حديثه بما وصفت أحببنا أن يقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة ثبتت به ثبوتها بالمتصل؛ وذلك أن معنى المنقطع مغيب، يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب في الرواية عنه إذا سمى، وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدًا من حيث لو سمى لم تقبل، وأن قول بعض الصحابة إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض الصحابة يوافقه قال: فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم من يقبل مرسله.
فقد تضمن كلام الشافعي أمورًا:
أحدها: أن المرسل إذا أُسند من وجه آخر دل ذلك على صحة المرسل.
الثاني: أنه إذا لم بسند من وجه آخر نظر هل يوافقه مرسل آخر أم لا، فإن وافقه مرسل آخر قوي، لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر.
الثالث: أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر ولم بسند من وجه لكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي - ﷺ - دل على أن له أصلًا، ولم يطرح.
الرابع: أنه إذا وجد خلق كثير من أهل ﴿العلم﴾ (١) يفتون بما يوافق المرسل دل على أن له أصلًا.
الخامس: أن ينظر في حال المرسل، فإن كان إذا سمى شيخه سمى ثقة وغير ثقة؛ لم يحتج بمرسله، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة لم يسم
_________________
(١) سقطت من "الأصل" وأثبتها من "الصارم المنكي".
[ ١٢٠ ]
مجهولا ولا واهيًا؛ كان ذلك دليلًا على صحة المرسل وهذا فصل النزاع في المرسل، وهو من أحسن ما يقال فيه.
السادس: أن ينظر إلى هذا المُرسِل له فإن كان إذا شرك غيره من الحفاظ في حديثه وافقه فيه ولم يخالفه؛ دل ذلك على حفظه، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص إما نقصان رجل يؤثر في اتصاله، أو نقصان رفعه بأن يقفه، أو نقصان شيء من متنه؛ كان في هذا دليل على صحة مخرج حديثه وأن له أصلًا، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه، بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادة، فإن هذا يوجب التوقف (والاعتبار) (١) وهذأ دليل من الشافعي - ﵁ - على أن زيادة الثقة عنده لا تلزم أن تكون مقبولة مطلقًا كما يقوله كثير من الفقهاء من أصحابه وغيرهم؛ فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه، ولم يعتبر المخالف بالزيادة وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليل على صحة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه؛ ولو كانت الزيادة. عنده مقبولة مطلقًا لم يكن مخالفته بالزيادة مضرًا بحديثه.
السابع: أن المرسل العاري عن هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس بحجة عنده.
الثامن: أن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل؛ وكأنه - ﵁ - سوغ الاحتجاج به ولم ينكر على مخالفه.
التاسع: أن مأخذ رد المرسل عنده إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن
_________________
(١) في "الصارم المنكي": (والنظر في حديثه).
[ ١٢١ ]
المرسل لو سماه لبان أنه لا يُحتج به، وعلى هذا المأخذ فإذا كان المعلوم من عادة المرسل أنه إذا سمى لم يسم إلا ثقة ولم يسم مجهولًا كان مرسله حجة وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو مبني على أصل، وهو أن رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا؟ وفي ذلك قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والصحيح حمل الروايتين على اختلاف حالين، فإن الثقة إن كان من عادته أنه لا يروي إلا عن ثقة كانت روايته عن غيره تعديلًا له إذ قد علم ذلك من عادته، وإن كان يروي عن الثقة وغيره لم يكن روايته تعديلًا لمن روى عنه.
وهذا التفصيل اختيار كثير من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو أصح.
العاشر: أن مرسل من بعد ﴿كبار﴾ (١) التابعين لا يُقبل، ولم يحك الشافعي عن أحد قبوله؛ لتعدد الوسائط، ولأنه لو قبل لقبل مرسل المحدث اليوم، وبينه وبين الرسول - ﷺ - أكثر من عشرة، وهذا لا يقوله أحد من أهل الحديث.
_________________
(١) من "الصارم المنكي".
[ ١٢٢ ]