صحيحة (١)، وروايته عن نافع ونحوه درجة متوسطة بين الدرجتين المذكورتين.
فإن قيل: جعفر بن برقان وإن كان صدوقًا وحديثه عن نافع في درجة الحسن إلا أنه واهم في الحديث في موضعين (٢): أحدهما هذا الموضع، وهو جعله الزيادة من قول نافع، وقد روى الحديث عن نافع مالك وأيوب وجماعة من الأثبات المتقنين فجعلوا الزيادة مرفوعة، ذكر ذلك الدارقطني في "كتاب العلل" وهؤلاء لو خالف واحد منهم جعفر بن برقان الحاكم له، فكيف إذا اتفقوا كلهم على خلافه؟
فالجواب: أن يقال: الدارقطني -﵀ وأنار ضريحه- قد حكم ورجح في قريب من هذا الموضع رواية الفرد المميز للزيادة والمبين لأنها غير مرفوعة، بل هي من قول بعض الرواة على رواية العدد الكثير الذين وصلوا الزيادة وأدرجوها وجعلوها من كلام النبي - ﷺ -، وإنما رجح رواية المنفرد لأن معه زيادة علم على العدد، فقد يقال: هذا لازم له في هذا الموضع؛ لأن مع المميز للزيادة والمبين لأنها من قول نافع زيادة علم.
فإن قيل: أين فعل الدارقطني هذا؟
قلنا: في مواضع كثيرة، نذكر منها هنا موضعًا واحدًا لئلا يطول الكلام، وذلك في حديث الاستسعاء، فروى البخاري (٣)
_________________
(١) وهو قول الإمام أحمد ويحيى بن معين وابن نمير والنسائي وابن عدي والدارقطني وابن خلفون، كما في "تهذيب الكمال" (٥/ ١٣ - ١٧) و"إكمال تهذيب الكمال" (٣/ ٢٠٢).
(٢) نقله البدر العيني في "عمدة القاري" (٢/ ١٩٩) عن الحافظ ابن عبد البر.
(٣) "صحيح البخاري" (٥/ ١٨٥، ١٨٦ رقم ٢٥٢٦، ٢٥٢٧).
[ ١٤٨ ]
ومسلم (١) في "صحيحيهما" من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه" وقد روى هذا الحديث عن قتادة سبعة (٢) أكثرهم ثقات أثبات فجعلوا (٣) الاستسعاء من قول النبي - ﷺ -، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وموسى بن خلف وحجاج (٤) وحجاج بن أرطاة، ويحيى بن صبيح -جد سليمان بن حرب لأمه- ورواه همام بن يحيى -في روايةٍ عنه- عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول قتادة، ورواه بعضهم عن همام فلم يذكر الاستسعاء بالكلية، فرجح الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٥) رواية همام عن قتادة -مع الاختلاف عنه- على رواية هؤلاء السبعة؛ لأن معه زيادة علم، مع أن بعضهم أوثق منه وأثبت، ومع أن
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢/ ١١٤٠ رقم ١٥٠٣).
(٢) في "الأصل": (شعبة) وهو تصحيف، وسيأتي على الصواب.
(٣) تصحفت في "الأصل" ولعلها كما أثبته.
(٤) يعني: ابن حجاج، كما سيأتي نقلًا عن البخاري - ﵀.
(٥) قال الدارقطني في "العلل" (١٠/ ٣١٧)، وأما الخلاف في متنه فإن سعيد بن أبي عروبة وحجاج بن حجاج وأبان العطار وجرير بن حازم وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجًا في حديث النبي - ﷺ -، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه. وأما همام فتابع شعبة وهشامًا على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي - ﷺ -، ويشبه أن يكون همام قد حفظه، قال ذلك أبو عبد الرحمن المقرئ -وهو من الثقات- عن همام. ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه -كذا- شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. اهـ.
[ ١٤٩ ]
إمام الأئمة وإمام الجرح والتعديل والمرجوع إليه في ذلك وهو يحيى بن سعيد القطان كان سيئ الرأي في همام (١)، فإذا كان الدارقطني قد حكم في مثل هذا الموضع لهمام على هؤلاء للتفصيل الذي فصله؛ لزمه أن يحكم لجعفر ابن برقان للزيادة التي ذكرها.
