لما خاب أمل أبي سفيان، انقلب إلى مكة خائب الرجاء، وأمر الرسول - ﷺ - المسلمين بالاستعداد والتهيؤ للمسير، ودخل - ﷺ - على عائشة، وقال: جهِّزينا، وأخفي أمرك (١)، ودخل أبو بكر على ابنته وهي تجهز الرسول ﵊، تعمل دقيقًا وسويقًا.
وسألها الأب الصَدِّيق عن عزم الرسول ﵊؟ فقالت: ما أدري، واستعجمت عليه حتى دخل رسول الله ﵊ فقال له: يا رسول الله: أردت سفرًا؟ قال: نعم، قال: أفأتجهز؟
_________________
(١) روى البخاري، ومسلم عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - غزا غزوة الفتح في رمضان». قال الزهري: وسمعت سعيد بن المسيب يقول: مثل ذلك. وفي رواية له ولمسلم: «أن النبي - ﷺ - خرج [في رمضان] من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد - وهو ما بين عُسفان وقُديد - أفطر وأفطروا «إلا أن لفظ البخاري أتم وأطول». [أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، برقم ٤٢٧٥، وفي كتاب الصوم، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، برقم ١٩٤٤، وفي كتاب الجهاد، باب الخروج في رمضان، برقم ٢٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في نهار رمضان، برقم ١١١٣، وانظر الأحاديث برواياتها في صوم النبي - ﷺ - في غزوة الفتح: صحيح البخاري برقم ١٩٤٤، و١٩٤٨، و٢٩٥٣، ٤٢٧٥، و٤٢٧٦، و٤٢٧٧، و٤٢٧٨، و٤٢٧٩].
[ ٢٢١ ]
قال: نعم.
قال أبو بكر: فأين تريد يا رسول الله؟
قال: قريشًا، وأخفِ ذلك يا أبا بكر.
وأمر رسول الله - ﷺ - الناس بالجهاز، وأخفى عنهم الوجه الذي يريده.
واستمع المسلمون لأمر القيادة العليا، فمضوا يعبئون قواهم ويستعدون للسير مع الرسول - ﷺ - (١)، ولما كان الرسول ﵊ قد كتم النبأ، فقد ظن بعض أصحابه أنه كان يُخطّط لغزو الروم، ومنهم من اعتقد أنه يُخطط لهوازن وثقيف وهكذا.
وفي تكتمه ذلك أرسل ﵊ لسكان البادية ومن دخل في الإسلام من حوله بالقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، وقد لاقت دعوته قبولًا واستجابة.
وقد عقد الرسول ﵊ مجلسًا مع خاصة أصحابه،
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة، ٤/ ٥٦ - ٥٧: وأمر رسول الله - ﷺ - بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة ﵂ وهي تحرك بعض جهاز رسول الله - ﷺ -، فقال: أي بنيّة أأمركم رسول الله - ﷺ - أن تجهّزوه؟ قالت: نعم، فتجهّز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا، والله ما أدري. ثم إن رسول الله - ﷺ - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» فتجهز الناس. انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣٩٨، والفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، ص١٧٥، وحديث: «اللهم خذ العيون» صححه محقق سيرة ابن هشام، وانظر أيضًا: أحمد السايح، معارك حاسمة في حياة المسلمين ص٨٩.
[ ٢٢٢ ]
فأشار عليه أبو بكر بما كان يرغب فيه من التأني، في حين كان عمر بن الخطاب يرى ضرورة المضي بقرار فتح مكة؛ لأنه لا وسيلة لضم القبائل الوثنية إلا بضم قريش للمعسكر الإسلامي.
وقد التزم بالكتمان عن الجند، رغم التشاور مع خاصة أصحابه، علمًا بأنه جمع عشرة آلاف مقاتل وأكثر، وهم لا يعلمون مكان اتجاههم إلا عندما وصلوا إلى (مرّ الظهران) (١) حيث علموا فقط بأن وجهتهم مكة؛ لإنهاء الوجود الوثني إلى الأبد.
كما أنهم أمِروا بالتكتم، وزيادة على ذلك فقد تمّ التخطيط للتعمية على العدو، وقد أرسل - ﷺ - سرايا إلى نجد وغيرها للتعمية على قريش.
ويُروى أنه بالحراسة المكثفة على الطرق المؤدية إلى مكة فقد تم النجاح في خطة الكتمان إلى أقصى حد (٢).