لم يختصره، بل حفظه وضبطه، فالحكم للحافظ الضابط، لا لمن اختصر ولم يحفظ.
وأما من ضعف حديث الاستسعاء لأنه مخالف لقوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قد قيل: إنه مدرج، وأن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" من قول نافع، والحديث هو من رواية نافع عن ابن عمر، وقد رواه عن نافع جماعة منهم أيوب ومالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد، وقال أيوب في روايته: إنما قال نافع فقد عتق منه ما عتق، وربما لم يقله وكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه، فأيوب معه زيادة علم على غيره ممن رواه عن نافع.
الوجه الثاني: أن هذه الزيادة وإن كانت ثابتة لا تنافي حديث الاستسعاء، فإن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" يدل على تنجيز العتق في البعض، والبعض الآخر مسكوت عنه، وقد جاء بيان حكمه في حديث الاستسعاء، فحديث أبي هريرة تضمن ما في منطوق حديث ابن عمر وزيادة بيان ما سكت عنه، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.
فالصحيح من حيث النظر أن حديث الاستسعاء صحيح ثابت مرفوع إلى النبي - ﷺ -، وكذلك الصحيح أن قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" مرفوع أيضًا، ولا تنافي بينهما كما ذكرنا (١).
وكذلك الصحيح أن حديث ابن عباس (٢) مغاير لحديث ابن عمر، وأن
_________________
(١) وانظر "تهذيب سنن أبي داود" لابن القيم (٧/ ٨٦ - ٨٧) و"فتح الباري" لابن حجر (٥/ ١٨٦ - ١٩٠).
(٢) رواه البخاري (٤/ ٦٩ رقم ١٨٤١، ١٨٤٣) ومسلم (٢/ ٨٣٥ رقم ١١٧٨).
[ ١٥٥ ]
قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" (١) مرفوع أيضًا، وقد رواه سالم وغيره عن ابن عمر، لكن يحتمل أن يحمل الأمر فيه على الاستحباب ويبعد جدًّا أو يتعذر حمل الإطلاق في حديث ابن عباس على التقييد في حديث ابن عمر لأمور كثيرة:
منها: أنه يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ومنها: أن من شرط حمل المطلق على المقيد أن يكون اللفظ يطلق عليهما على سبيل الحقيقة، كعتق رقبة مع عتق رقبة مؤمنة؛ فإن الرقبة حقيقة في المؤمن والكافر، وكقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) مع قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) فإن الشاهد حقيقة في العدل وغيره، وهذا بخلاف قوله: "وليلبس الخفين" فإن المقطوع لا يُسمى خفًّا حقيقة، وقوله: "امسحوا على الخفين" (٤) لا يدخل فيه المقطوع؛ فإنه لا يجوز المسح عليه بالاتفاق.
ولا يقال: يجب القطع لأنه قد جاء في حديث ابن عباس مرفوعًا (٥) وموقوفًا.
لأن ذلك غلط؛ قد نبهنا عليه في غير هذا الموضع.
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٢٧٨ رقم ١٣٤) ومسلم (٢/ ٨٣٤ رقم ١١٧٧).
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٤) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٦/ ١٢، ١٣، ١٤) عن بلال بن رباح - ﵁ - وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (١/ ٢٣١ رقم ٢٧٥) عن بلال - ﵁ - "أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين والخمار".
(٥) رواه النسائي في "سننه" (٥/ ١٣٥).
[ ١٥٦ ]
ولا يقال: يلزمكم أيضًا تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فإن من شهد معه الإحرام بذي الحليفة كانوا أكثر ممن أمرهم بالقطع في المدينة، ولم يأمرهم بوجوب القطع في تلك الحال مع وجوبه عليهم وحاجتهم إلى بيانه لهم.
﴿لأنا نقول﴾ (١): من سمع منه القطع بالمدينة وجب عليه العمل به، ومن لم يسمعه لم يتعلق به حكم القطع أصلًا؛ لأن من شرط الوجوب على المكلف علمه بالأمر من المكلف به، فمن لم يبلغه الأمر بالقطع كيف يقال يجب عليه العمل به، بل النبي - ﷺ - أمرنا بالقطع جوابًا لسائل سأله بالمدينة، فلما كان بعرفات خطب الناس وأباح لهم لبس الخفين ولم يأمرهم بالقطع، فدل على أنه رخص لهم في ذلك مطلقًا من غير تقييد، إذ لو كان القطع واجبًا لتعين بيانه لمن لم يسمع الخبر الأول بالمدينة، بل إنما سمع هذا الخبر الثاني المقتضي للجواز من غير تقييد، والجمع الذي حضر معه بعرفات وسمع الرخصة أضعاف أضعاف من سمع الخبر الأول المقتضي للقطع، فلو كان القطع والحالة هذه ثابتًا لتعين بيانه، ولما جاز إهماله، والله أعلم (٢).
آخره والحمد لله وحده (٣).
_________________
(١) في "الأصل": (لأنقول).
(٢) قلت: قد حقق هذا المسألة باستفاضة شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٩١ - ٢٠١) والعلامة ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٥٠١ - ٥٠٤) ورجحا ما رجحه ابن عبد الهادي هنا.
(٣) ختم المؤلف هذه المسألة في "تنقيح التحقيق" (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣) بقوله: قال صاحب "المغني": احتج أحمد بحديث ابن عباس وجابر "من لم يجد نعلين فليلبس خفين" مع قول علي - ﵁ -: "قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما" مع موافقة القياس؛ فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر؛ فإن =
[ ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح، وفيه إتلاف ماليته، وقد نهى النبي - ﷺ - عن إضاعة المال. فأما حديث ابن عمر فقد فقيل: إن قوله: "وليقطعهما" من كلام نافع، كذا رويناه في "أمالي أبي القاسم بن بشران" بإسناد صحيح أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: "وليقطع الخفين أسفل من الكعبين". وروى ابن أبي موسى عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة "أن رسول الله - ﷺ - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما" وكان ابن عمر يفتي بقطعهما. قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع وروى أبو حفص في "شرحه" بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف "أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع القباء؟ قال: قد لبستهما مع من هو خير منك -يعني رسول الله - ﷺ - ". ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما منسوخًا، فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعًا وقال: انظروا أيهما كان قبل. قال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد جاء في بعض رواياته قال: "نادى رجل رسول الله - ﷺوهو بالمسجد- يعني بالمدينة" وكأنه كان قبل الإحرام. وفي حديث ابن عباس يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين" فيدل على تأخيره على حديث ابن عمر فيكون ناسخًا له؛ لأنه لو كان القطع واجبًا لبينه للناس؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. المفهوم من إطلاق لبسهما لبسهما على حالهما من غير قطع، والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط. انتهى كلامه، وهو في "المغني" (٣/ ٢٧٥) وصوبت منه عدة أخطاء كانت في كتاب "التنقيح" المطبوع.
[ ١٥٨ ]