(١١)
وله أيضا ﵀ إجابة عن مسائل في المرجئة والقدرية وغير ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
(الجواب): الحمد لله رب العالمين.
[أحاديث في المرجئة والقدرية]
(أما المسألة الأولى): وهي ما يذكر في الحديث: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية"١، وقوله في الحديث: "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: المرجئة والقدرية" إلخ كلام السائل -رحمه الله تعالى-.
(فنقول): إن الحديثين ليسا بثابتين عند أهل العلم وعند أهل الحديث، وليسا في الكتب الستة المعتمدة المسماة دواوين الإسلام، وإنما يذكر هذا بعض المصنفين الذين يروون الغث والسمين، ولا يميزون بين الصحيح
_________________
(١) ١ الترمذي: القدر (٢١٤٩)، وابن ماجه: المقدمة (٦٢).
[ ١ / ١٩٣ ]
والضعيف والحسن والموضوع، فلا ينبغي للسائل -رحمه الله تعالى- أن يعبر بمثل هذه العبارة في مثل هذه الأحاديث وما شاكلها، وإنما ينبغي له أن يقول: يذكر في الحديث ١ أو يروى في بعض الكتب، وأشباه هذه العبارات التي يفعلها أهل التحقيق والعرفان، من أهل الفقه والحديث والإيمان؛ وذلك لأنه لا ينبغي له أن يجزم بأن رسول الله -ﷺ- قال إلا فيما ثبت إسناده وصححه أهل العلم بهذا الشأن، لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة من رواية جماعة من الصحابة -﵃- عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"٢، وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حدث عني بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين"٣، فلهذا كان كثير من الصحابة والتابعين لهم بإحسان يهابون الحديث عن رسول الله ﷺ والجزم به إلا فيما ثبت عندهم وقطعوا عليه.
وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعا: "صنفان من أمتي لا يدخلون الجنة: القدرية والمرجئة"٤، قال الحافظ ابن حجر: فيه انقطاع من رواية بقية بن الوليد. وأخرج أيضا إسحاق من رواية بقية بن الوليد: حدثني سليمان بن جعفر الأعبدي عن محمد بن أبي ليلى عن أبيه عن جده أبي ليلى عن رسول الله ﷺ قال: "صنفان من أمتي لا يردون على الحوض: القدرية والمرجئة".
وبقية بن الوليد مختلف فيه، ووثقه بعضهم إذا روى عن الثقات، وضعفه إذا روى عن المجهولين.
قال ابن مسهر الغساني: بقية أحاديثه ليست بنقية، فكن من أحاديث
_________________
(١) ١ السائل قال هذا في الرواية الأولى فليتأمل. ٢ البخاري: الجنائز (١٢٩١)، ومسلم: مقدمة (٤). ٣ مسلم: مقدمة (١)، والترمذي: العلم (٢٦٦٢)، وابن ماجه: المقدمة (٣٩،٤١)، وأحمد (٤/ ٢٥٥،٥/ ١٤،٥/ ٢٠). ٤ الترمذي: القدر (٢١٤٩)، وابن ماجه: المقدمة (٦٢).
[ ١ / ١٩٤ ]
بقية على تقية. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، ومحمد بن أبي ليلى ضعيف عند أهل العلم والحديث، كان يحيى القطان يضعفه. قال أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ مضطرب الحديث، في حديثه اضطراب.
[عدم تكفير المبتدعة إلا الجهمية وما به الكفر]
إذا علمت ذلك، فاعلم ألهمك الله الصواب، وأزال عن قلبك ظلم الشرك والارتياب، أن الذي عليه المحققون من العلماء أن أهل البدع كالخوارج والمرجئة والقدرية والرافضة ونحوهم لا يكفرون، وذلك لأن الكفر لا يكون إلا بإنكار ما علم من الدين بالضرورة.
وأما الجهمية، فالمشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السلف تكفيرهم؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب والسنة؛ ولهذا قال: قولهم جحود الصانع وجحود ما أخبر به عن نفسه وعلى لسان رسوله بل وجميع الرسل؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وبهذا كفّروا من يقول: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن الله ليس على العرش، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب، ولا غير ذلك من صفاته.
وهم عند كثير من السلف مثل ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أصحاب أحمد ليسوا من الثلاث وسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة. وأصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية. ولا تختلف نصوص أحمد أنه لا يكفر المرجئة فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكذلك الذين يفضلون عليا على أبي بكر وذلك قول طائفة من الفقهاء ولكن يبدعون.
وفي الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه، وقد ثبت في الصحيح من
[ ١ / ١٩٥ ]
حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات، فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر الله البحر فجمع ما فيه ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب، فغفر له"١ وهذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من طرق متعددة من رواية جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد الخدري وحذيفة وعقبة بن عامر.
فهذا الرجل قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادته بعد فعل ما أمر أهله أن يفعلوه به، وهذا الرجل لما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت فهذا عمل صالح، فغفر الله له بما كان معه من الإيمان بالله واليوم الآخر.
