فصل (١)
وقوم قبلوا المرسل وبالغ فيه بعضهم حتى قالوا: إنه أقوى من المتصل، وهذا مذهب عيسى بن أبان.
قالوا: لأن المرسل قد قطع بشهادته على الرسول - ﷺ -، والواصل قد أحال على الواسطة، وعدالة الراوي وأمانته تمنعه أن يشهد على رسول الله - ﷺ - بخبرٍ يكون راويه غير ثقة ولا حجة، فلو لم يُقبل مثل هذا المرسل لكان ذلك قدحًا في الراوي المعلوم الثقة والأمانة، وهو غير جائز.
قالوا: وقد قبلت الأمة مثل رواية ابن عباس وابن الزبير، ونحوهما عن النبي - ﷺ -، مع أن أكثرها مرسلة، والذي شاهده ابن عباس أو سمعه من النبي - ﷺ - شفاهًا بالنسبة إلى ما رواه قليل جدًّا، حتى قيل: إنه لم يبلغ العشرين، وقد قبلت الأمة مرسله، وعملت به، والاحتمال الذي ذكرتموه في مرسل التابعي بعينه موجود في محل الوفاق.
قالوا: ولأنا لو رددنا المرسل لوجب رد ما أسنده المرسل؛ لأنه إما جاز أن يقطع على رسول الله - ﷺ - بما لا يعلم أنه حق كان ذلك قدحًا في عدالته، وهو يبطل روايته مطلقًا، فإن جوزتم عليه ذلك بطلت روايته، وإن لم تجوزوا عليه ذلك لزم قبول مرسله ولا انفكاك عن واحدٍ من الأمرين، وقد اتفقت الأمة على قبول ما أسنده؛ وذلك يستلزم قبول ما أرسله من الطريق الذي بيناه.
قالوا: والذي يدل على ما قلنا أن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا
_________________
(١) ذكر الحافظ العلائي معظم ما استدل به المحتجون بالمرسل مطلقًا في كتابه "جامع التحصيل" (ص ٧١ - ٨٨) وأجاب عنه.
[ ١٢٣ ]
حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك: "قال عبد الله" فقد حدثني جماعة عنه، وإذا قلت لك: "حدثني فلان عن عبد الله" فهو الذي حدثني (١)، وقال الحسن: كنت إذا ﴿اجتمع لي﴾ (٢) أربعة نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - تركتهم وأسندته إلى رسول الله - ﷺ - (٣).
قالوا: فإذا كان هذا شأن مراسيل الحسن، وهي عندكم من أضعف المراسيل، فكيف بمراسيل غيره من كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة؟ .
قالوا: وروى عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز حديثًا عن النبي
_________________
(١) قال العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٧٩ - ٨٠): وأما ما ذكروه عن إبراهيم النخعي، فهو صحيح رواه شعبة عن الأعمش عنه، وكذلك قال أحمد بن حنبل: مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها. وأشار البيهقي إلى أن هذا إنما يجيء فيما جزم به إبراهيم النخعي عن ابن مسعود وأرسله عنه؛ لأنه قيد فعله ذاك. فأما غيرها فإنا نجده يروي عن قوم مجهولين لا يروي عنهم غيره، مثل: هني بن نويرة، وجذامة الطائي، وقرثع الضبي، ويزيد بن أوس، وغيرهم.
(٢) في "الأصل": (أجمع إلى) والمثبت من "جامع التحصيل".
(٣) قال العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٧٩): قال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح؛ فإنهما يأخذان عن كل أحد. وروى حماد ابن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان قال: ربما حدثنا الحسن بالحديث، ثم أسمعه بعد يحدث به، فأقول: من حدثك يا أبا سعيد؟ فيقول: ما أمرى غير أني سمعته من ثقة. فأقول أنام حدثتك به. فهذا الحسن يرسل عن علي بن زيد، وهو متكلم فيه كثيرًا، وتوثيقه إياه بحسب ظنه. وقال ابن عون: قال بكر المزني للحسن وأنا عنده: عمن هذه الأحاديث التي تقول فيها قال رسول الله - ﷺ -؟ قال: عنك وعن ذا. وهذا كله يرد ما ذكروه عن الحسن أنه قال: "كنت إذا اجتمع لي أربعة نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - تركتهم، وقلت: قال رسول الله - ﷺ -" مع أني لم أجده مسندًا، بل هو في كتبهم هكذا منقطعًا.