فإن قيل: الفرق بين الموضعين ظاهر، فإن الكلام في الاستسعاء وتضعيفه وعدم العمل به ليس مستندم إلى رواية همام وجعله ذلك من قول قتادة؛ بل إنما لم يقبل الاستسعاء لوجوه:
أحدها: أن أكبر من رواه عن قتادة وأوثق من رواه عنه سعيد بن أبي عروبة (٢) وقد اختلط في آخر عمره، وأنكر الناس حفظه، وقد اختلف عليه أصحابه في ذكر الاستسعاء، فبعضهم ذكره، وبعضهم لم يذكره؛ فرواه عنه
_________________
(١) كما في "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (٣/ ٢١٦ رقم ٤٩٣٦) و"الجرح والتعديل" (٩/ ١٠٨) و"الكامل" لابن عدي (٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣). وذكر الإمام أحمد سبب ذلك - فيما رواه عنه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٤٤٣) فقال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته بشهادة، وكان همام على العدالة، يعني أن همامًا لم يعدله، فتكلم فيه يحيى. وقد كف يحيى بن سعيد عنه بعد، فقد قال عفان: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه؛ فوجدفاه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره عليه، فكف يحيى بعد عنه. هذا في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٠٩) ونحوه في "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (١/ ٢٢٦ رقم ٢٧٨، ١/ ٥٢٥ رقم ١٢٣١).
(٢) جمع الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٤٣ - ٧٤٧) الرواة عن سعيد الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، والرواة الذين سمعوا منه بعد الاختلاط، في مبحث نفيس.
[ ١٥٠ ]
روح بن عبادة وغيره من غير ذكره.
الثاني: إنا لم نقبل الاستسعاء لأن شعبة بن الحجاج وهشام بن عبد الله الدستوائي روياه عن قتادة فلم يذكراه بالكلية، وهما أثبت أصحاب قتادة.
الثالث: إنا إنما لم نقبله لمخالفته حديث ابن عمر المخرج في "الصحيحين" من رواية مالك بن أنس (١) وغيره (٢) عن نافع عنه: "من أعتق شركًا له في عبد"، وفيه: "وإلا فقد عتق منه ما عتق".
الرابع: إنما منعنا من قبوله تضعيف الأئمة الكبار المرجوع إلى قولهم له، فممن ضعفه الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل في رواية المروذي (٣) وغيره (٤)، وضعفه أيضًا سليمان بن حرب (٥) -شيخ الإمام أحمد والبخاري- وتكلم فيه
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ١٧٩ رقم ٢٥٢٢) و"صحيح مسلم" (٣/ ١٢٨٦ رقم ١٥٠١/ ٤٧).
(٢) رواه البخاري (٥/ ١٨٠ رقم ٢٥٢٣) ومسلم (٣/ ١٢٨٦ رقم ١٥٠١/ ٤٨) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع به. ورواه مسلم (٣/ ١٢٨٦ رقم ١٥٠١/ ٤٩) من طريق جرير بن حازم عن نافع به.
(٣) قال أبو بكر المروذي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد. نقله ابن قدامة في "المغني" (١٢/ ٢٤٠) وابن القيم في "تهذيب السنن" (٧/ ٧٨).
(٤) قال في رواية الأثرم: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي - ﷺ - ص، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدث به معمر ولم يذكر فيه السعاية. نقله ابن قدامة في "المغني" (١٢/ ٢٤٠) وابن القيم في "تهذيب السنن" (٧/ ٧٨).
(٥) قال الأثرم: ذكره سليمان بن حرب فطعن فيه وضعفه. نقله ابن قدامة في "المغني" (١٢/ ٢٤٠) وابن القيم في "تهذيب السنن" (٧/ ٧٨)
[ ١٥١ ]
الإمام أبو عبد الله الشافعي (١) وأبو بكر النيسابوري (٢) والدارقطني (٣) وأبو عمر ابن عبد البر (٤) وأبو سليمان الخطابي (٥) وأبو بكر البيهقي (٦) وغيرهم (٧)، وقال ابن المنذر (٨): لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همام أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرق بين الكلام الذي هو من قول رسول الله - ﷺ - وقول قتادة، قال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد.
فالجواب أن يقال: ما أوردناه على الدارقطني لازم له؛ فإنه إنما أعتمد على رواية همام وتمييزه الزيادة من الحديث، ولم يلتفت إلى مخالفة العدة
_________________
(١) نقله البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٨١).
