* كان الابن عبد الرحمن - ﵀ - لا يقهقه إذا ضحك، وإنما يبتسم ابتسامًا بدون قهقهة مدة حياته - ﵀ -.
* كان ﵀ بارًّا بوالديه لا يعصي لهما أمرًا، وكان يخفض جناحه لأمه كثيرًا، ويكرمها أكرمه الله بالفردوس الأعلى من الجنة في أعلى منازل الشهداء، وكان إذا نادته أمه أو ناداه أبوه أجاب بقوله: «لبيك»، وإذا ذهب إلى المدرسة أو الكلية طلب من أمه الدعاء، فإذا دعت له قال أحيانًا: هل هذا الدعاء من قلبك؟ ثم يُقبّل رأسها أحيانًا إذا ذهب، وإذا رجع من الدراسة، وإذا كنت في مكتبتي الخاصة دخل عليّ وسلّم ثم مدّ يده للمصافحة، وربما قبل رأسي أحيانًا.
* كان الابن عبد الرحمن سليم الصدر، فلا يحمل الحسد، ولا البغضاء لأحد من الناس، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنه كان يرسل لزميله في الصف الثالث الثانوي محمد حسان بشور بعض الفوائد، ويرسل له محمد عن طريق الناسوخ بعض الفوائد كذلك، ومحمد حسان هذا هو الذي ينافسه على الترتيب الأول في الصف الثالث ثانوي، فشكرتهما على ذلك الخلق الكريم.
* كان ﵀ يبغض الغيبة، ولا ينقل النميمة، وقد قال في مقابلة أجرتها معه ثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم حينما وُجِّه له أسئلة منها: «كلمة عتاب توجهها لصديق؟»، فقال: «أولئك
[ ٢٩ ]
الأصدقاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، أنصحهم أن يبتعدوا عن ذلك».
* وكان ﵀ يهتمّ بأمور المسلمين ويرحمهم، وكان يؤلمه ما يحصل للإخوة في فلسطين، والشيشان، وغيرهما من بلدان المسلمين، وقد كان يستمع الأخبار في المذياع من إذاعة القرآن الكريم، وقد قال في المقابلة التي أجرتها معه ثانوية أبي عمرو لتحفيظ القرآن الكريم حينما وُجِّه له أسئلة منها: «موقف معبِّر أثَّر في حياتك؟»، فقال: «الحملة الروسية اللعينة على جمهورية الشيشان!».
* كان الابن عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - في المجالس الخاصة والعامّة التي يحضرها لا يتكلّم إلا بخير أو يصمت، ولا يثرثر، بل يلزم السكوت، وإذا أعجبه شيء تبسَّم، وإذا سُئل عن شيء أجاب بهدوءٍ وأدب.
* كان إذا سار في طريقه إلى المسجد لا ينظر يمنة ولا يسرة، فلا ينظر في المارِّين ولا في السيارات العابرة، وإنما كان ينظر أمامهُ، ويمضي في سيره، وقد أخبرني الشيخ سالم بن عامر الشهري مؤذِّن مسجد عمر بن عبد العزيز بإسكان أفراد القوات المسلحة، أنه كان يمرُّ على سيارته في الطريق العام، ويرى عبد الرحمن - ﵀ - يسير إلى الجامع فيحبّ أن يسلّم على عبد الرحمن - ﵀ - مع الإشارة باليد، ولكن يقول: إن عبد الرحمن - ﵀ - سائر في طريقه لا ينظر يمنةً ولا يسرةً، لا إلى سيارات ولا إلى غيرها، وهكذا أخبرني الشيخ سالم بن علي الخشرمي
[ ٣٠ ]
الشهري إمام مسجد خالد بن الوليد بإسكان أفراد القوات المسلحة، يقول: «إذا مررت مع الشارع العام على سيارتي ورأيت عبد الرحمن في طريقه إلى الجامع، فأريد السلام عليه مع الإشارة؛ لأنه لا يسمعني، ولكنه لا ينظر إليّ، ولا إلى أحد من المارّين، وإنما يمشي وينظر أمامه!».