[ ١٢٤ ]
- ﷺ -: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" فأرسله، فقال عمر: أتشهد على رسول الله - ﷺ - بذلك؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك العدل الرضا. ولم يسم من أخبره؛ فاكتفى منه عمر بن عبد العزيز بذلك، وقبله وعمل به.
قالوا: وقد كان سعيد بن المسيب والحسن وغيرهما يرسلون الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ثم إذا سُئلوا عن إسناده أسندوه إلى الثقات.
قالوا: وأيضًا فالأدلة الدالة على قبول خبر الواحد والعمل به لا تفرق بين المرسل والمسند، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).
قالوا: فدلت الآية على وجوب تبليغ ما أنزل الله من البينات والعمل به، والتابعي الثقة إذا قال: "قال رسول - ﷺ -" فقد بين وترك الكتمان؛ فيلزم قبوله عملًا بالآية.
قالوا: وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢). فدلت الآية على أن الطائفة من التابعين إذا رجعت إلى قومها فقالت: "أنذركم بما قال النبي - ﷺ -، وأحذركم مخالفته" لزمهم قبول خبرهم، كما دل على لزوم خبر الصحابي إذا قال: "قال رسول الله - ﷺ -" وإن لم يسمعه منه.
قالوا: وأيضًا فقد قال النبي - ﷺ -: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٣)،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.
(٣) رواه البخاري (١/ ٢٣٨ رقم ١٠٤)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦ رقم ١٦٧٩) عن =
[ ١٢٥ ]
وقوله: "بلغوا عني" (١) وهذا يتناول المرسل والمسند.
قالوا: وأيضًا فلما كان المسند في أخبار الآحاد مقبولًا وجب أن يكون المرسل بمثابته من حيث شهد النبي - ﷺ - لأهل عصر التابعين بالصلاح كما شهد للصحابة، فوجب حمل أمرهم على ما حملنا عليه أمر الصحابي إذا قال: "قال رسول الله - ﷺ -" لأن ظاهر حال التابعين العدالة والصدق، ولهذا شهد لهم النبي - ﷺ - بأنهم من خير القرون حيث يقول: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢).
فأثنى على قرن التابعين وتابعيهم بالخير، وأخبر أن الكذب يفشو بعد ذلك، فدل على أن الذي أثنى به على القرون الفاضلة هو الصدق والعلم؛ فمن سَوَّى بين القرن الفاضل الذي شهد له رسول الله - ﷺ - بالخير والصدق وبين القرن الذي أخبر بفشو الكذب فيهم فقد سوى بين مختلفين.
قالوا: وأيضًا فالنبي - ﷺ - لما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال قال له: "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ". قال: نعم. فقبل خبره وأمر
_________________
(١) = أبي بكرة - ﵁ -. ورواه البخاري (٤/ ٥٠ رقم ١٨٣٢)، ومسلم (٢/ ٩٨٧ - ٩٨٨ رقم ١٣٥٤) عن أبي شريح العدوي - ﵁ -. ورواه البخاري (٣/ ٦٧٠ رقم ١٧٣٩) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٢) رواه البخاري (٦/ ٥٧٢ رقم ٣٤٦١) عن عبد الله بن عمر بن العاص - ﵄ -.
(٣) رواه البخاري (٦/ ٣٠٥ رقم ٢٦٥١) ومسلم (٤/ ١٩٦٤ - ١٩٦٥ رقم ٢٥٣٥) عن عمران ابن حصين - ﵁ -. ورواه البخاري (٥/ ٣٠٦ رقم ٢٦٥٢) ومسلم (٤/ ١٩٦٢ - ١٩٦٣ رقم ٢٥٣٣) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -. ورواه مسلم (٤/ ١٩٦٣ - ١٩٦٤ رقم ٢٥٣٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٢٦ ]
الناس بالصوم" (١) بنفس ظهور الإسلام منه، قبل أن يعرف شيئًا آخر من أحواله؛ لأنه لو كان قد عرف حاله قبل ذلك لما سأله عن الإسلام، فلما سأله أمسلم هو، كان في ذلك تنبيه ودلالة على أن إسلامه هو الموجب لقبول خبره.