(٢) قال: ما أحسن ما رواه همام وضبطه، وفصل بين قول النبي - ﷺ - وبين قول قتادة. اهـ. سمعه منه الدارقطني، ورواه في "سننه" (٤/ ١٢٧).
(٣) في كتبه: "التتبع" (ص ٢٠٥ - ٢٠٨) و"العلل" (١٠/ ٣١٣ - ٣١٧) و"السنن" (٤/ ١٢٥ - ١٢٧).
(٤) قال في "التمهيد" (١٣/ ٢٨٢): فاتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث، والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل الحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم، وأصحاب قتادة الذين هم حجة فيه، هؤلاء الثلاثة: شعبة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، فإن اتفقوا لم يعرج على من خالفهم في قتادة، وإن اختلفوا نظر؛ فإن اتفق اثنان وانفرد واحد فالقول قول الاثنين، لا سيما إذا كان أحدهما شعبة، وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة؛ لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع، وهذا الذي ذكرت لك قول جماعة أهل العلم بالحديث، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه، وتابعهما همام.
(٥) "معالم السنن" (٤/ ٦٥).
(٦) "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٨١ - ٢٨٣).
(٧) منهم الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٨٤). بل بالغ ابن العربي فقال: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي -ﷺ-، وإنما هو من قول قتادة.
(٨) نقله ابن قدامة في "المغني" (١٢/ ٢٤٠) وابن القيم في "تهذيب السنن" (٧/ ٧٨).
[ ١٥٢ ]
الكثير له.
ثم نقول: حديث الاستسعاء حديث صحيح ثابت، وهؤلاء الأئمة المضعفون له قد خالفهم غيرهم، ومن جملة المخالفين لهم شيخًا الصنعة البخاري ومسلم، وقد بلغ البخاري -﵀- بعض ما قيل في تعليل الحديث فأشار إلى الجواب عنه في "صحيحه" إشارة مختصرة وهي في الحقيقة كافية للمنصف قال (١) -﵀-:
باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة.
حدثني أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح،
وحدثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه".
قال البخاري: وتابعه حجاج بن حجاج وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة.
انتهى ما ذكره البخاري، وهو متضمن للجواب عما قيل في الحديث، بل هو مشتمل على فوائد كثيرة:
منها: أنه ساق الحديث من رواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦ رقم ٢٥٢٦، ٢٥٢٧).
[ ١٥٣ ]
دون غيره من أصحاب سعيد الذين رووه عنه، يزيد بن زريع أثبت أصحاب سعيد وأخصهم به، وممن ضبط حديثه وعرفه، وروى عنه قبل الاختلاط، وكون بعض أصحاب سعيد لم يرو عنه الاستسعاء لا يقدح في رواية من رواه عنه، لا سيما والذي لم يذكره دون الذي ذكره، وليس من لم يحفظ حجة على من حفظ.
ومنها: أنه ذكره من رواية جرير بن حازم أيضًا عن قتادة مصرحًا بسماع جرير من قتادة؛ لأن رواية جرير عن قتادة قد تكلم فيها بعض الأئمة (١)، لكنها في هذا الموضع قوية لتصريحه بالسماع، ولأنه غير منفرد.
ومنها: ذكر من تابع سعيدًا وجريرًا عن قتادة، وهم حجاج بن حجاج وأبان العطار وموسى بن خلف، وفي هذا تقوية لرواية جرير وسعيد.
ومنها: قوله: "اختصره شعبة" وهو جواب عن سؤال مقدر، وكان قائلًا أورد عليه فقال: شعبة لم يذكر الاستسعاء في روايته عن قتادة، وهو من الأثبات؟ فقال هو: هذا لا يقدح في رواية غيره؛ فإن شعبة اختصره، وغيره
_________________
(١) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "العلل ومعرفة الرجال" (٣/ ١٠ رقم ٢٩١٢): سألت يحيى بن معين عن جرير بن حارزم، فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير؟ فقال: ليس بشيءٍ، هو عن قتادة ضعيف. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٤٥). وقال الإمام أحمد: كان يحدثهم بالتوهم عن قتادة يسندها بواطيل. وقال أيضًا: كان حديثه عن قتادة غير حديثه الناس، يسند أشياء، ويوقف أشياء. نقله ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٨٤). وقال ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٥٥): هو مستقيم الحديث صالح فيه إلا روايته عن قتادة فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره، وجرير عندي من ثقات المسلمين، حدث عنه الأئمة من الناس.
[ ١٥٤ ]