* وكذلك إذا كان داخل المسجد لا ينظر يمنة ولا يسرة، ولا يكثر الالتفات، بل يؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، ثم يقرأ القرآن يراجعه.
* كان عبد الرحمن - ﵀ - يصلي الرواتب كاملة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، ويصلي أربعًا قبل العصر نافلة، ويصلي ركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وكان يحافظ على صلاة الوتر، وركعتين قبل الفجر، وكنت أشاهده يخشع في صلاته ولله الحمد، وقد أخبرني الشيخ حسن بن شريف المشيخي أنه شاهد عبد الرحمن - ﵀ - يبكي في دعاء القنوت في رمضان خلف الشيخ خلوفة بن محمد الشهري القاضي بمحكمة الطائف الآن، وقد كان الشيخ خلوفة يُؤذِّن في جامع الفاروق، ويُصلِّي بالناس التراويح في غيابي، وكان عُمْرُ عبد الرحمن اثني عشر عامًا آنذاك تقريبًا، فقد كان صغير السن، ومع ذلك يحصل له هذا الخشوع رحمه الله تعالى.
* وكان ﵀ يصوم مع رمضان ستًّا من شوال، ويصوم يوم عاشوراء مع يوم قبله ويوم بعده أو يصوم يومًا قبله، ويصوم تسعة أيام من العشر الأول من ذي الحجة.
[ ٣١ ]
* كان الابن عبد الرحمن - ﵀ - يراجع القرآن كثيرًا ولله الحمد، وقد أخبرني أنه يراجع كل يوم جزأين بين الأذان والإقامة للصلوات الخمس؛ لأنه كان يُؤذِّن في جامع الفاروق كما تقدم، أما قبل ذلك فكان يراجع على المدرسين تسميعًا، ويُسمِّع القرآن كاملًا في إجازة الصيف مرات عديدة، وشارك في مسابقات كثيرة، وفاز فيها، جعل الله ذلك كله في موازين حسناته.
* كان - ﵀ - يحافظ على أذكار الصباح بعد صلاة الفجر، وأذكار المساء بعد صلاة المغرب، وخاصة: سيد الاستغفار، وآية الكرسي، والمعوذات الثلاث، ثلاث مرات، و«بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات، وغير ذلك، كما يحافظ على أذكار أدبار الصلوات ولله الحمد والمنّة.
* كان ﵀ يحب الاطلاع والقراءة والاستماع لسيرة النبي - ﷺ -، وكذلك قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد اشترى قصص الأنبياء من القرآن الكريم للشيخ حسن أيوب، وهو لا يزال في الصف السادس ابتدائي، وعمره تقريبًا اثنا عشر عامًا، وقد كرّر استماع هذه الأشرطة أكثر من مرة، وكانت تشتمل على قصة عشرين نبيًّا في عشرين شريطًا، وقد طلب مني أن اشتري له كتاب الشجرة النبوية في سيرة خير البرية - ﷺ -، لابن عبد الهادي المقدسي (ابن المبرّد)، ٨٤٠ - ٩٠٩هـ، فلم يدخل هذا الكتاب مكتبتي لولا الله ثم الابن عبد الرحمن رحمه الله تعالى، وقد اشترى قبل موته بشهر أو شهرين كتاب: استجلاب ارتقاء الغرف بحبِّ
[ ٣٢ ]
أقرباء الرسول - ﷺ - وذوي الشرف، للحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي [٨٣١ - ٩٠٢هـ] بتحقيق ودراسة خالد بن أحمد الصمِّي بابطين.
* وقد أخبرني الأخ هانئ بن نايف الربيعي أنه استمع لعبد الرحمن ﵀ وهو يشرح لطلاب حلقته التي يُدرِّسُ فيها القرآن الكريم سيرة النبي - ﷺ - بأسلوب جميل مفيد.
