والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة -﵃- وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم -بحمد اللَّه- فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم، وهذه المسألة عظيمة الجدوى والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعا:
أما في أصول الدين فبالنظر إلى الإمامة وشرائطها وبماذا تنعقد، ومن يصح أن يكون إمامًا، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد.
وأما في أصول الفقه؛ فلأن الصحابة نقلة الشريعة ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم
[ ٢٦٦ ]
يبق بأيدينا -والعياذ باللَّه- متمسك بشيء منها، وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين وأدى ذلك إلى الانحلال بالكلية كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، ولا محذور أصعب من هذا؛ ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذًا لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض:
فمنهم من زعم أن حكمهم -أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم.
ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة لكن في أول الأمر، فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم؛ لأن الفاسق منهم غير متعين.
وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل عليًّا -﵁- فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق.
ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته؛ لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيتعذر القبول.
ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولًا؛ لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما فلا يثبت بهما شيء؛ لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعًا من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإناءين إذا تيقن نجاسة أحدهما، وهذا مذهب واصل بن عطاء.
ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته -﵁-، وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان -﵁- فلا شك في فسقهم لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما نحن فيه بحمد اللَّه؛ لأنه ليس في قتلة عثمان -﵁- من ثبتت له الصحبة أصلا، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضًا؛ لأنه ولد قبل وفاة النبي -ﷺ- بثلاثة أشهر.
وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولًا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال: لسنا نعني به كل من رآه اتفاقًا أو زاره لمامًا، أو ألم به لغرض وانصرف عن
[ ٢٦٧ ]
قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون.
وهذا قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلًا كوائل بن جر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وأشباههم ممن وفد عليه -ﷺ- ولم يقم إلا أيامًا قلائل ثم انصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الاثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل، فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها يظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع ومجموعها يرجع إلى وجوه:
أحدها: ثناء اللَّه عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. . . الآية (١).
والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان: من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة -﵃-، قاله جماعة من المفسرين، قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه -ﷺ-.
ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي -ﷺ- من المنافقين في غزوة تبوك؛ فأتبع اللَّه تعالى ذلك بفضيلة الصحابة الذين غزوا معه -ﷺ- وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ الآية (٢) فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم فشملت الآية جميع الصحابة، وقد أخبر اللَّه ﷾ أنه رضي عنهم ورضوا عنه فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه لزمه
_________________
(١) التوبة: الآية ١٠٠.
(٢) التوبة: الآية ١٠١.
[ ٢٦٨ ]
بيان ذلك بدليل قاطع عن اللَّه تعالى ولا سبيل إلى ذلك.
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى آخر الآية وهي أيضًا شاملة لجميع الصحابة -﵃-؛ لأن كل من أقام معه -ﷺ- ساعة ثبت اتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملًا للكل -﵃-.
وقال تعالى في وصف المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢).
ثم مدح الأنصار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. . . (٣) الآية إلى آخرها.
ثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾. . . (٤) الآية، والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم كما في الآية المتقدمة بدليل قوله: ﴿جَاءُوا﴾ بلفظ الماضي فهو أولى من حمله على التابعين لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. . . (٥) الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة -﵃- ولكنها أعني هذه الآية مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقا واللَّه سبحانه أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن اللَّه تعالى كما تقدم قريبا.
واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
_________________
(١) الفتح: الآية ٢٩.
(٢) الحشر: الآية ٨.
(٣) الحشر: الآية ٩.
(٤) الحشر: الآية ١٠.
(٥) الفتح: الآية ١٨.
[ ٢٦٩ ]
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. . . (١) الآية، وثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الوسط العدل" (٢)، وبقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. . . (٣) الآية.
واعترض بعضهم على ذلك بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم؛ لما يلزم في ذلك من استعمال اللفظ في معنيين مختلفين وهو المجموع من حيث هو مجموع الأمة وعصر الصحابة دون غيرهم.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
أحدهما: التزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناءً على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعًا وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين.
وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملا لجميع الأمة فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لابد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم فبقي في الصحابة على مقتفى الآية، وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس فلا ريب في أن الصحابة -﵃- أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه فلا أعدل ممن ارتضاه اللَّه سبحانه لصحبة نبيه -ﷺ- ونصرته والسبق إليه ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.
الوَجْهُ الثانِي مِنَ الأَدِلَّةِ
ثناء النبي -ﷺ- عليهم وإخباره بما منحهم اللَّه تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وأن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل اللَّه.
ففي "الصحيحين" من طريق عبيدة السلماني عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال:
_________________
(١) البقرة: الآية ١٤٢.
(٢) رواه البخاري (٣٣٣٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) آل عمران: الآية ١١٠.
[ ٢٧٠ ]
قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (١).
ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول اللَّه -ﷺ- بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
متفق عليه أيضًا (٢).
ورواه الترمذي من حديث الأعمش، عن علي بن مدرك، عن هلال بن يساف، عن عمران -﵁- (٣).
وأخرج مسلم أيضًا من حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثًا. . . الحديث (٤).
وفي "مسند أحمد بن حنبل" من طريق عاصم بن أبي النجود، عن خيثمة والشعبي، عن النعمان بن بشير -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . " الحديث (٥).
وإسناده صحيح.
وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، ثنا صدقة بن خالد، ثنا عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه -﵁- قال: قلنا: يا رسول اللَّه أي أمتك خير؟
قال: "أَنَا وَأَقرَانِي".
قال: ثم ماذا؟
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢٦٥٢)، "صحيح مسلم" (٢٥٣٣).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٦٥١)، "صحيح مسلم" (٢٥٣٥).
(٣) "جامع الترمذي" (٢٢٢١).
(٤) "صحيح مسلم" (٢٥٣٤).
(٥) "مسند أحمد" (٤/ ٢٦٧).
[ ٢٧١ ]
قال: "ثُمَّ الْقَرْنُ الثَّانِي".
قال: ثم ماذا؟
قال: "ثُمَّ الْقَرْنُ الثالث" (١).
وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة، وابنه بلال من فضلاء التابعين، وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان (٢) ولم يتكلم فيه أحد، وصدقة بن خالد احتج به البخاري، وأبو مسهر مشهور من رجال "الصحيحين".
وقد رواه معلى بن منصور، عن صدقة بن خالد أيضًا ولفظه: قيل: يا رسول اللَّه أي التابعين خير؟
قال: أنا وأصحابي. . . وذكر بقيته.
وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام دون المعنى الاصطلاحي فإنه متأخر.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن جعدة بن هبيرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِين أَنَا فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ" (٣).
وجعدة بن هبيرة -﵁-: هو ابن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب -﵁- أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة (٤)، وقال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي -ﷺ- شيئًا، والأول أظهر.
_________________
(١) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٥٦٦٩)، والطبراني "المعجم الكبير" (٦/ ٤٤ رقم ٥٤٦٠) من طريق أبي مسهر. ورواه ابن بي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ٤٠٦ رقم ٢٤٥٦) وكذا الطبراني (٦/ ٤٤ رقم ٥٤٦٠) من طريق هشام بن عمار عن صدقة به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٧٤٣): رجاله ثقات.
(٢) "الثقات" (٧/ ٢٢٤ رقم ٩٧٨٣).
(٣) "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (٢/ ٦١٨ ترجمة ٦٥) حديث (١٦٧٣).
(٤) "الاستيعاب" (ص ٧١)، وانظر "أسد الغابة" (١/ ١٨٠)، و"الإصابة" (١/ ٤٨٣).
[ ٢٧٢ ]
وثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قام في مثل مقامي هذا فقال: "أَكْرِمُوا أَصْحَابِي؛ فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . " وذكر الحديث (١).
فهذا الحديث مستفيض عن النبي -ﷺ-، وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول جميع من رآه -ﷺ- في أنه متصف بهذه الخيرية.
