ورد على الشّيخ الإمام عبد الله بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب كتاب من الشّيخ عبد الله الصّنعاني يسأله فيه عمّا يدينون به، وما يعتقدونه من الحقّ، فأجابه بما هو الصّواب.
قال رحمه الله تعالى:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله، الصّلاة السّلام على سيّدنا محمّد سيّد الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، إلى عبد الله بن عبد الله الصّنعاني، وفّقه الله وهداه وجنّبه الإشراك والبدعة وحماه، وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.
[ ١ / ٢٣٣ ]
أمّا بعد؛
فوصل الخط وتضمن السّؤال عمّا نحن عليه من الدّين.
فنقول، وبالله التّوفيق:
الذي ندين الله به عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بعبادة غيره ومتابعة الرّسول النَّبِيّ الأمّيّ حبيب الله وصفيّه من خلقه محمّد -ﷺ-.
فأمّا عبادة الله وحده فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذّريات: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، [النّحل، من الآية: ٣٦].
فمن أنواع العبادة الدّعاء وهو الطّلب بياء النّداء؛ لأنّه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة، أو بأحد أخواتها من حروف النّداء؛ فإنّ العبادة اسم جنس؛ فأمر الله ﷾ عباده أن يدعوه ولا يدعو معه غيره. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، [غافر: ٦٠].
وقال في النّهي: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، [الجن: ١٨]. وأحد كلمة تصدق على كلّ ما دُعِي به غير الله تعالى.
وقد روى التّرمذي عن أنس أنّ النَّبِيّ -ﷺ- قال: "الدّعاء مخ العبادة".
وعن النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الدّعاء هو العبادة، ثم قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ". رواه أحمد وأبو داود والتّرمذي.
قال العلقمي في شرح الجامع الصّغير: حديث: "الدّعاء مخ العبادة"، قال شيخنا: قال في النّهاية: مخّ الشّيء خالصه، وإنّما كان مخها لأمرين:
أحدهما: أنّه امتثال لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فهو مخ العبادة وخالصها.
والثّاني: أنّه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع علقته عمن سواه ودعاه لحاجته وحده، ولأنّ الغرض من العبادة هو الثّواب عليها، وهو المطلوب بالدّعاء.
وقوله: "الدّعاء هو العبادة"، قال شيخنا: قال الطّيبِي أتى بالخبر المعرّف باللام ليدلّ على الحصر، وأنّ العبادة ليست غير
[ ١ / ٢٣٤ ]
الدّعاء". انتهى كلام العلقمي ١.
إذا تقرّر هذا؛ فنحن نعلم بالضّرورة أنّ النَّبِيّ -ﷺ- لم يشرع لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصّالحين، ولا غيرهم؛ بل نعلم أنّه نهى عن هذه الأمور كلّها، وأنّ ذلك من الشّرك الأكبر الذي حرمه الله تعالى ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، [الأحقاف، الآيتان: ٥ - ٦].
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾، [الشّعراء:٢١٣].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾، [يونس، من الآية: ١٠٦]. الآيات.
وهذا من معنى: (لا إله إلّا الله)؛ فإنّ (لا) هذه هي نافية للجنس، فتنتفي جميع الآلهة، (وإلّا) حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله -﷿-، والإله اسم صفة لكلّ معبود بحقٍّ أو باطلٍ ثم غُلِّب على المعبود بحقٍّ؛ وهو الله تعالى الذي يخلق ويرزق، ويدبّر الأمور، وهو الذي يستحقّ الألهية وحده. والتّألّه: التّعبّد. قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣].
ثُمّ ذكر الدّليل فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، [البقرة، من الآية: ١٦٤]، إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية، [البقرة، من الآية: ١٦٥].
وأمّا متابعة الرّسول -ﷺ-، فواجب على أمّته متابعته في الاعتقادات
_________________
(١) ١ لكن هذا الحصر إضافي غير حقيقي؛ فإنّ العبادات كثيرة، وقال المحقّقون: إنّ هذا الحديث كحديث: "الحجّ عرفة"، وإنّ تعريف العبادة في الحديثين بمعنى الفرد الكامل؛ كقول العرب: النّجم، وأراد الثّريا. والمعنى: أنّ أكمل إفراد العبادة الذي يظهر به إخلاص العبودية هو الدّعاء، وفي الحديث الآخر أنّ أكمل أركان الحجّ الوقوف بعرفة. وكتبه محمّد رشيد رضا.
[ ١ / ٢٣٥ ]
والأقوال والأفعال. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٣١].
وقال -ﷺ-: "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ". رواه البخاري ومسلم.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: "مَن عمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قبل، وما خالف ردّ على فاعله كائنًا مَن كان.
فإنّ شهادة أنّ محمّد رسول الله، تتضمّن: تصديقه فيما أخبر به، وطاعته، ومتابعته في كلّ ما أمر به.
وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلّا مَن أبى"، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟! قال: "مَن أطاعنِي دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبَى".
فتأمّل -رحمك الله- ما كان عليه رسول الله -ﷺ- وأصحابه بعده والتّابعون لهم بإحسانٍ، وما عليه الأئمّة المقتدى بهم من أهل الحديث والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالكٍ، والشّافعي، وأحمد بن حنبل -رحمهم الله تعالى-؛ لكي تتّبع آثارهم.
وأمّا مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السّنة، ولا ننْكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نصّ الكتاب والسّنة، ولا إجماع الأمة ولا قول جمهورها.
والمقصود بيان ما نحن عليه من الدّين، أنّه عبادة الله وحده لا شريك له، فبها نخلع جميع الشّرك، ومتابعة الرّسول، وبها نخلع جميع البدع إلّا بدعة لها أصل في الشّرع؛ كجمع المصحف في كتابٍ واحدٍ، وجمع عمر -﵁- الصّحابة على التّراويح جماعةً، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كلّ خميس، ونحو ذلك. فهذا حسن.
والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
[ ١ / ٢٣٦ ]
- ١٩ -