* كان الابن عبد الرحمن - ﵀ - يتضرع إلى الله ويدعوه، ومن ذلك أني كنت أشاهده يدعو بين الأذان والإقامة أحيانًا بعد أن يصلي السنة الراتبة ويرفع كفيه، وكان في كل ليلة من العشر الأواخر من رمضان من كل سنة، قبل الفجر بساعة أو ساعتين، يأخذ كتاب الدعاء من الكتاب والسنة ويرفع كفيه ويستقبل القبلة، ويدعو حتى ينهي هذا الكتاب من أوله إلى آخره، وقد أخبرني الابن عبد العزيز أن عبد الرحمن دعا بكل ما في هذا الكتاب مرتين يوم عرفة حينما حج - ﵀ - سنة ١٤٢٠هـ، وقد كان مرافقًا لي مع التوعية الإسلامية في الحج في ذلك العام المذكور، وكان قد تولَّى الأذان في مركز التوعية الإسلامية رقم ٧ يوم التروية وأيام التشريق، وطلب مني ألا نتعجل بالسفر إلى الرياض، فتأخرنا إلى اليوم الرابع عشر، لرغبته - ﵀ - وأخيه عبد العزيز.
* كان الابن عبد الرحمن - ﵀ - كريمًا في غير إسراف ولا مخيلة، يظهر ذلك في إكرامه لإخوته، وأمه، وكذلك لزملائه، وقد كان بعض الأهل يقول له في ذلك، ويأمره بالاقتصاد، فكان يردُّ عليهم بقوله:
[ ٣٣ ]
«الدنيا فانية».
* كان يساعدني ﵀، ومن ذلك أنه في صغره وهو يدرس في الصف الثالث المتوسط، وعمره خمسة عشر عامًا، ساعدني في كتابة كثير من مراجع رسالة الدكتوراه، وكان ذلك بالتعاون أيضًا مع الابن عبد العزيز، وذلك عام ١٤١٨هـ.
* كان الابن عبد الرحمن - ﵀ - فصيح اللسان، قد أعطاه الله - ﷿ - الفصاحة في الكلام والقراءة، حتى إن من سمعه يقرأ يعجب من فصاحته وسليقته العربية، وقد كان يُحضر لي أي حديث أطلب إحضاره من فهارس كتب السنة؛ لذكائه وفطنته - رحمه الله تعالى - وقد كان من أسباب ذلك - بعد توفيق الله تعالى - عنايته باللغة العربية التي يدرسها في المدرسة، ومن أمثلة ذلك أنه عندما حصل على شهادة الصف السادس الابتدائي احتفظ بقواعد اللغة العربية للصف الرابع، والخامس، والسادس، وجعلها في رفٍّ من أرفف مكتبتي الخاصة، فسألته عن ذلك؟ فأجاب: لكي أراجعها، ثم راجعها وأبقاها في موضعها رحمه الله تعالى.
* وقد أجرت معه مدرسة ثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم مقابلة عام ١٤٢١هـتقريبًا هذا نصها:
الاسم؟ عبد الرحمن بن سعيد بن علي القحطاني.
الصف الدراسي: ثانوي ثانوي / أ.
[ ٣٤ ]
جدولك اليومي؟
- الاستيقاظ لصلاة الفجر، ومن ثم أرجع للبيت، وأرتّب أمور المدرسة.
- الذهاب للمدرسة.
- الرجوع للمنزل، وتناول الغداء، ثم النوم قليلًا.
- صلاة العصر، ثم مراجعة ما تيسّر من القرآن.
- بعد المراجعة قراءة بعض الكتب.
- صلاة المغرب، ثم المذاكرة، وحل الواجبات إن وجدت.
- صلاة العِشاء، ثم العَشاء وسماع بعض البرامج [مثل برنامج نور على الدرب، والأخبار من إذاعة القرآن الكريم، واستماع قراءة القرآن من الإذاعة، وبعض الخطب].
موقف معبِّر أثَّر في حياتك؟: الحملة الروسية اللعينة على جمهورية الشيشان.
