أحست قريش بخطأٍ فادح وقعت فيه، غير واعية للأحداث التي
[ ٢١٨ ]
غيّرت مجرى الأحوال، وذلك بعدد أن أرسل الرسول - ﷺ - إليها بقبول أحد الشروط الآتية:
أ - إما أن تدفع ديات من قتل من خزاعة.
ب - إما أن تحلّ نفسها من عهد بني بكر.
ج - إما أن تعلن أن صلح الحديبية أمسى لاغيًا.
فردّت قريش بقبول الشرط الأخير.
وقد أسرع أبو سفيان للمدينة، يحاول أن يصلح ما وقع فيه
القرشيون من النقض الصارخ للصلح (١)، بيد أن رسول الله - ﷺ - لم يغفل
_________________
(١) قال الإمام ابن القيم ﵀: «وقد بعثته قريش [يعني أبا سفيان] إلى رسول الله - ﷺ -؛ ليشدّ العقد، ويزيد في المدّة، وقد رهبوا الذي صنعوا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - ﷺ -، طوته عنه، فقال: يا بُنيّة، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ فقالت: بل هو فِراش رسول الله - ﷺ - وأنت مشركٌ نجسٌ، فقال: والله لقد أصابك بعدي شرّ [لا والله بل أصابها الخير]. ثم خرج حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فكلّمه، فلم يردّ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلّم له رسول الله - ﷺ -، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله - ﷺ -؟ فوالله لو لم أجد إلا الذِّرَّ لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على عليٍّ بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسنٌ غلام يدبّ بين يديهما، فقال: يا عليّ، إنك أمسُّ القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعنَّ كما جئت خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله - ﷺ - على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: «هل لك أن تأمري ابنك هذا، فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله - ﷺ -، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدّت عليَّ، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا، قال: لا والله ما أظنه، ولكني ما أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس! أني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق، فلمّا قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلَّمته، فوالله ما ردَّ عليّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قُحافة، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم، قد أشار عَليَّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري، هل يغني عني شيئًا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بن الناس، ففعلت، فقالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. قال: لا والله، ما وجدت غير ذلك» [زاد المعاد، ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨].
[ ٢١٩ ]
المكيدة، فلم يقبل المساومة (١).
_________________
(١) قال ابن كثير في الفصول، ص١٧٤ - ١٧٥: وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله - ﷺ -، ورَضْيَ اللَّهُ عنْهَا، فذهب ليقعد على فراش رسول الله - ﷺ -، فمنعته، وقالت: إنك رجل مشرك نجس. فقال: والله يا بنيّة لقد أصابك بعدي شرٌّ. ثم جاء رسول الله - ﷺ - فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه - ﷺ - بكلمة واحدة، ثم ذهب إلى أبي بكر - ﵁ -، فطلب منه أن يكلم رسول الله - ﷺ -، فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر - ﵁ -، فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟! والله لو لم أجد إلا الذّرّ لقاتلتكم به، وجاء عليًا - ﵁ -، فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ورَضْيَ اللَّهُ عنْهَا أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجير أحد على رسول الله - ﷺ -، فأشار عليه علي - ﵁ - أن يقوم هو فيجير بين الناس، ففعل، ورجع إلى مكة، فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد – يعنون عليًا – أن لعب بك. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام، ٤/ ٥٥ - ٥٦، وزاد المعاد لابن القيم، ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وانظر أيضًا: أحمد السايح، معارك حاسمة في حياة المسلمين، ص٨٨، و٨٩.
[ ٢٢٠ ]