وإنما أخطأ من شدة خوفه، وقد وقع الخطأ الكثير في هذا الخلق من هذه الأمة. واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة. وكان شريح القاضي ينكر قراءة من قرأ: "بل عجبت"بالرفع ويقول: أن الله لا يعجب فبلغ إبراهيم النخعي فقال أن شريحا شاعر يعجبه علمه كان عبد الله أفقه منه وكان يقرأ: ﴿بل عجبتُ﴾ فهذا أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة الله التي دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أن شريحا إمام من الأئمة.
وكذلك بعض العلماء أنكر حروفا من القرآن كما أنكر بعضهم ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ فقال: إنما هي (ألم يتبين الذين آمنوا) وهذا الخطأ معفو عنه بالإجماع. وكذلك الخطأ في الفروع العملية فإن المخطئ فيها لا يكفر ولا يفسق بل ولا يؤثم، لأن
_________________
(١) ١ البخاري: التوحيد (٧٥٠٦)، ومسلم: التوبة (٢٧٥٦)، والنسائي: الجنائز (٢٠٧٩)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٥٥)، وأحمد (٢/ ٢٦٩،٢/ ٣٠٤)، ومالك: الجنائز (٥٦٨). ٢ سورة الرعد آية: ٣١. V
[ ١ / ١٩٦ ]
بعض المتكلمين والمتفقهة يجعل المخطئ فيها آثما، وبعض المتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب. فهذان القولان شاذان، والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة رسول الله ﷺ فلم يؤمن بها فهو كافر ولا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة، والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة.
وإذا كان كذلك فأصول الإيمان تقتضي وجوب الإيمان بالواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، والجاحد لها كافر، بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، مع أن كثيرا من أهل البدع يوجد فيهم النفاق الأكبر والردة عن الإسلام. فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، فأولئك في الدرك الأسفل من النار.
وأصل هؤلاء الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، وابتغاء الهدى من غيرهما. فمن كان هذا أصله فهو بعيد عن الخير ١ والرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة.
وأكثر السلف يرون قتل الداعية إلى البدعة لما يجري على يديه من الفساد في الدين، سواء قالوا أنه كافر أو ليس بكافر، وذلك لأن الدعاء إلى المقالة التي تخالف الكتاب والسنة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعوة إليها، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه مع
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، ولعل فيه تقديما وتأخيرا من الناسخ والظاهر الذي يلتئم به الكلام أن يقدم قوله: والرسالة إنما هي للعامة إلخ على قوله: فمن كان هذا أصله إلخ؛ لأن الذين أعرضوا عما جاء به الرسول مع الاعتراف برسالته هم الذين يزعمون أن رسالته مقصورة على العوام، وأن أمثالهم لا يحتاجون إليها؛ لأن ما عندهم من العلم والفلسفة أعلى وأرقى وهو علم الخواص. كذبوا ولعنوا. وكتبه محمد رشيد رضا.
[ ١ / ١٩٧ ]
الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول ﷺ وأن مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر؛ فإن نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وإنكار القدر كفر؛ وبعض هذه البدع أشد من بعض والله -﷾- أعلم.
[أخذ النذر للقبر والميت لمن وجده]
﴿فصل﴾: (وأما المسألة الثانية): هل يجوز أخذ النذر للقبر والميت لمن وجده لأنه مال أخرجه مالكه لمن لا يملكه، أفيصير مالا مباحا أم لا؟ وكذلك الثياب المطروحة على التوابيت المتخذة على القبور؟
(فنقول): هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كان ذلك في البلد التي تحت حكم إمام المسلمين، فلا يجوز أخذه إلا بإذن الإمام، لأنه يصير مصرفه في مصالح المسلمين بإذن الإمام كما صرف النبي ﷺ المال الذي في بيت اللات حين هدمها في مصالح المسلمين. وأما إن كان المذكور في موضع ليس حكمه تحت إمام المسلمين، فإنه يجوز أخذه لمن وجده لأنه مال ضائع لا يجوز إبقاؤه، والله ﷾ أعلم.
[جعل الرياحين على القبر]
﴿فصل﴾: وأما جعل الرياحين على القبر، فبدعة منهي عنها لأنه من تخليق القبر المنهي عنه ١ بخلاف جعل الجريدة عليه ٢ لأنه ثبت أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير"٣ ثم قال: "بلى، إنه كبير. أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"٤، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، وجعل على كل
_________________
(١) ١ وفيه تشبه بالكفار الذين يفعلون ذلك. ٢ يعني وهو من الأمور التعبدية التي لا تعقل فلا يقاس عليه وضع الأزهار والرياحين، وكتبه محمد رشيد رضا. ٣ البخاري: الوضوء (٢١٦)، ومسلم: الطهارة (٢٩٢)، والترمذي: الطهارة (٧٠)، والنسائي: الطهارة (٣١) والجنائز (٢٠٦٨)، وأبو داود: الطهارة (٢٠)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٣٤٧)، وأحمد (١/ ٢٢٥)، والدارمي: الطهارة (٧٣٩). ٤ البخاري: الوضوء (٢١٨)، ومسلم: الطهارة (٢٩٢)، والترمذي: الطهارة (٧٠)، والنسائي: الطهارة (٣١) والجنائز (٢٠٦٨)، وأبو داود: الطهارة (٢٠)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٣٤٧)، وأحمد (١/ ٢٢٥)، والدارمي: الطهارة (٧٣٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
قبر نصف جريدة وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"١. والله أعلم.