قالوا: فأيضًا فهذا الوسطة الذي بين التابع وبين رسول الله - ﷺ - لا، يخلو من أحد أمور أربعة: إما أن يكون صحابيًّا، أو تابعيًّا ثقة، أو مجروحًا متهمًا، أو مجهولًا يُدرى حاله، فإن كان صاحبيًا أو تابعيًّا ثقة وجب قبول خبره، وإن كان مجروحًا متهمًا بالكذب وجب إطراح حديثه، لكن مثل هذا بعيد جدًّا في التابعي أن يكون بينه وبين الصحابي كذاب وهو لا يبين حاله، ويستجيز أن يشهد بقوله وروايته على رسول الله - ﷺ -، واحتمال أن يكون قد خفي حاله على التابعي مع كونه غير ثقة فيقطع بروايته على رسول الله - ﷺ - من غير أن يثبت عنده صدقه وعدالته في غاية البعد، وكذلك إن كان مجهولا لا يُدرى حاله أصادق هو أم كاذب لا نظن بالتابعي الثقة أن يقطع
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٣٠٢ رقم ٢٣٤٠) والترمذي (٣/ ٧٤ رقم ٦٩١) والنسائي (٤/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ٢١١١، ٢١١٢) وابن ماجه (١/ ٥٢٩ رقم ١٦٥٢) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - وصححه ابن خزيمة (٣/ ٢٠٨ رقم ١٩٢٣، ١٩٢٤) وابن حبان (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠ رقم ٣٤٤٦) والحاكم (١/ ٤٢٣). ورواه أبو داود (٢/ ٣٠٢ رقم ٢٣٤١) من طريق سماك عن عكرمة مرسلًا، وقال أبو داود: رواه جماعة عن سماك، عن عكرمة مرسلًا. وقال النسائي: المرسل أولى بالصواب. انظر "تحفة الأشراف" (٥/ ١٣٧ - ١٣٨) - و"كفاية المستقنع" (١/ ٣٩٨). وقال الترمذي: وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
[ ١٢٧ ]
على رسول الله - ﷺ - بقوله مع أنه مجهول الحال عنده، وإن كان هذا محتملًا فهو احتمال مرجوح في غاية البعد، ولا ريب أن الاحتمالين الأولين أغلب على الظن، وذلك كافٍ في الاحتجاج به.
قالوا: وأيضًا فلا يخلو التابعي إذا أرسل الحديث وحذف الواسطة من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون حذفها لأنه لو سماه لعرف جرحه وعدم أهليته للتحمل عنه، أو يكون حذفه لشهرته (١) في العدالة والثقة عنده فلم يكن بذكره حاجة، وهذ كما قيل في حذف الفاعل إذا كان معلومًا ولا فائدة في ذكره؛ فإنه يبنى الفعل للمفعول ويحذف الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢) و﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٤) وهو كثير، وهذا إما أن يكون لكثرة الوسائط والمخبرين، وإما أن يكون لأن ذلك المحذوف لا فرق عنده بين ذكره وحذفه في قبول روايته، أو يكون حذفه لعدم علمه به أو جهله بحاله من الثقة والجرح، فلا نظن به الأول؛ لأن ذلك غش فيه وتلبيس؛ وذلك يقدح في عدالته، ولا نظن به الثالث لذلك أيضًا؛ فتعين القسم الثاني، وذلك غير مبطل للاحتجاج بالمرسل.
قالوا: وأيضًا فلو لم يكن المرسل حجة لم يكن الخبر المعنعن حجة؛ لأن الراوي أيضًا أرسله بالعنعنة ولم يصرح بالسماع ممن فوقه، والاحتمال الذي ذكرتموه في المرسل بعينه قائم في الخبر المعنعن، وما هو جوابكم هو جوابنا
_________________
(١) مشتبهة في "الأصل" ولعلها كما أثبته، والله أعلم.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٧.
(٣) سورة النساء، الآية: ٢٨.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٢.
[ ١٢٨ ]
بعينه واحتمال لقيه والسماع منه ليس بدون احتمال ثقة الواسطة المحذوف وعدالته، وهذا ظاهر.
