بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -
وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد، فإن الحافظ البارع المقرئ المجود النحوي ذا الفنون محمد بن أحمد ابن عبد الهادي المقدسي (٧٠٤ - ٧٤٤ هـ) أحد أعيان مدرسة شيخ الإسلام ابن
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ١.
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٧٠، ٧١.
[ ٥ ]
تيمية، وقد برع -﵀- في علل الحديث ومعرفة الرجال، وقد أثنى عليه كثير من الحفاظ الأكابر والعلماء الأماثل- رحمة الله عليهم أجمعين.
وتعود صلتي بمؤلفاته إلى عام ١٤١٠ هـ حين قرأت كتابه "المحرر في أحاديث الأحكام (١) وهو كتاب رائع، وكان ناشره قد كتب في مقدمته ترجمة للإمام أبي محمد بن قدامة المقدسي على أنه مؤلف الكتاب، وهو يخالف اسم المؤلف المثبت على الغلاف، فلما أعجبني الكتاب وجودة تأليفه ودقة تصنيفه وأردت أن أعلم شيئًا عن مؤلفه -﵀- وفقني الله تعالى للوقوف على كتابه النفيس "الصارم المنكي في الرد على السبكي" بتحقيق فضيلة الشيخ إسماعيل الأنصاري، ووجدت فضيلة الشيخ الأنصاري قد ترجم للمؤلف ترجمة جيدة، وذكر له من المصنفات ما يزيد على الستين مصنفًا، ويومها نقلت ترجمة ابن عبد الهادي من مقدمة "الصارم" ووضعتها في مقدمة "المحرر".
فلما قرأت هذا الكتاب - "الصار المنكي" - وجدته كتابًا علميًّا محررًا نفيسًا؛ خاصة في علل الحديث ومعرفة الرجال، فتعلقت نفسي بكتب الحافظ ابن عبد الهادي، وأخذت أبحث عن المطبوع منها، فلم أجد منها شيئًا، لكن وجدت في كتاب "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي، نقولات كثيرة عن الحافظ ابن عبد الهادي؛ خاصة من كتابيه: "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق" و"الجهر بالبسملة" (٢) فزدت تعلقًا بكتب هذا الإمام العلم - ﵀
رحمة واسعة.
_________________
(١) طبع السلام العالمية للطبع والنشر بالقاهرة.
(٢) انظر "نصب الراية" (١/ ٣٣٥ - ٣٥٨) فقد لخص هذا الكتاب.
[ ٦ ]
ثم وقفت على كتابيه: "تنقيح التحقيق" (١) و"العقود الدرية" (٢)، ثم وقفت على قطعة من تعليقه على "علل ابن أبي حاتم" بخطه، تحوي فوائد كثيرة (٣)، ثم وقفت على كتابه "طبقات علماء الحديث" (٤)، وواصلت البحث عن بقية مؤلفات الحافظ ابن عبد الهادي فوجدت له رسالتين صورهما معهد المخطوطات العربية من المكتبة الأزهرية، فصورتهما فورًا، وكان هذا منذ عدة سنوات، ولصغر حجم هذين الجزئين بقيا عندي طيلة هذه السنين وأنا أرجو الله -تعالى- أن أوفق لجمع عدة رسائل أخرى لابن عبد الهادي ليجتمع عندي ما يصح أن أسميه "مجموع رسائل"، فوفقني الله للعثور على "شرح قصيدة غرامي صحيح" ثم وقفت على "فضائل الشام" ثم وقفت على "اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية" -﵀- وكانت فرحتي بهذه الرسالة كبيرة؛ لذا بادرت إلى طبعها في مجموع سميته "من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية" (٥) ثم وقفت على رسالة سماها محققها (٦) "رسالة لطيفة في أحاديث متفرقة ضعيفة" للحافظ ابن عبد الهادي، وتبينت أنها عبارة عن
_________________
(١) بتحقيق د. عامر حسن صبري، نشر وتوزيع الكتبة الحديثة بالإمارات، من أول الكتاب إلى آخر كتاب الزكاة.
(٢) بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي.
(٣) طبع بتحقيق مصطفى أبي الغيط وإبراهيم فهمي، في الفاروق الحديثة للطباعة والنشر بالقاهرة.
(٤) بتحقيق أكرم البوشي وإبراهيم الزيبق، طبع مؤسسة الرسالة بيروت، والذي يظهر -والله أعلم- أن ابن عبد الهادي اختصر فيه كتاب "تذكرة الحفاظ" لشيخه الذهبي، وقد راد فيه فوائد في مواضع، منها في ترجمة ابن حزم (٣/ ٣٤٩ - ٣٥١) وفي ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٢٧٩ - ٢٩٦).
(٥) يحوي هذا المجموع رسالتين أخريين، هما: "المسائل والأجوبة" لشيخ الإسلام، وفيها "جواب سؤال أهل الرحبة". و"ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية" للحافظ الذهبي.
(٦) هو الشيخ محمد عيد عباسي.
[ ٧ ]
جزء في الأحاديث الضعيفة التي يتداولها الفقهاء، وحصلت على نسخة خطية لها، ثم وقفت على جزء لابن عبد الهادي اختصره من هذه الرسالة، ثم وقفت على جزء له في الكلام على مسألة استواء الله سبحانه على عرشه، ثم وقفت على قطعة من رسالته في الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم، ثم وقفت على رسالته اللطيفة "الطرفة" في النحو.
وأسأل الله أن ييسر الحصول على بقية مؤلفات هذا الإمام العلم؛ بفضله وجوده إنه جواد كريم.
وقد قوي عزمي أن أبادر بطبع هذا المجيلد من رسائل الحافظ ابن عبد الهادي -﵀- رجاء أن ينفع الله به المسلمين، وقد حوى ثماني رسائل هي:
١ - "الكلام على حديث أفرضكم زيد".
٢ - "جزء مختصر في الأحاديث الضعيفة التي يتداولها الفقهاء وغيرهم".
٣ - "المراسيل".
٤ - "الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم".
٥ - "اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية".
٦ - "فضائل الشام".
٧ - "شرح قصيدة غرامي صحيح".
٨ - "الطرفة في النحو".
خمس من هذه الرسائل تطبع لأول مرة -حسب علمي- وهي الأربعة الأولى، والرسالة الأخيرة.
على أن أنشر بقية ما وقفت عليه من رسائل ابن عبد الهادي بعد ذلك -إن شاء الله- تعالى.
[ ٨ ]
وجزى الله خيرًا كل من أعان على إتمام هذا العمل وإخراجه.
والله أسأل أن ينفع بهذه الرسائل مؤلفها ومحققها وكل من أعان على إتمامها ونشرها، وسائر المسلمين.
والحمد لله رب العالمين.
كتبه
أبو عبد الله حسين بن عكاشة
في ليلة الأحد الثامن من ذي الحجة سنة ١٤٢٦ هـ
الموافق ٨/ ١/ ٢٠٠٦ م
[ ٩ ]