﴿فصل﴾ وأما قول السائل: هل يبين ذلك وإن لم يقصده الواضع، فهذه مسألة فيها خلاف، فإن بعض الفقهاء يرى استحباب وضع الجريدة على القبر وبعضهم لا يرى ذلك، لأنه يحتمل أن يكون ذلك خاصا بالنبي ﷺ أو يحتمل العموم والله أعلم.
[دفع المال لبعض الأشراف أو الصالحين من غير صيغة التزام]
(فصل): وأما من عليه عادة يدفع شيئا من ماله لبعض الأشراف أو لبعض الصالحين من غير صيغة التزام، فهل يلزم الوفاء به أم هو مندوب أم محرم إذا كان يسميه نذرا مع عدم صيغة النذر.
(فنقول): أما من عادته أن يدفع شيئا من ماله لبعض الصالحين أو لبعض الأشراف، وقصده بذلك التقرب إلى الله والصدقة، فهذا حسن ومن النفقة المأمور بها قال الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة من الآية: ٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة من الآية: ٣]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة من الآية: ٢٤٥]، ولكن لا يلزم الوفاء به؛ بل يندب إلى ذلك، إلا إن أوجبه على نفسه بالنذر، وذكر النذر بصيغته المعروفة في الشرع. أما إن كان يسمي نذرا مع عدم صيغة النذر، فلا يلزم الوفاء به أيضا بمجرد التسمية كما أنه يكون نذرا إذ أتى بصيغته المعروفة، ولم يقل: لله علي نذر كذا وكذا.
هذا هو المعروف في كلام أهل العلم، وكلام الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم، والله ﷾ أعلم.
[هل الأضحية مطية في الآخرة حقيقة تركب؟]
(فصل): وأما المسألة الثالثة: ما معنى ما ذكر في الحديث من قوله ﷺ: "استفرهوا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم"، فهل الأضحية مطية في الآخرة حقيقة تركب؟ وما حملها مع كثرتها؟ وهل
_________________
(١) ١ البخاري: الوضوء (٢١٦)، ومسلم: الطهارة (٢٩٢)، والنسائي: الطهارة (٣١) والجنائز (٢٠٦٨)، وأبو داود: الطهارة (٢٠)، وأحمد (١/ ٢٢٥)، والدارمي: الطهارة (٧٣٩).
[ ١ / ١٩٩ ]
إذا ضحى اثنان أو ثلاثة أو أكثر ببدنة أو ببقرة هل يركبونها جميعا، أم كيف يكون الحكم في ذلك؟
(فالجواب): أن هذا الحديث ليس من الأحاديث المعروفة، ولا هو مخرج في الكتب المعتمدة، وإنما أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه.
هذا، ويحيى ضعيف جدا عند أهل الحديث، قال بعضهم: هذا الحديث ليس معروفا ولا ثابتا فيما علمنا. قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح.
(ومنها): قوله: "إنها مطاياكم إلى الجنة" ذكر ذلك السخاوي في (المقاصد الحسنة في الأحاديث المذكورة المشتهرة على الألسنة) فمثل هذا الحديث لا يحتج به، وإن ذكره بعض أهل العلم، فعادتهم يتساهلون في فضائل الأعمال في ذكر الأحاديث الضعيفة، فلا ينبغي للسائل أن يجزم بأن الرسول ﷺ قاله، بل يذكره بصيغة التمريض.
وأما معناه فقيل أنها تسهل الجواز على الصراط والله -﷾- أعلم.
(فصل): وأمّا مَن كان يحلف بغير الله جهلًا منه أنّه شرك لا عنادًا ولا معتقدًا أنّ عظمته تساوي عظمة الله، بل لا يفعل ذلك الحلف تعظيمًا لله واتّقاء خشيته، لا تهاونًا بالنَّبِيّ المحلوف به، ثم إنّه لما بلغه أنّ ذلك شرك تاب من ذلك وندم ويسبق لسانه بذلك من غير تعمّدٍ، فهل مَن فعل ذلك قبل بلوغه أنّه شركٌ يكون مشركًا أم يعذر بجهله مساواة عظمة المخلوق عظمة الله تعالى؟
(فالجواب): أنّ الحلف بغير الله شرك كما في الحديث: أنّ رسول
[ ١ / ٢٠٠ ]
الله -ﷺ- قال: "مَن حلف بغير الله فقد أشرك"١. رواه التّرمذي وغيره.
وأمّا كونه يعذر بالجهل فالظّاهر أنّ الذي يجهل مثل ذلك يعذر بالجهل؛ لأنّ الشّرائع لا تلزم إلّا بعد بلوغ الرّسالة، ولا يعذّب الله أحدًا إلّا بعد بلوغ الرّسالة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، [الإسراء، من الآية: ١٥].