قالوا: وأيضًا فإن الله تعالى إنما أمرنا بالتثبت أو التبين في قبول خبر الفاسق؛ فدل على أن العدل الثقة لا يجب التثبت في خبره، وهذا المرسل ثقة عدل فيجب قبول خبره وسؤالنا له ممن سمعه نوع تثبت وتوقف في خبره واتهام له بحمله عن غير أهلٍ.
قالوا: وأيضًا فإنا وجدنا عامة الصحابة والتابعين إذا سمعوا الأخبار المرسلة صاروا إليها وعملوا بها، وتركوا آراءهم لأجلها: أما الصحابة فأكثر من أن تحصى، فإنهم لم يكونوا إذا رووا عن النبي - ﷺ - حديثًا يقول لهم من سمعه منهم هل سمعتموه من رسول الله - ﷺ -، أو بينكم وبينه واسطة؟ وهذا أبو هريرة من أكثر الصحابة رواية عن النبي - ﷺ -، وكثير من روايته إنما تلقاها عن غيره من الصحابة، وهكذا ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير، حتى يقال: إنه لا يعرف له ما يحكيه عن النبي - ﷺ - سماعًا إلا حديث: "الحلال بين" (١)، وقال البراء بن عازب (٢): ما كل ما نحدثكم به سمعناه من النبي - ﷺ -، لكنا سمعناه وحدثنا أصحابُنا، ولكنا لا نكذب.
وأما التابعون فروايتهم للمراسيل واحتجاجهم بها وعملهم بها ظاهر مشهور، فإنهم إنما رووها محتجين بها في مقام الفتوى والمناظرة والتبليغ، وهذا أشهر من أن يذكر أمثلته، فما أنكره عليهم نظراؤهم ولا من فوقهم،
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٥٣ رقم ٥٢) ومسلم (٣/ ١٢١٩ - ١٢٢١ رقم ١٥٩٩).
(٢) ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢٨٢) وفي "العلل ومعرفة الرجال" (٢/ ٤١٠ رقم ٢٨٣٥).
[ ١٢٩ ]
وإنما أنكره من جاء بعدهم.
قالوا: وأيضًا فلو قال هذا الراوي المرسل: "حدثني فلان وهو عدل عندي" حاق قبول خبره والعمل به، فروايته عنه في مقام الاحتجاج والقطع به على رسول الله - ﷺ - إن لم يكن فوق تعديله له فليس بدونه، وإنما قلنا إنه ليس بدون تعديله لما فيه من الشهادة على رسول الله - ﷺ -، وإيجاب حكم بخبره أو إسقاطه من تحريم أو تحليل أو إباحة واستجازته وإقدامه على إرسال مثل ذلك دليل على تعديله لمن حدثه به، وهذا أمر ظاهر.
قالوا: وأيضًا فلو لم يكن المرسل حجة لبادرت الأمة إلى إنكار من رواه فإنه إن رواه محتجًا به وهو غير حجة فالإنكار متعين، وإن لم يروه محتجًا به فلا ريب أنه لم يقل هذا ليس بحجة، ولا سيما روايته له ظاهرة في الاحتجاج، وترك النكير من الأمة دليل على قبوله والعمل به.
قالوا: وأيضًا فنحن لا طريق لنا إلى العلم بحال الرواة، وتجريحهم وتعديلهم إلا من الرواة المتلقين عنهم، فمن جرحوه أطرح خبره، ومن وثقوه قُبل خبره وعُمل به، وكان توثيقهم من فوقهم طريقًا موصلًا إلى العمل بخبره وقبوله، فإذا أتى بالغاية المقصودة من التوثيق والتعديل، وهي القبول والتحديث والعمل بخبره؛ كان ذلك مغنيًا عن الوسيلة، وكان أبلغ منها.