وقد روى الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن العلاء بن زبر، عن عبد اللَّه بن عامر اليحصبي، أنه سمع واثلة بن الأسقع -﵁- يقول: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي" الحديث (٢).
وإسناده صحيح.
وقال -ﷺ-: "لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيْفَهُ".
متفق عليه (٣).
وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة، (عن أبيه) (٤)، عن جده -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا؛ فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ" (٥).
وقال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: إن اللَّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب
_________________
(١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٢) رواه الطبراني "المعجم الكبير" (٢٢/ ٨٥ رقم ٢٠٧) من طريق الوليد. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٧٤٥): رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح.
(٣) "صحيح البخاري" (٣٦٧٣)، "صحيح مسلم" (٢٥٤٠) من حديث أبي هريرة.
(٤) سقط من س. والمثبت من "د"، والطبراني.
(٥) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٥٥). وقال الهيثمي (٩/ ٧٣٨): وفيه من لم أعرفه.
[ ٢٧٣ ]
محمد -ﷺ- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه -ﷺ- يقاتلون عن دينه (١).
وروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: هم أصحاب محمد -ﷺ- (٢).
وروى سنيد المصيصي، ثنا حجاج، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها رسول اللَّه -ﷺ- على الناس وقال: "النَّاسُ خَيْرٌ وَأَنَا وَأَصْحَابِي خَيْرٌ" وصدق أبا سعيد عليه زيد بن ثابت ورافع بن خديج -﵄- (٣).
وفي "مسند البزار" بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي -ﷺ- أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. . . " الحديث.
والآثار في هذا المعنى كثيرة.
والخير هنا اسم جنس مضاف أو صيغة أفعل مضافة فتعم جميع أنواع الخير فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيرًا ممن بعده مطلقًا.
فإن قيل: هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق (آخر هذه) (٤) الأمة من الفضل كقوله ووم: "وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا".
قالوا: يا رسول اللَّه أولسنا إخوانك؟
قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ".
أخرجه مسلم وروى معناه من عدة طرق (٥).
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٧٩). وقال الهيثمي (١/ ٤٢٨٧): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٢) رواه الطبري (١٠/ ٤).
(٣) رواه الطيالسي (٦٠١) من طريق شعبة.
(٤) من "د".
(٥) "صحيح مسلم" (٢٤٩).
[ ٢٧٤ ]
وفي "معجم الطبراني" من حديث الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، حدثني صالح بن جبير، حدثني أبو جمعة -﵁- قال: تغدينا مع رسول اللَّه -ﷺ- ومعنا أبو عبيدة بن الجراح -﵁- فقلنا: يا رسول اللَّه أحد خير منا، أسلمنا معك وجاهدنا معك؟
قال: "نَعَمْ، قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" (١).
وصالح بن جبير وثقه ابن معين وغيره، وقد رواه عنه أيضا معاوية بن صالح ولفظه: قلنا: يا رسول اللَّه هل من قوم أعظم منا أجرًا. . . وذكر بقيته كما تقدم.
وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ، لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا".
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟
قَالَ: "لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ".
رواه أبو داود والترمذي، وإسناده حسن (٢).
وروى الترمذي أيضًا من حديث حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ" (٣).
وحماد بن يحيى وثقه ابن معين.
قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول على كل فرد فرد ممن بعدهم، ورأوا أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة -﵃-، وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين هذه الاْحاديث، واستثنى ابن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة.
والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي -ﷺ- والفوز برؤيته لا
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٤/ ٢٢ رقم ٣٥٧٣).
(٢) "سنن أبي داود" (٤٣٤١)، "جامع الترمذي" (٣٠٥٨) وقال: حسن غريب.
(٣) "جامع الترمذي" (٢٨٦٩) وقال: حسن غريب.
[ ٢٧٥ ]
يعدل بعمل، وأن من منحه اللَّه تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه:
أحدها: مشاهدة النبي -ﷺ-
وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.
وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته -ﷺ-.
ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له.
