جميع ما تقدم من التفصيل في لفظ الحرام هو فيما إذا لم يشتهر بين أهل القطر الذي قاله اللافظ به في الطلاق؛ فأما إذا اشتهر فيه واستمر العرف بينهم بذلك فهل يلتحق بصرائح الطلاق الثلاثة أو يبقى على حاله كما لم يشتهر فيستمر فيه التفصيل المتقدم؟
فيه اختلاف الأصحاب، مأخذه أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فقط أو من ذلك مع ورود اللفظ في القرآن العظيم، فعلى الثاني لا يكون اللفظ صريحًا في الطلاق وإن اشتهر لعدم وروده في القرآن أو السنة بمعنى الطلاق وهو الذي رجحه أكثر المتقدمين وصاحب "التتمة" وقطع به العراقيون كما ذكره النووي واختاره أيضًا.
وعلى المأخذ الأول يكون لفظ الحرام صريحًا في الطلاق على الوجه المذكور،
[ ٢١٤ ]
ولا تنحصر الصرائح في الألفاظ الثلاثة، بل كل لفظ شاع استعماله في قوم أو قطر لإرادة الفراق يقع به الطلاق ولا يحتاج إلى نية.
قال الرافعي: وهذا هو الأظهر، والمذكور في "التهذيب" وعليه تنطبق فتاوى القفال والقاضي حسين والمتأخرين.
قُلْتُ: وبه أفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيره أيضًا من (ص ٤٩) المتأخرين وهو اختيار إمام الحرمين أيضًا، واحتج له بأن الفقهاء قاطبة اتفقوا على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ وما يفهم منها في العرف المطرد والعبارات عن العقود تقصد لمعانيها وألفاظ الطلاق عبارة عن مقاصدها فكانت بمثابتها.
وفيه وجه ثالث حكاه القاضي حسين عن القفال أنه إن نوى شيئًا آخر من طعام أو غيره فلا طلاق، وإذا ادعاه صدق وإن لم ينو شيئًا آخر، فإن كان فقيهًا يعلم أن الكناية لا تعمل إلا بالنية لم يقع طلاقه، وإن كان عاميًّا سألناه عما يفهم منه إذا سمعه من غيره فإن قال: يسبق إلى فهمي منه الطلاق؛ حملناه على ما يفهم من غيره.
قَالَ: وهذه درجة متوسطة بين الصريح والكناية، نقله هكذا الإمام في "النهاية" ثم قال: أما قوله: "إن نوى غيره قبل" فحسن؛ لأنه يظهر استعمال هذا اللفظ في أغراض غير الطلاق، وأما قوله: "إن لم ينو" يدل على فهمه فيكاد أن يكون تحكمًا؛ إذ لا عهد بمثل ذلك في الصرائح والكنايات.
قُلْتُ: والذي حكاه أبو سعد المتولي في "التتمة" عن القفال أنه قال: إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا حكمنا بوقوع الطلاق للعرف، ألا ترى أن في العادات لا يحلف بهذا اللفظ من لا زوجة له، وهذا أقرب مما نقله الإمام عن القاضي.
وقد اختلف جواب القاضي حسين في "فتاويه" فيما إذا قال: "حلال اللَّه علي حرام" وله زوجتان فأكثر، فقال في موضعين منها: إنه يقع على كل واحدة طلقة، وقال في موضع آخر: يطلق واحدة منهن؛ لأنه اليقين ويؤمر بالتعيين.
فإذا عرف ذلك فيتصدى العلم في لفظ الحرام إذا أطلق في بلد شاع فيه استعماله في الطلاق، وقد تقدم أن الأظهر كونه صريحًا في إيجاب الكفارة بمقتضى الدليل
[ ٢١٥ ]
الشرعي كما سبق تقريره فأي الصريحين نقدم؟
حكى الرافعي وغيره عن صاحب "التهذيب" أنه يتعين هنا للطلاق وكان مأخذه أن شيوع ذلك في الطلاق يتنزل منزلة ما إذا نواه حالة اللفظ وأيضًا ففيه احتياط للأبضاع والطلاق أقوى من التحريم، ويمكن معارضة هذا بأن الأصل عدم الفرقة وبقاء النكاح فيرجح إعمال لزوم الكفارة، وذكر الإمام فيه كلامًا طويلًا ملخصه أن شيوع استعماله في الطلاق لا يمنع صرفه بالنية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنا وإن جعلناه صريحًا في الكفارة عند الإطلاق يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق.
قُلْتُ: والسبب في ذلك ما تقدم أن جعله صريحًا في واحد منهما ليس على وجه القطع بل بالاجتهاد فيجوز أن يصرف عن ذلك إلى غيره بالنية، ثم قال الإمام: وأما إذا أطلق وفرعنا على أنه صريح في الكفارة فيبنى على أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فحسب أو منه ومن ورود القرآن والشريعة به؛ فإن حكمنا بأن مأخذ الصراحة (٥١) الشيوع فقط فلا يتصور كون لفظ التحريم صريحًا في التأبين، فإن مبنى الشيوع أن لا يستعمل في اطراد العادة إلا في المطلوب وحينئذ فلا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في المعنيين مع اتحاد الزمان والمكان؛ فإن ضاع أحد المعنيين كان صريحًا فيه كناية في الشيء ولزم الحمل على الغالب الشائع، وإن جوزنا أن يكون للصرائح مأخذان:
أَحَدُهُمَا: ورود الشرع.
وَالثَّانِي: الشيوع على النعت المتقدم.
فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق فلا يتجه إلا أحد شيئين:
إما تغليب وقوع الطلاق، فإنه يحرم النفس والتحريم الموجب للكفارة لا يحرمها، وإما خروج اللفظ عن كونه صريحًا في التأبين جميعًا؛ لتعارض العرف والشرع واستحالة الجمع وامتناع تخصيص أحد الجانبين فلا يعمل اللفظ إذا في أحد المعنيين إلا بقصد، واللَّه سبحانه أعلم.