَنْ يَأْخُذُهَا مُشَارَكَةً كَالْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُزَارَعَةِ؛ فَإِنْ لَمْ تُدْفَعْ مُؤَاجَرَةً وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ وَتَضَرَّرَ أَهْلُهَا وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مِنْ الْفَسَادِ إلَّا إمْكَانَ نَقْصِ الثَّمَرِ عَنْ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَيَبْقَى ذَلِكَ مُخَاطَرَةً. وَهَذَا الْقَدْرُ يَنْجَبِرُ بِمَا يُجْعَلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مِنْ جُبْرَانِ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ الْجَائِزَةَ إذَا تَلِفَتْ فِيهَا الْمَنْفَعَةُ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَصَتْ - عَلَى الصَّحِيحِ - فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَقَالَ: إذَا بِعْت مِنْ أَخِيك بَيْعًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَخِيك شَيْئًا بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قُبِضَتْ وَلَمْ تُقْبَضْ قَبْضًا تَامًّا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ الْقَابِضُ مِنْ جِذَاذِهَا كَمَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا قَبَضَ الْعَيْنَ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ التَّامُّ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا تَلِفَتْ الْمَنْفَعَةُ قَبْلَ
[ ٣٠ / ٢٣٥ ]
تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ فَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْجِذَاذِ سَقَطَ الثَّمَنُ. فَهُنَا الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبُسْتَانِ إذَا قَدَّرَ أَنَّهُ حَصَلَتْ آفَةٌ مَنَعَتْ الْأَرْضَ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُعْتَادَةِ - كَمَا لَوْ نَقَصَ مَاءُ الْمَطَرِ وَالْأَنْهَارِ حَتَّى نَقَصَتْ الْمَنْفَعَةُ عَنْ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَإِذَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ - كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ إمَّا الْفَسْخُ وَإِمَّا الْأَرْشُ؛ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ فِي الْمُمْتَنِعِ. كَمَا فِي الثَّمَرِ الْمُشْتَرَى بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَلَفِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْعَقْدِ أَوْ فَوَاتِهَا. وَهُنَا الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبُسْتَانِ كَالْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَرْضِ سَوَاءً بِسَوَاءِ. إنَّمَا يَتَسَلَّمُ الْأُصُولَ وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهَا حَتَّى يَشْتَدَّ الزَّرْعُ وَيَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ كَمَا يَقُومُ عَلَى ذَلِكَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا مُشْتَرٍ لِلثَّمَرَةِ فَلْيُقَلْ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُشْتَرٍ لِلزَّرْعِ وَإِنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ مُشْتَرٍ لِمَا يَحْصُلُ مِنْ النَّمَاءِ فَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ امْتَنَعَ شُمُولُ الْعُمُومِ لَهُ لَفْظًا وَيَمْتَنِعُ إلْحَاقُهُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَوْ شُمُولِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ؛ فَإِنَّ إلْحَاقَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِلْأَرْضِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَفِي الْمُضَارَبَةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُجْعَلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا حُكْمَ الْآخَرِ: أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِالْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٣٠ / ٢٣٦ ]