وأمّا سبق لسانه بذلك بعد بلوغه أنّه شرك فهذا لا يضرّه - إن شاء الله تعالى - إذا تاب واستغفر. وقال: لا إله إلّا الله، كما ثبت في الصّحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات، والعزّى، فليقل: لا إله إلّا الله، ومَن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدّق" فإذا كان يجري على ألسنة الصّحابة فكيف بغيرهم؟!
وكذلك إذا فعل شيئًا من الشّرك غير الحلف جهلًا منه، وخطأ، فإذا نبّه على ذلك تنبّه وتاب ونزع كما جرى لقوم موسى -﵇-، وكما جرى للصّحابة الذين قالوا لرسول الله -ﷺ-: اجعل لنا ذات أنواطٍ.
وأمّا مَن يفعل ذلك جهلًا لا عنادًا، وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنّه شرك، هل يُحكَم بإسلامهم ويُرجَى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟
فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال: الله أعلم بهم، كما قال موسى -﵇- لما قيل له: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، [طه، آيتان: ٥١ - ٥٢]؛ وذلك لأنّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجّة، ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ
_________________
(١) ١ المعنى أنّه عمل عملًا من أعمال المشركين، وليس المعنى أنّه خرج من الملة، وصار مشركًا على الإطلاق، وقد صرحوا بإثبات شركٍ دون شركٍ، وكفرٍ دون كفرٍ؛ لأنّ كلًا منهما ينقسم إلى عملي واعتقادي، وقد حقّق ذلك الشّيخ عبد اللّطيف في أوّل رسائله أتم التّحقيق، فراجعه في ٣/ ١٤.
[ ١ / ٢٠١ ]
وَمَنْ بَلَغَ﴾، [الأنعام، من الآية: ١٩]. وقال: ﴿لئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، [النساء، من الآية: ١٦٥]. وأكثر النّاس في هذه الأزمنة وغيرها من أزمنة الفترات والجهل معرضون عن السّؤال عن التّوحيد والشّرك، ودينه ما عليه أهل بلده، ولا يبحث، ولا يسأل عمّا جاء به محمّد -ﷺ- من عند الله، وما كان عليه السّلف الصّالح والتّابعون لهم بإحسانٍ. ومَن بحث وسأل وفحص عن ذلك وجد من يعلمه بذلك؛ لأنّه لا يزال في هذه الأمّة طائفة على الحقّ منصورون لا يضرّهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم، حتّى تقوم السّاعة، وهي معصومة من الاجتماع على الضّلالة، والشّرك. والله ﷾ أعلم.
(فصل): وأمّا المسألة الرّابعة - وهي التّنباك الذي يعتاد شربه كثير من النّاس، فاختلف علماء الإسلام في أجوبتهم عنه.
فمنهم مَن أجاب بتحريمه مطلقًا.
ومنهم مَن أجاب بتحريمه بقيدٍ وتعليقٍ.
ومنهم مَن أجاب بإباحته.
ومنهم مَن جعل فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرام، والنّدب، والكراهة، والإباحة، ولكلّ واحدٍ مِمَّن شربه حكم من الخمسة الأحكام، فهل هو حلال أو حرام؟
(فالجواب): أن يقال: لا ريب أنّ الله بعث رسول بجوامع الكلم، وهي من خصائصه التي خصّه الله بها من بين الأنبياء، كما ثبت أنّ رسول الله -ﷺ- قال في ذكر خصائصه التي خصّه الله بها: "وأوتيتُ جوامع الكلم"، وهي: أن يقول الكلمة اليسيرة الجامعة لأحكام كثيرةٍ، لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومن ذلك قوله -ﷺ-: "كلّ مسكرٍ حرام"، فدخل في هذه الكلمة جميع المسكرات التي تسكر، وتزيل العقل من الأطعمة والأشربة الموجودة في زمانه -ﷺ- والحادثة بعده إلى يوم القيامة.
وقد تواترت الأحاديث عن
[ ١ / ٢٠٢ ]
النَّبِيّ -ﷺ- قال: "كلّ مسكرٍ خمرٌ وكلّ خمرٍ حرام". ولفظ مسلم: "وكلّ مسكرٍ حرام".
وعن عائشة -﵂- أنّه -﵇- سُئلَ عن البتع، فقال: "كلّ شرابٍ أسكر فهو حرام"، وفي روايةٍ لمسلمٍ: "كلّ شرابٍ مسكرٍ حرام". متّفق عليه.
ونقل ابن عبد البرّ إجماع أهل العلم بالحديث على صحّته، وأنّه ثبت لشيءٍ روي عن النَّبِيّ -ﷺ- في تحريم المسكر. وجاء التّصريح بالنّهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما أرخرجه أبو داود والتّرمذي وحسّنه من حديث عائشة -﵂- مرفوعًا: "كلّ مسكرٍ حرامٌ وما أسكر الفرق منه فملء الكفّ منه حرامٌ". وفي روايةٍ: "فالحسو منه حرام".
وقد احتجّ به أحمد وذهب إليه. وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك، والشّافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ المسكر الذي يزيل العقل نوعان:
أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، قال العلماء وسواء كان المسكر جامدًا أو مائعًا وسواء كان مطعومًا أو مشروبًا، وسواء كان من حبٍّ، أو تمرٍ، أو لبنٍ، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق القنب وغيرها، مما يؤكل لأجل سكرته ولذّته.