وخامسها: ضبطهم الشريعة وحفظهم عن رسول اللَّه -ﷺ-.
وسادسها: تبليغهم إياها إلى من بعدهم.
وَسَابِعُهَا: السبق بالنفقة في أول الإسلام.
وَثَامِنُهَا: أن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل؛ لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم.
وقد قال -ﷺ-: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
وقال -ﷺ-: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (٢).
فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره.
وأما الأحاديث التي ذكرت:
فحديث: "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضًا للصحابة -﵃- بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣)، وأيضًا فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة لما يوجد غالبًا بين
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٧) ضمن حديث من رواية جرير رضي اله عنه.
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة.
(٣) الحجرات: الآية ١٠.
[ ٢٧٦ ]
الإخوة من العداوة بخلاف الصحبة.
وأما قوله -ﷺ-: "للعامل منهم أجر خمسين رجلًا منكم" فلا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول.
وأما الذي فاز به الصحابة -﵃- من صحبة النبي -ﷺ- والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعًا فلا يقع التفاضل فيه فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم فهذا أسد ما يجاب عن هذا الحديث به.
وحديث أبي جمعة لم تتفق الروايات فيه على لفظ: "هل أحد خير منا" بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له: "هل من قومٍ أعظم منا أجرًا" ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن فروايته أرجح، ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفا بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين دون ما اختص به الصدر الأول من الصحبة.
وأما حديث: "أمتي كالمطر" فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه ابن معين فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي (١).
وذكره البخاري في باب الضعفاء وقال: يهم في الشيء بعد الشيء (٢).
وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثًا معضلًا.
وقال ابن عدي (٣): بعض حديثه لا يتابع عليه، وذكر من جملة حديثه حديث
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٥١).
(٢) "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٤).
(٣) "الكامل" (٢/ ٢٤٧ رقم ٤٢١).
[ ٢٧٧ ]
أنس هذا، وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيي به دون أصحاب ثاتب البناني ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.
ثم على تقدير صحته فهو مأول على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي؛ كانوا في ذلك غرباء فزكت أعمالهم في ذاك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى ابن مريم ﵇ ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينتشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام وهي من أواخر أزمان هذه الأمة فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول ولا مساواتهم بالنسبة إلى ما ذكرناه كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها وباللَّه التوفيق.
الْوَجْهُ الثَّالِث: الإجماع على ذلك ممن يعتدُّ به على أحد وجهين:
إما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف؛ فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة -﵃- حيث الجملة أحد من أهل السنة؛ وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.
وإما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع انعقاد الإجماع إن ثبت أن أحدًا من (غير) (١) أهل البدع خالف في ذلك والطريق الأولى أقوى ولا فرق بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.
قال ابن الصلاح: أجمع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضًا إحسانًا للظن بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن اللَّه تعالى أتاح الإجماع على
_________________
(١) من "د".
[ ٢٧٨ ]
ذلك لكونهم نقلة الشريعة (١).
فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، واللَّه أعلم.
الْوَجْهُ الرَّابِع:
إنما يكتفى في التعديل بإخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر ومع عدم عصمته عن الكذب فكيف لا يكتفى بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآنًا يتلى مستمرًا ما بقيت الدنيا وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مستمرًّا لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه -ﷺ- على ما يقع بينهم وأخبر بذلك:
إما على وجه الأجماك كقوله -ﷺ-: "أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ بَيْنَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ" (٢) ونحو ذلك.
أو تفصيلًا في بعض القضايا كمن أسر إليه ذلك كحذيفة -﵁-، ولم يكن ذلك مانعًا له -ﷺ- من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك مما تقدم، هذا مع عصمته -ﷺ- عن وقوع الكذب في إخباره وبراءته عن المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده -ﷺ- لم يحط من رتبتهم شيئًا البتة.