قالوا: وأيضًا فمن تأمل حال الصحابة والتابعين وجدهم من أصدق الناس، أما الصحابة فلم يكن فيهم أحد يكذب على رسول الله - ﷺ - كذبة واحدة، وأما التابعون فمشهورن معروفون بالصدق، ولم يكن فيهم معروف بالكذب إلا من أمره مشهور بينهم شهرة أظهر من أن يُحتاج إلى البحث عنه، ولم يكن أئمة التابعين يروون عن مثل هذا شيئًا، وهذا الضرب أكثر ما
[ ١٣٠ ]
يوجد في الشيعة، وأما أصحاب ابن مسعود فلم يُعرف فيهم كذاب قط، وكذلك أصحاب ابن عباس، وأصحاب معاذ بن جبل، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب أبي هريرة، وأصحاب ابن عمر، وهم معروفون عند الأئمة بالثقة والأمانة والنصيحة، ويكفي شهادة رسول الله - ﷺ - لهم بأنهم خير القرون بعد قرنه، وإخباره عن غيرهم بالكذب، وهذا أمر يعلمه كل من له ذوق في الأخبار وتمييزها وحال رواتها.
قالوا: وأيضًا فقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ - "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" (١). فاكتفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بظاهر العدالة إلا من علم منه خلافها ولا ريب أن هذه الواسطة ظاهرة العدالة، فالأصل قبول خبره وشهادته حتى يثبت عليه ما يوجب ذلك، وهذا في عصر التابعين ظاهر جدًّا؛ لأنهم كانوا خير الخلق بعد الصحابة، وكان الخير فيهم أغلب من الشر، والعدله أكثر من المتهم؛ فالواجب حمل روايتهم وشهادتهم على الصحة ما لم يتبين خلافها.
قالوا: وأيضًا فالإرسال حكم على رسول الله - ﷺ -، فإذا كان الراوي من أهل العدالة والإتقان والأمانة وقد حكم بهذا الحديث وجب قبول حكمه كما لو حكم بصحة الحديث أو بضعفه أو بجرح الراوي، فالفرق بين الحكم وبين الرواية المحضة ظاهر، فالمرسل حاكم، وأي فرق بين قوله قال رسول الله - ﷺ -، وبين قوله هذا الحديث صحيح.
_________________
(١) جزء من رسالة عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وستأتي الإشارة إلى بعض طرقها، إن شاء الله تعالى.
[ ١٣١ ]
قالوا: وأيضًا فإذا وجب على المستفتي قبول ما يرسله المفتي عن النبي - ﷺ - معنًى؛ بناءً على ظاهر علمه وعدالته، وجب على العالم قبول ما يرسله له الراوي عن النبي - ﷺ - لفظًا؛ بناءً على ظاهر عدالته وصدقه وأمانته.
قالوا: وأيضًا فالمرسل إن علم أن فيمن أرسل عنه قدحًا وجرحًا يمنع قبول روايته ولم يبينه فقد كتم ما يجب عليه بيانه، وذلك نوع خيانة، وإن لم يعلم منه ما يوجب رد روايته وجب عليه قبول خبره والعمل به بناءً على صحته عنده، فما لم يقم عند غيره دليل على خلاف ذلك وجب عليه المصير إلى قبول خبره؛ لأنه دليل ظاهر لا معارض له فكيف يجوز تعطيله.
قالوا: وأيضًا فهذا سعيد بن المسيب مع جلالته وعلو منزلته عند المسلمين حتى قال فيه الإمام أحمد (١): هو سيد المسلمين بإجماع المسلمين. أخذ الناس بروايته عن عمر حديثه وأحكامه، مع أن عامتها مراسيل -فإنه ولد لسنتين مضتا، وقيل: بقيتا- من خلافة عمر (٢) قال الإمام أحمد (٣): إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل؟ ! ولا يُعرف أحد من التابعين كان يقول لسعيد بن المسيب إذا روى عن عمر من حدثك به عن عمر؟ بل كان عبد الله بن عمر يرسل إليه يسأله عن قضايا عمر وأحكامه، ولم يختلف
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي "تهذيب الكمال" (١١/ ٧٣): وقال عثمان الحارثي النحاس: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفضل التابعين سعيد بن المسيب.
(٢) قال سعيد بن المسيب: "ولدت لستتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر". رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٥/ ١١٩ - ١٢٠) والامام أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (١/ ١٤٩ رقم ٤٨) بسند صحيح عنه.
(٣) في رواية أبي طالب، كما في "الجرح والتعديل" (٤/ ٦٠).
[ ١٣٢ ]