فصل
قال ابن حزم (١): وأما رسالة عمر -يعني: في القياس- فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري، ثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، ثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا عبيد الله (٢) بن موسى، ثنا عبد الملك بن الوليد ابن معدان، عن أبيه، قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري. .. "، فذكر الرسالة، وفيها: "الفهم (٣) يعني فيما يتلجلج في صدرك بما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ثم اعرف الأشكال والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى الله -﷿- " وذكر باقي الرسالة.
وحدثناها أحمد بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي، ثنا أحمد بن محمد الكرخي (٤)، ثنا محمد بن عبد الله العلاف، ثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق، ثنا عبد الله بن سعيد (٥)، ثنا أبو عبد الله محمد بن (٦) يحيى بن أبي عمر العدني (٧)، ثنا سفيان، عن إدريس بن يزيد الأودي، عن
_________________
(١) "الأحكام في أصول الأحكام" (٧/ ١٢٨٧).
(٢) في "الأصل": (عبد الله) مكبرًا، والمثبت من "الأحكام"، وهو عبيد الله بن موسى بن أبي المختار أبو محمد الكوفي، ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٩/ ١٦٤).
(٣) في "الأحكام": (الفهم الفهم).
(٤) في "الأحكام": (الكرجي) بالجيم.
(٥) في "الأحكام": (سعد).
(٦) زاد بعدها في "الأصل": (أبي) وهي زيادة مقحمة ليست في "الأحكام"، ومحمد بن يحيى ابن أبي عمر العدني ترجمته في "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٦٣٩).
(٧) في "الأصل": (الدني) وهو تحريف، والعدني: بفتح العين والدال المهملتين وفي آخرها =
[ ١٣٤ ]
سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى " فذكر الرسالة، وفيها: "الفهم الفهم (١) فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في الكتاب ولا في السنة، ثم قس الأمور بعضها ببعض، وانظر أشبهها بالحق وأحبها إلى الله فأعمل به". وفيها أيضًا: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة " ﴿وذكر باقيها﴾ (٢).
قال أبو محمد بن حزم (٣): وهذا لا يصح؛ وإن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف (٤)، وأبوه مجهول (٥).
_________________
(١) = النون، نسبة إلى بلدة من بلاد اليمن، يقال لها: عدن، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر كان أبوه من عدن؛ فنسب إليها "الأنساب" (٤/ ١٦٦).
(٢) في "الأحكام": (الفهم) مرة واحدة.
(٣) في "الأصل": (وذكرنا فيها) والمثبت من "الأحكام".
(٤) "الإحكام في أصول الأحكام" (٧/ ١٢٨٧ - ١٢٨٨).
(٥) في هذا القول تهويل؛ فإن الإمام يحيى بن معين قال في رواية إسحاق بن منصور: صالح. كما في "الجرح والتعديل" (٥/ ٣٧٣) وقال في رواية ابن محرز: ليس به بأس. "سؤلات ابن محرز" (١/ ٩٢ رقم ٣٤٦) وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. "الجرح والتعديل" (٥/ ٣٧٤) وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٥/ ٤٣٦): فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي. كما في " تهذيب الكمال" (١٨/ ٤٣٢) وقال ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٥٣٥): روى أحاديث لا يتابع عليها. وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٣٥): منكر الحديث جدًّا ممن يقلب الأسانيد، لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه.
(٦) ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٩٣ - ٤٩٤) وقال: يعتبر بحديثه ما لم يروه عنه ابنه. وفي "الميزان" (٤/ ٣٤٩): الوليد بن معدان حدث عنه ولده عبد الملك قال ابن حزم: كلاهما ساقط. قلت: انفرد بحديث عمر - ﵁ - في كتابه إلى أبي موسى أن يجتهد رأيه اهـ
[ ١٣٥ ]
وأما السند الثاني فمن بين الكرخي إلى سفيان مجهولون (١)، وهو أيضًا
_________________
(١) كذا جهَّل العلامةُ ابن حزم جماعةَ في الإسناد، منهم الإمام محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وهو إمام كبير، له مسندٌ معروفٌ - جمع روائده على الكتب الستة و"مسند الإمام أحمد" الحافظ ابن حجر في كتابه "المطالب العالية" وجمع زوائده على الكتب الستة الحافظ البوصيري في كتابه "إتحاف الخيرة بزوائد المسانيد العشرة" - روى عنه مسلم والترمذي وابن ماجه، وروى النسائي عن رجل عنه، وقد وثقه يحيى بن معين والدارقطني وابن حبان، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقًا. وقال مسلمة: لا بأس به. وسُئل الإمام أحمد بن حنبل عمن يكتب عنه، فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. ترجمته في "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٦٣٩ - ٦٤٢). وأما الرواة عنه فقد توبعوا جميعًا، قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٧/ ١٠٣): أخبرنا عبد الوارث، قال حدثني القاسم، قال: حدثني الخشني، قال: حدثني ابن أبي عمر العدني، قال: حدثني سفيان به. وقد توبع الإمام محمد بن يحيى العدني أيضًا؛ تابعه الإمام أحمد بن حنبل، عند الدارقطني في "سننه" (٤/ ٢٠٧)، وتابعه يحيى بن الربيع المكي عند البيهقي في "سننه" (١٠/ ١١٥) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٧٢) لكنهما لم يذكرا أبا بردة في الإسناد. ولهذه الرسالة عن عمر بن الخطاب أسانيد أخرى: قال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم: عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام قال: كتب عمر إلى أبي موسى فذكرها، كما في "إعلام الموقعين" (١/ ٨٥ - ٨٦). ورواها البيهقي في "سننه" (١٠/ ١٥٠) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٧١) من طريق ابن كناسة عن جعفر بن برقان به. ورواها الدارقطني في "سننه" (٤/ ٢٠٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٧٠) من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح الهذلي قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ، فذكرها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٦/ ٧١): ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه. اهـ. =
[ ١٣٦ ]
منقطع؛ فبطل القول به جملة، ويكفي أنه لا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﵇.
قال العقيلي في كتابه (١): عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي، حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي فيه نظر. ومن حديثه ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي مسرّة، ثنا بدل بن المحُبَّر، ثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي، أنا عاصم ابن بهدلة، عن زر وأبي وائل، عن عبد الله قال: "ما أحصي ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الضحى (٢) وركعتي الغداة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣). قال: ولا يُتابع عليه بهذا الإسناد، وقد روي هذا المتن بإسنادٍ جيدٍ.
_________________
(١) = وقال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٨٦): وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه. انتهى، ثم أفاض -﵀- في شرحه.
(٢) "الضعفاء الكبير" (٣/ ٣٨).
(٣) في "الضعفاء الكبير": (الفجر).
(٤) رواه الترمذي (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧ رقم ٤٣١) وابن ماجه (١/ ٣٦٩ رقم ١١٦٦) من طريق بدل ابن المحبر به، ولم يذكر الترمذي زرًّا في الإسناد، وقال الترمذي: حديث غريب من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن معدان عن عاصم.
[ ١٣٧ ]