والثّاني: ما يزيل العقل ويسكر ولا لذّة فيه ولا طرب؛ كالبنج ونحوه، وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حدّ مَن شرب ما يسكر كثيره، وإن اعتقد حلّه متأوِّلًا وهو قول الشّافعي، وأحمد. قال أحمد في رواية الأثرم: يحدّ مَن شرب النّبيذ متأوِّلًا؛ وذلك لضعف التّأويل عنده في ذلك، وبما ذكرنا من كلام رسول الله -ﷺ-، وكلام أهل العلم يتبيّن لك تحريم التّتن الذي كثر في هذا الزّمان استعماله وصحّ بالتّواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات خصوصًا إذا أكثر منه، أو قام يومًا أو يومين
[ ١ / ٢٠٣ ]
لا يشربه ثم شربه فإنّه يسكر ويزيل العقل حتّى إنّ صاحبه يحدث عند النّاس ولا يشعر بذلك -نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس-. فلا ينبغي لِمَن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحدٍ من النّاس إذا تبيّن له كلام الله وكلام رسوله في مسألةٍ من المسائل، وذلك لأنّ الشّهادة بأنّه رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عمّا عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر. والله ﷾ أعلم.
(فصل): وقد قال الشّيخ ابن علان الصّديقي الشّافعي -﵀- في (إعلام الإخوان بتحريم تناول الدّخان): وقد اتّفق العلماء على حفظ العقول وصونها من المغيّرات والمخدّرات، وكلّ مَن امتصّ هذا الدّخان مقرّ بأنّه لا بدّ أن يدوخ أوّل تناوله ويكفي ذلك دليلًا على التّحريم؛ لأنّ كلّ ما غيّر العقل بوجهٍ من الوجوه أو أثّر فيه بطريق تناوله حرام. قال -ﷺ-: "كلّ مسكرٍ حرام"، والمراد بالإسكار فيه الإسكار القويّ، أي: مطلق التّغطية على العقل، وإن لم يكن مع الشّدّة المطربة، ولا شبهة أنها حاصلة لكلّ متناولٍ أوَّلَ تناوله، وكونه إذا تناوله بعد لا يؤثّر فيه ذلك لا يضرّ في ثبوت سبب التّحريم؛ لأنّ مدمن الخمر إذا اعتادها لا تؤثّر فيه تغيّر أصلًا، ولا يخرجها ذلك عن كونها حرامًا اعتبارًا بأصل التّغيّر الثّابت فيها للعقول، فكذا فيما نحن فيه. انتهى.
(واعلم) -رحمك الله- أنّ إطلاق الحلّ والحرمة في الشّيء لا يعجز عنه أحدٌ، وإنّما الشّأن في تبيين الحجج الشّرعية ومدارك الأحكام المأخوذة من كلام سيّد الأنام -عليه من الله أفضل الصّلاة والسّلام-.
(فصل): وأمّا المسألة الخامسة وهي: ما معنى قوله - ﷺ
[ ١ / ٢٠٤ ]
"ما منا إلّا من عصى أو همّ بمعصية إلّا يحيى بن ز كريا"، والإجماع منعقد على أنّ الأنبياء معصومون من الكبائر والصّغائر، وإذا قيل إنّهم معصومون من الكبائر والصّغائر فما بال أولاد يعقوب؟ ومعلوم بالضّرورة أنّهم أنبياء وحال آدم حين قال الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، [طه، من الآية: ١٢١]، وكذلك داود مع قوله -﵇-: "كلّنا خطّاءون".
(فالجواب): من وجوه:
(الوجه الأوّل): أنّ لفظ الحديث المروي في ذلك: "ما من أحدٍ يلقى الله يوم القيامة إلّا ذا ذنبٍ إلّا يحيى بن زكريا". أخرجه عبد الرّزّاق في مصنّفه: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾، [مريم، من الآية: ١٤]. قال: كان ابن المسيب يذكر أنّ النَّبِي -ﷺ- قال: فذكره. وهذا مرسل، لكن أصحّ المراسيل عند أهل الحديث مرسل سعيد بن المسيب، لكن أخرج أحمد في مسنده عن ابن عبّاس -﵄- مرفوعًا إلى النَّبِيّ -ﷺ-: "ما من أحد من ولد آدم إلّا قد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحدٍ أن يقول أنا خير من يونس بن متي".
(الوجه الثّاني): أنّ الذي عليه المحقّقون من العلماء من الحنابلة والشّافعية والمالكية والحنفية، أنّ الأنبياء معصومون من الكبائر، وأمّا الصّغائر فقد تقع منهم لكنهم لا يقرّون عليها؛ بل يتوبون منها ويحصل لهم بالتّوبة أعظم مما كان قبل ذلك، وجميع أهل السّنة والجماعة متّفقون على أنّهم معصومون في تبليغ الرّسالة، ولا يجوز أن يستقرّ في شيءٍ من الشّريعة خطأ باتّفاق المسلمين.