فأما قوله -ﷺ- في حديث الحوض: "لَيُخْتَلَجُنَّ رِجَالٌ مِنْ دُونِي أَعْرِفْهُمْ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فأَقُولُ سُحقًا"، وفي رواية: "فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية (٣)؛ فإنه محمول على من ارتد بعده -ﷺ- ثم مات على ذلك بدليل قوله: "فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ"وكذلك في الرواية الأخرى: "إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذْ فَارَقْتَهُمْ" الحديث وإلا فالنبي -ﷺ- قد شهد للعشرة
_________________
(١) "مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٧١).
(٢) رواه البخاري (١٨٧٨)، ومسلم (٢٨٨٥) من حديث أسامة.
(٣) رواه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠) من حديث ابن عباس.
[ ٢٧٩ ]
-﵃- بأنهم من أهل الجنة وقال: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ النَّارَ" (١)، ولما قال له [عبد] (٢) حاطب وقد شكاه: ليدخلن حاطب النار، قال له النبي -ﷺ-: "كَذَبْتَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٣).
وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير -﵃- وأن كثيرًا من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي -ﷺ- لهم بأنهم لا يدخلون النار وشهادته للعشرة بأنهم في الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي -﵄- من القتال، فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة.
الْوَجْهُ الْخَامِس:
أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل ولا البحث عن حاله بالاتفاق وهو عمل مستمر لا نزاع فيه؛ فالصحابة -﵃- أولى بذلك لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الأباء والأولاد والأقرباء والأهل ومفارقة الأوطان والأموال كل ذلك في موالاة النبي -ﷺ- ونصرته للَّه خالصًا، ثم ما كانوا عليه دائمًا من اشتدادهم في أمور الدين بحيث لا يأخذهم فيه لومة لائم ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد وتدويخ الأمصار، فياللَّه العجب كيف يداني أحدًا من هؤلاء من بعدهم فضلًا عن مساواتهم حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلي الكشف عن حاله وتزكيته، أو يكون ما صدر عنه عن اجتهاد أو تأويل قادحًا في عدالته وحاطًّا له عن علو مرتبته العلية أن هذا القول الأعمى في البصيرة وتوصلًا إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبه فيه ولذلك رد اللَّه تعالى كلام من
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠) من حديث جابر، وقال الترمذي حسن صحيح.
(٢) ليست في الأصل. والمثبت من "جامع الترمذي".
(٣) رواه الترمذي (٣٨٦٤) من حديث جابر، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٢٨٠ ]
تكلم فيهم على القادحين فكان ذلك سببًا لحط مرتبتهم ومقتضيًا لجرحهم وفسقهم، وللَّه الحمد والمنة.
فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضيى للقطع بعدالة الصحابة -﵃- والأخير مختص بمن أكثر صحبته -ﷺ- وأقام معه مدة وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني؛ فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة جيث يعد من الصحابة، بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم تثبت له صحبة ولا رؤية، ولكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لابد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم فتبقى فيمن تثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه، وباللَّه التوفيق.
وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى:
ما لايصح عنهم أصلًا.
وإلى ما قد صح وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة:
كقول عائشة في زيد بن أرقم -﵄-: أبلغوا زيدًا أنه قد أحبط جهاده مع رسول اللَّه -ﷺ- إلا أن يتوب.
وقول عبادة بن الصامت -﵁- وقد قيل له: إن أبا محمد يزعم أن الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد. . . الحديث، وأبو محمد هذا من الصحابة -﵃-.
ونحو ذلك.
فالأمر فيه بين والخطب هين؛ لسهولة تأويلها وأنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة.
وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم فقطعوا على كل من قاتل عليًا -﵁- من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة وطلحة والزبير -﵃- قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه، ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي -ﷺ- من تحريم الدماء وذكر ما يترتب على سفكها.
ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية يرجع إلى وجهين:
[ ٢٨١ ]
أحدهما: إن ذلك كان من كل منهم بناء على الاجتهاد منه ني ذلك والتأويل المسوغ له للإقدام عليه ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحًا في عدالتهم؛ لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب؛ فلا يتوجه تخطيئه إلى أحد من الفريقين، وإن قلنا: المصيب واحد والثاني مخطئ فالمخطئ في اجتهاده معذور غير آثم؛ فلا يخرجه خطؤه عن العدالة، وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد فالمخطئ كان متأولًا فيما فعله وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة كيف وإن عدالته ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية فيستصحب ولا يزال بالشك والوهم لاسيما مع ما تقدم من ثناء اللَّه تعالى عليهم ورسوله -ﷺ- مع العلم بما يصدر منهم.
ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه: قعود جماعة من الصحابة -﵃- عن الكون مع أحد الفريقين كسعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم؛ لأنه خفي عليهم الأمر، وروي أن عليًا -﵁- دعا سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له: أعطني سيفًا يعرف الحق من الباطل أو قال: المحق من المبطل.
وكان علي -﵁- مع أن الحق معه يغبط سعدًا -﵁- بذلك فكان يقول: للَّه در منزل نزله سعد بن مالك إن كان ذنبًا فذنب صغير وإن كان أجرًا فأجر عظيم.
وقال علي -﵁- أيضًا غير ما مرة: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١).
والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ.
الوجه الثاني: إن كل ما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم؛ فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته ولا يجدون فارقًا قاطعًا بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل
_________________
(١) الحجر: الآية ٤٧.
[ ٢٨٢ ]
وإحسان الظن بهم وانسداد ذلك في حق الجميع، وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لابد منهما:
إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع وهو المطلوب.
وإما إسقاط عدالة الجميع وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي؛ فإن الأمة كلها ممن يعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة معاذ اللَّه من ذلك.
وأما من تقدمت الحكاية عنه بأن كل من لابس الفتن فهو ساقط العدالة فهو قول باطل ممن لا يعتد به ونظيره إكفار الخوارج كل الفئتين فلا يرجع هذا القول إلا على قائله ونسأل اللَّه السلامة من الأهواء المضلة.
فإن قيل: وإن أنتم تأولتم فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم.
قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر، فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم واستصحبنا ذلك في كل فرد منهم كان هذا الشك مندفعًا كيف ونحن إنما نتأول تأويلًا في كل قصة هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء اللَّه تعالى قريبًا وهذا أمر معمول به أعني استصحاب العدالة وأنها لا ترتفع بالشك في حق من تثبت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم تفد إلا الظن المجرد بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- بطريق الأولى وبهذا يتبين أنه ليس المعني بعدالة كل واحد من الصحابة -﵃- أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة ولكن المعني بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك.
هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي.
وأما التفصيلي فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة -﵃- ويكون ذلك مثالًا لغيره:
وهو أن المصيبة بعثمان -﵁- كانت عظيمة ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من
[ ٢٨٣ ]
الصحابة -﵃- أنه يقتل ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة، فلما وقع قتله بغتة كان منكرًا مهولًا ولم يكن في قتلته بحمد اللَّه أحد ممن تثبت الصحبة له كما تقدم فأعجل الأمر الصحابة -﵃- عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ ورأوا المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولى ولم يكن بدٌّ من مبايعة علي -﵁- لأنه حينئذ كان أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك، فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظامًا تامًا يتمكن به علي -﵁- من الإقادة بدم عثمان -﵁- من قاتليه وقد انضموا إليه فلو أقاد من أحدهم لنفرت بذلك قبائلهم كلها وكثرت الفتن وزاد الهرج، فرأى علي -﵁- أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة، ورأى طلحة والزبير ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان -﵁- والسكوت عنه إلى أن قتل وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم ولم يكن عندهم ما رآه علي -﵁- من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعًا من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان، فوقع ما قدره اللَّه تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضى اللَّه أمرًا كان مفعولًا قدر وقوعه في الأزل وإن كان اجتهاد علي -﵁- أقرب إلى الحق وأن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة لم يكن مقصده باطنًا الاجتهاد الذي هو ماخذ طلحة والزبير بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة -﵁-.