رأيك في النشاط غير المنهجي؟: ممتاز بدرجة أولى، ولابد منه والاهتمام به مثل الاهتمام بالحصص الدراسية [يعني ﵀ العناية بالقراءة في الكتب، والرسائل النافعة غير المواد الدراسية].
كلمة شكر تهديها لعزيز؟: أشكر وزارة المعارف؛ لما يبذلونه من جهد ومن ذلك تطوير الكتب الدراسية، حتى إن شكل الكتاب وتنسيقه وطباعته تفتح نفس الطالب للمذاكرة.
[ ٣٥ ]
كلمة عتاب توجهها لصديق؟: «أولئك الأصدقاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، أنصحهم بأن يبتعدوا عن ذلك».
* لا أعرف أحدًا من عباد الله المؤمنين عرف عبد الرحمن إلا أحبَّه في الله تعالى، وقد تأثّر جميع السكان الذين سمعوا أذانه في صلاة الجمعة والصلوات الأخرى وقراءته؛ حتى بعض العمال انصرفت نفسه عن الطعام أيامًا لفراق عبد الرحمن وأذانه، وقراءته، وكان هؤلاء السكان يقول لي بعضهم: يا شيخ سعيد لا تظن أنك فقدت عبد الرحمن وحدك؟ بل كلنا فقدناه!
كان ذكيًّا، ومن ذلك معرفته بمواقع الكتب في مكتبتي الخاصة، حيث لم تكن مرتبة، فإذا فقدت كتابًا ناديت عبد الرحمن، وطلبت إحضاره، فيبحث عنه فورًا ويخرجه جزاه الله عني خيرًا وأسكنه الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء، ومن الأمثلة على ذكائه - ﵀ - أنه عندما وُلد شقيقه عبد الرحيم - ﵀ - قال عبد الرحمن - وعمره آنذاك ست سنوات - قال: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ ثم سكت وفكَّر، ثم قال: ﴿الرَّحْمنِ﴾ أنا عبد الرحمن، و﴿الرَّحِيمِ﴾ هذا سمُّوه عبد الرحيم، فسميته عبد الرحيم لهذا السبب.
ومما يدل على ذكائه - ﵀ - أنه كان في صغره قبل أن يحفظ القرآن بعد أن سجّل في السنة الأولى ابتدائي يعدّ سور القرآن عدًّا وسردًا، فيقول: سورة الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة إلى
[ ٣٦ ]
أن يصل سورة الناس، فيعدّ مائة وأربع عشرة سورة بدون توقف!
* وكان يحب أن تكون كتبه منفردة عن مكتبتي، فاختار لها مكانًا صغيرًا في زاوية مكتبتي، وكان يجمع كتبه فيها.
وكان قبل موته - ﵀ - إذا رأى كتابًا جديدًا ألفته ثم نشر قال: «هذا ولد جديد».
* كان يستيقظ وقت الاختبارات في ثالث ثانوي وفي السنة الأولى في كلية الشريعة قبل الفجر بساعتين أو ساعة، ثم يتوضأ ويذهب إلى الجامع ويصلي ما تيسَّر، ثم يذاكر ويراجع، فإذا نادى بالأذان صلى ركعتي الفجر، ثم يقرأ القرآن.
* وُجد عنده أشرطة محاضرات علمية في سيارته أثناء الحادث وفي أمتعته، وكان عددها مائة شريط، وكلها نافعة جدًا، ووجد مجموعة من المصاحف المسجل عليها القرآن كاملًا لعدة قرّاء، كما وجد في سيارته أثناء الحادث شريط قرع أبواب السماء للشيخ بدر بن نادر المشاري، ونشرة عن التوبة قبل الممات، ونشرات مفيدة أخرى رحمه الله تعالى، وجعل هذا الحادث شهادة له ولشقيقه عبد الرحيم ينالان بها أعلى منازل الشهداء.
كما أسأل الله تعالى أن يجزي كل من علَّمه خيرًا، وأن يجمعنا وإياه وإياهم وشقيقه عبد الرحيم في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
[ ٣٧ ]