قال شيخ الإسلام تقي الدّين أبو العبّاس ابن تيمية الحنبلي -﵀- في كتاب: (منهاج السّنة النّبويّة في نقض كلام الشّيعة والقدرية): واتّفق المسلمون على أنّ الأنبياء معصومون في تبليغ الرّسالة، فكلّ ما يبلّغونه عن
[ ١ / ٢٠٥ ]
الله من الأمر والنّهي، فهم مطاعون فيه باتّفاق المسلمين. وما أمروا به ونهوا عنه فهم مطاعون فيه عند جميع فرق الأمّة إلّا عند طائفةٍ من الخوارج أنّ النَّبِيّ معصوم فيما يبلغه عن الله لا فيما يأمر به وينهى عنه، وهؤلاء ضلال باتّفاق أهل السّنة والجماعة، وأكثر النّاس أو كثير منهم لا يجوزون عليهم الكبائر، والجمهور يجوزّون الصّغائر ويقولون إنّهم لا يقرّون عليها؛ بل يحصل لهم بالتّوبة منها من المنْزلة أعظم مما كان قبل ذلك. انتهى كلامه.
فتبيّن بما ذكرنا وَهْمُ السّائل وخطؤه -﵀- في نقل الإجماع على أنّهم معصومون من الكبائر والصّغائر، ولعلّه قد غرّه كلام بعض المتأخرين الذين يقولون بذلك، أو يقلّدون مَن يقوله من أئمة الكلام الذين لا يحقّقون مذهب أهل السّنة والجماعة، ولا يميّزون بين الأقوال الصّحيحة والضّعيفة والباطلة، كيف والقرآن محشو من الدّلائل على وقوع الذّنب منهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، [طه، من الآية: ١٢١].
وقول موسى -﵇-: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾، [القصص، من الآية: ١٦].
وقول يونس -﵇-: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، [الأنبياء، من الآية: ٨٧].
وقول نوح -﵇-: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، [هود، من الآية: ٤٧].
وقوله عن آدم -﵇-: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، [الأعراف، من الآية: ٢٣].
وقول إبراهيم -﵇-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، [الشّعراء: ٨٢].
وقوله عن داود -﵇-: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ الآية، [صّ: من الآية: ٢٤].
وقوله عن موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، [الأعراف، من الآية: ١٥١].
وقوله عن نبيّه -ﷺ-: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، [محمد، من الآية: ١٩].
وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية، [الفتح، من الآية: ٢].
وكذلك ثبت في الأحاديث
[ ١ / ٢٠٦ ]
الصّحيحة أنّ رسول الله -ﷺ- كان يدعو يقول: "يا ربّ اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وسرّه وعلاينته".
وقوله: "اللهم اغفر لي جهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكلّ ذلك عندي". وأشباه ذلك كثيرة عن جماعة من الصّحابة -﵃- والله ﷾ أعلم.
(فصل): وأمّا المسألة السّادسة؛ وهي هل يتأكّد الأخذ بالإجماع السّكوتي عن الصّحابة -﵃- وبجمع عمر -﵁- الصّحابة على التّراويح، وأمره أبي بن كعب أن يصلِّي بالنّاس لارتفاع العلّة؛ وهي خشيته -﵇- أن يفرض عليهم.
(فالجواب) أنّ الذي عليه أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشّافعية والحنبلية أنّ الأمر إذا اشتهر بين الصّحابة فلم ينكره منهم أحد كان إجماعًا، قال ابن مسعود -﵁-: إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد خيرهم أصحاب محمّد -ﷺ- فاختارهم لصحبة نبيّه -ﷺ-، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن. انتهى.
وباتّباع السّلف الصّالح والأخذ بهديهم وسلوك طريقتهم والسّكوت عمّا ستكوا عنه يزول عن المؤمن شبهات كثيرة، وبدع وضلالات شهيرة أحدثها المتأخرون بعدهم، كالكلام في تأويل آيات الصّفات، وأحاديثها بالتّأويلات المستكرهة التي لم تعهد عن الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ؛ فإنّهم سكتوا عن تفسير ذلك بالتّأويلات الباطة، وقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت. وقال بعضهم في صفة الاستواء لما سأله سائل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، [طه:٥]، كيف الاستواء؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة، كما تواتر ذلك عن الإمام مالك -﵀-، وما أجاب به مالك -رحمه
[ ١ / ٢٠٧ ]
الله- في هذه المسألة هو جواب أهل السّنة والجماعة في آيات الصّفات، وأحاديثها، فيقال: النّزول والمنْزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصّفات مثل: المجيء، واليد، والوجه، والمحبّة، والغضب، والرّضا وغير ذلك من الصّفات الواردة في الكتاب والسّنة.
وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أنّه قال: عليك بلزوم السّنة فإنّها لك بإذن الله عصمة، فإنّ السّنة إنّما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وأنّها سنة قد علم ما في خلافها من الزّلل، والخطأ، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك بما رضوا به، فإنّهم عن علمٍ وقفوا، وببصرٍ ناقدٍ كفوا، ولهم على كشفها أقوى، وبتفاصيلها أحرى، وأنّهم لهم السّابقون، وقد بلغهم عن نبيّهم ما يجري من الاختلاف، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه، لقد سبقتموهم عليه، ولئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيّهم وتلقوه عمَّن اتّبعهم بإحسانٍ، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا فيه بما يشفي، فمَن دونهم مقصر، ومَن فوقهم مفرط، ولقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمع آخرون فغلوا، وإنّهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. والله أعلم.