فالمقصود أن الصحابة -﵃- إنما قاموا مجتهدين فيما فعلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده لا فرق فيه بين الدماء وغيرها وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة -﵃-.
وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور اللَّه قلبه ولم يمل به الهوى إلى الانحراف، وباللَّه التوفيق.
وأما معاوية -﵁- وإن كانت فئته باغية على علي -﵁- بنص النبي -ﷺ- إذ قال:
[ ٢٨٤ ]
"تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" (١)؛ فقد علم النبي -ﷺ- بما أطلعه اللَّه عليه أن معاوية سيملك وقال له: "إِنْ مَلَكْتَ فَاعْدِلْ" (٢)، وعلم أيضًا ببغيه في قتال علي -﵁- ومع ذلك دعا له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم السمعي، عن العرباض بن سارية -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ" (٣).
وقد ثبت عن ابن عباس -﵄- أنه صدق معاوية في الوتر بركعة واحدة وقال: أصاب إنه فقيه (٤).
وروي عنه أنه قصر عن النبي -ﷺ- بمشقص (٥).
وكذلك روى أيضًا عن معاوية: جرير بن عبد اللَّه البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب ابن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة -﵃-، وكل ذلك بعد ما وقع منه من قتال علي -﵁-.
واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص وكل من قام معهما في الفتنة فكان ذلك إجماعًا سابقًا على قول من قدح فيهم، حتى إن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثًا وقال محمد بن سيرين: كان معاوية -﵁- لا يتهم في الحديث عن النبي -ﷺ-.
قال الإمام أبو بكر البيهقي: كل من روى عن النبي -ﷺ- ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٧)، ومسلم (٢٩١٦).
(٢) رواه أحمد (٤/ ١٠١).
(٣) رواه أحمد (٤/ ١٢٧) من طريق يونس بن سيف. قال الهيثمي (٩/ ٥٩٤): وفيه الحارث بن زياد ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
(٤) رواه البخاري (٣٧٦٥).
(٥) رواه البخاري (١٧٣٠)، ومسلم (١٢٤٦).
[ ٢٨٥ ]
ومما يتصل بذلك أيضًا الكلام في سمرة بن جندب -﵁- فقد تعرض إليه بعضهم لما روي أن النبي -ﷺ- قال له ولأبي هريرة وآخر كان معهما في بيت: "آخركم موتًا في النار" وكان آخرهم موتًا سمرة؛ ولأنه ولي البصرة لزياد بن أمية ثم لمعاوية أيضًا وكان يكثر القتل.
وقد روى شعبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة -﵁- أنه قال: حفظت عن رسول اللَّه -ﷺ- سكتتين في الصلاة. . . الحديث، وأن عمران بن حصين أنكر ذلك فكتبوا في ذلك إلي أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة ويقول: إن سمرة حفظ الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ- (١).
وروى عاصم بن سليمان، عن محمد بن سيرين؛ أن ابن عباس -﵄- أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه فأرسل إلي سمرة بن حندب فقال: أما علمت أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر بها؟
قال: بلى.
قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة.
فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى لما سأله واستشهد به.
وقال عبد اللَّه بن صبيح، عن محمد بن سيرين قال: كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله.
وأما حديث: "آخِرُكُمْ مَوْتًا فِي النَّارِ" فقد وقع مصداقه بأن سمرة -﵁- أصابه في آخر عمره كزاز فكان يعالج منه بأن يغلى له قدر مملوء ماءً حارًّا يقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حرارة فمات؛ فلم يكن مراده -ﷺ- إلا نار الدنيا.
وأما قتله الناس فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذين أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس ولم يكن يقتل أحدًا منهم إذا ظفر به -﵁-.
وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة ومن جلده عمر
_________________
(١) رواه أبو داود (٧٧٧، ٧٧٩)، وابن ماجه (٨٤٥).
[ ٢٨٦ ]
-﵁- معه في قذف المغيرة بن شعبة، وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم؛ لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوا مخرج القذف، وجلدهم عمر -﵁- باجتهاده؛ فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة -﵃-.