(فصل): وأمّا المسّألة السّابعة؛ وهي: ما معنى قوله -ﷺ- في الحديث: "إذا استقرّ أهل الجنة في الجنة، وأهل النّار في النّار، يؤتى بالموت على صورة كبشٍ أملح فيذبح بين الجنة والنّار فيقال: يا أهل الجنة خلود في النّعيم بلا انقضاء، ويا أهل النّار خلود في الجحيم بلا انتهاء".
ومعلوم أنّ الموت معدوم الرّوح التي بها حركة الجسد وهذا شيء معنوي، فإنّ الذّبح لا يحصل إلّا في الأعيان الجسمانية ذات الأروح فإذا كان يؤتى به على صورة كبش كما
[ ١ / ٢٠٨ ]
ذكره الشارع، فكيف كانت صورته من قبل؟ وهل تحدث له بروح عند ذلك؟
(فالجواب): أن الذي ينبغي للمؤمن تصديق الرسول -ﷺ- في كل ما أخبر به من الأمور الغائبة، وإن لم يعلم كيفية ذلك، كما مدح -سبحانه- المؤمن بذلك، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥]. وقد مدح الله -سبحانه- أهل العلم بأنهم يقولون في المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، وفي الحديث أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما علمتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه"١. إذا علمت ذلك فاعلم أن شراح الحديث ذكروا فيه أقوالا الله أعلم بصحتها:
(قال ابن حجر) العسقلاني في فتح الباري: قوله "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت"٢، وفي رواية "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح"٣، قال الكلبي في تفسيره في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [سورة الملك آية: ٢]، قال: خلق الموت في صورة كبش، لا يمر على أحد إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس، لا تمر على أحد إلا حي. قال القرطبي: الحكمة في الإتيان بالموت هكذا، الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفدية كما فدي ولد إبراهيم بالكبش وفي "الأملح" إشارة إلى صفة أهل الجنة، لأن الأملح ما فيه بياض وسواد.
ثم قال ابن حجر: قال القاضي أبو بكر بن العربي: استُشكل هذا الحديث، فأنكر صحة هذا الحديث طائفة ودفعته، وتأولته طائفة فقالوا: هذا تمثيل ولا ذبح هناك، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح
_________________
(١) ١ أحمد (٢/ ١٨١). ٢ البخاري: الرقاق (٦٥٤٨)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٠)، وأحمد (٢/ ١١٨،٢/ ١٢٠). ٣ البخاري: تفسير القرآن (٤٧٣٠)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٩)، والترمذي: صفة الجنة (٢٥٥٨)، وأحمد (٣/ ٩).
[ ١ / ٢٠٩ ]
متولي الموت، وكلّهم يعرفه؛ لأنّه تولّى قبض أرواحهم.
(قلت): وارتضى هذا بعض المتأخّرين وحمل قوله هو الموت الذي وكلّ بنا على أنّ المراد به ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، واستشهد له من حيث المعنى بأنّ ملك الموت لو استمرّ حيًّا لنغص عيش أهل الجنة، وأيّده بقوله في حديث الباب: "فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النّار حزنًا إلى حزنهم". انتهى.
(قلت): ويكفي المؤمن اللّبيب الإيمان بالله ورسوله فيما لا يتبيّن له حقيقة معناه وظاهر الحديث لا إشكال فيه عند من نور الله قلبه بالإيمان وشرح صدره بالإسلام. والله ﷾ أعلم.
(فصل): وأمّا المسألة الثّامنة؛ وهي الرّهون التي كثر استعمالها في القرى والأمصار على غير الرّهن الشّرعي المستفاد من الكتاب والسّنة وخارجة عن حكمه المعروف. وذلك أنّه إذا احتاج الإنسان أخذ مال من آخر لا يعقد قرضه على سبيل الإباحة والتّراضي بل يدفع المحتاج إلى صاحب المال أرضه بالمخابرة والمزارعة بالعقد الشّرعي مقلدين من يقول بجوازها فيبذرها العامل ويأخذ نصف الغلة في مقابلة عمله وبذره، ويدفع لصاحب الأرض الشّطر الثّاني ويعمل الأرض مالكها ويجعل الأجر البذر، وكذا العمل لكلّ واحدٍ منهما شطر الغلة، وما تخرج تلك الأرض، وصاروا على ذلك خلفًا عن سلف. وحصل في هذه الأزمان الخوض في حكمها من علماء الزّمان منهم من حرم واستدلوا بأنّ المال دفع على سبيل القرض، وكلّ قرض جرّ منفعةٍ فهو ربا.
ومنهم من أجازها قائلين بأنّ المال لم يدفع بصيغة القرض، وربما كان المال دينا في ذمّة صاحب الأرض فعجز عن براءة ذمته وخلاص دينه تسمح نفسه ببيع أرضه ودخل في هذه المعاملة وقبلها صاحب الدّين. فعلى كلّ حال إنّ
[ ١ / ٢١٠ ]
المنفعة التي جعلها المفتي سببًا للحرمة مقابلة بمنفعة أخرى تساوي تلك المنفعة وأكثر منها، وهي البذر، وكلّ العمل فلم تكن منفعة لا يقابلها شيء. فإن قلتم بجوازها فذاك، وإن قلتم بحرمتها وبطلانها، فهل يسوغ لِمَن سَعَى في المخارجة بين صاحب المال وبين صاحب الأرض أي بتنجيم في أوقات اليسار كما ذكر البغوي في تفسير آية الرّبا أنّها نزلت في أربعة أخوة من ثقيف. ومع ذلك فالعجز ظاهر عن الوفاء بالمال حالًا ولولا الفقر والحاجة لم يدخلوا في هذه المعاملة؛ فالجواب مطلوب بعد إمعان النّظر وبيان حكم المسألة جوازًا أو تحريمًا.
(فالجواب) وبالله التّوفيق أنّ الله ﵎ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، [النّساء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، [البقرة: ٢٧٨].
وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". رواه أبو داود والتّرمذي وصحّحه.
قال علماؤنا -رحمة الله عليهم- بيّن -ﷺ- أنّه لا يحلّ أن يقرض الرّجل ويبيعه ليحابيه لأجل ذلك القرض وقد جاء عنه -ﷺ- وعن أصحابه -﵃ أجمعين- تحريم البيوع بعد عقد القرض قبل الوفاء.
فعن أنس بن مالك، أنّه سُئل عن رجلٍ يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدي إليه أو حمله على الدّابة فلا يركبها ولا يقبلها إلّا أن يكون بينه وبينه قبل ذلك". رواه ابن ماجه بإسنادٍ حسن.
وعن أبي بردة بن أبي
[ ١ / ٢١١ ]
موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال: إنك بأرض الربا فيها فاش، فإن كان لك على رجل حق فأهدى لك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت، فلا تأخذه؛ فإنّه ربا. رواه البخاري في صحيحه.
وروى مثله سعيد بن منصور في سننه عن أبي بن كعب، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.
وعن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: إنّي أقرضت رجلًا يبيع السّمك عشرين درهمًا فاهدى إلي سمكة فقومتها ثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذ منه سبعة دراهم. رواه سعيد في سننه، بإسنادٍ صحيحٍ.
وعن ابن عمر أنّه أتاه رجل فقال: إنّي أقرضت رجلًا بعيرًا فأهدى إليّ جزلة، فقال: ردّ إليه هديته، أو احسبها له. رواه سعيد أيضًا.
فإذا كان هذا فيما يتبرّع به المقترض بعد القرض، فكيف إذا تواطآ على التّبرّع؟! مثل أن يقرض مَن يعيره دراهم أو يرهنها عند مَن يأذن له في سكناها ١، أو يضاربه، بأقلّ من حقّ مثله، أو يبتاع منه الشّيء بأضعاف قيمته أو يكري داره بثلث كرائها، أو يدفع إليه شجره مساقاة بأضعاف جعل مثله. انتهى.
فتأمّل -رحمك الله- هذا الكلام بعين الإنصاف يتبيّن لك أنّ الرّهون التي تفعل عندكم لأجل المال الذي في ذمته فيصبر عليه وينظره ما دام يستغل الشّجر، أو الأرض هو حيلة على أكل الرّهن والانتفاع به لأجل القرض ولو لم يكن في ذمته ذلك المال لم يتركه يستغل أرضه، وربما تركها له بدون قيمة مثلها، فهذا هو المحاباة، وهو الرّبا الذي نصّ العلماء على تحريمه سواء سُمِّي ذلك المال قرضًا أو غيره، أو كان دينًا في ذمته، وكان أهل الجاهلية قبل الإسلام
_________________
(١) ١ لم يتقّدم في الكلام ذكر شيء يرجع إليه ضمير سكناها كالدّار، فلعلّه سقط من الكلام شيء بسهو النّساخ.
[ ١ / ٢١٢ ]
إذا كان لأحدهم دين على رجل إلى أجلٍ فحلّ الأجل قال له: إمّا أن تقضي، وإمّا أن تربي، فيزيده هذا في المال، ويزيده هذا في الأجل، فحرّم الله ذلك، فلولا أنّ الأرض أو الشّجر أو الدّار ينتفع بها لما صبر عليه وانظره.
وعن عمر بن الخطاب -﵁- أنّ النَّبِيّ -ﷺ- قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشّحوم فجمّلوها فباعوها". متّفق عليه.
قال الخطابي -﵀- (جمّلوها) معناه: أذابوها حتى تصير ودكًا فيزول عنه اسم الشّحم.
وفي هذا الحديث بيان إبطال كلّ حيلةٍ يحتال بها للتّوسل بها إلى محرّم، وأنّه لا يتغيّر حكمه بتغيّر هيئته وتبديل اسمه. وأمّا إن كان صاحب المال لا يقدر على وفائه فينجمه عليه صاحب الدّين بقدر غلة أرضه كلّ سنةٍ، ويأخذ الغلة ويحسبها بسعر يومها فلا بأس بذلك إذا خلت عن المحاباة. والله ﷾ أعلم.
(١٢)