بسم الله الرّحمن الرّحيم
وبه نستعين ولا حول ولا قوّة إلّا الله.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾، [الكهف: ١]، ورفع لِمَن ائتم به فأحلَّ حلاله، وحرّم حرامه في مراقي السّعادة درجًا، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة مَن حقّقها فاز ونجا، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله الذي مَن استمسك بهديه نال من التّوفيق فلجا وبلجا، اللهم صلّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الذين مَن اقتدى بهم سما بالعلم وابتهجا، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أمّا بعد؛
فلما كان الواجب على المسلمين، خصوصًا منَ ينسب للعلم منهم والدّين، أن يهتمّ بما عليه من النّصيحة لله تعالى وعباده على وفق شرعه ومراده، وجهت بعض الهمة إلى بيان ما لعلّه أن يكون عونًا لِمَن أراد الله به خيرًا على التّعاون على البرّ والتّقوى، والتّواصي بالحقّ الذي هو أقوم وأقوى،
[ ١ / ٣٣١ ]
والله أسأل أن يكون ذلك مؤسّسًا على الإخلاص، وإرادة النّصيحة والسّلامة للمسلمين والخلاص.
فأقول -مستمدًا من الله تعالى العون والتّأييد، والتّوفيق والتّسديد- إن مما كثر البحث عنه والسّؤال، وعمت به البلوى بين العوام من الجهال، الاعتياض بالنّقود المسمّاة بالجدد عن الرّيال، وقد ورد علينا ونحن بالدّيار المصرية، من بعض أعيان بلادنا النّجدية، كتاب يتضمن السّؤال عن ذلك، ويستدعي الجواب عمّا وقع هنالك.
فأجاب شيخنا شيخ الإسلام، خاتمة الأئمة الأعلام عبد الله بن الشّيخ الإمام القدوة الدّاعي شيخ الكلّ محمّد بن عبد الوهّاب -أجزل الله لهم الأجر والثّواب- بما حاصله: إذا كان يعرف بين أهل الخبرة والاستعمال، أن يبذل من هذا النّقد في الرّيال، يشتمل من الفضّة على أكثر مما فيه منها فهو ربا بلا إشكالٍ، وكذا إذا كانت الزّيادة من الفضّة أو المساواة يتطرّق إليهما الاحتمال، فهو من الرّبا باتّفاق أهل النّظر والاستدلال؛ لأنّ من أصول هذا الباب، عند ذوي العقول والألبان، أنّ الجهل بالتّماثل كالعلم بالتّفاضل بغير شكّ ولا ارتياب.
ولما يسّر الله تعالى رجوعي من تلك الدّيار، وحصل لي بالوطن مكث واستقرار، رأيت أنّ ما يتعيّن علي تنبيه إمام المسلمين -وفّقه لطاعته- بأن يصرف الهمة إلى منهج الصّواب والسّداد، لما في ذلك من صلاح البلاد والعباد فبادر إلى ما أشرت إليه، أيّده الله ووالى نعمه وإحسانه عليه، فدفع إلى مَن يرضى أمانته عشرين من تلك النّقود، وأمره أن يختبر ما فيها من الفضّة بالسّبك على الوجه المعهود، وأشار إلى مملي هذه الأوراق بالحضور، ليكون ذلك من قبيل المعلوم المشهور، فحضرت تصفيتها مع ذلك الثّقة المأمور،
[ ١ / ٣٣٢ ]
فحصل من العشرين خمسة بزنة المثقال، وهذا القدر لا يزيد على ما في الرّيال منها ولا ينقص بحال، فأفتيت بعد ذلك التّحرير والاختبار، بأنّ هذه المصارفة لا تحلّ إذا زادت الجدد عن ذلك المقدار.
ولما كانت أكثر النّفوس لا تقبل الحقّ إلّا إذا كان في قالب هواها، وتميل بالطّبع إلى أن تؤتى شهوتها ومناها، شرعت في إيضاح هذا الحكم المذكور، وإن كان عند أهل العلم في غاية الظّهور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، [النّور، من الآية: ٤٠]. فهذه براهين الكتاب والسّنة تملَى عليك، وبنات أفكار أهل التّحقيق تجلى وتزف إليك، والله أرجو أن يجعلنا مِمَن يقبل الحقّ إذا ورد عليه، وينقاد للهدى إذا دعي إليه.
اعلم -وفّقنا الله وإيّاك- أنّ الله تعالى نهى عباده عن أكل الرّبا وأنزل بتحريمه القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيمٍ حميدٍ، وزجر عنه عباده بضروبٍ من التّحذير والتّهديد، والوعيد الشّديد. فقال -عزّ من قائلٍ-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾، [البقرة، الآيتان: ٢٧٥ - ٢٧٦].
قال ابن عبّاس في معنى الآية آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخفق. رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، [البقرة، من الآيتين ٢٧٨ - ٢٧٩]- إلى قوله -: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، [البقرة: ٢٨١]. قال البخاري -﵀
[ ١ / ٣٣٣ ]
تعالى- في صحيحه: قال ابن عبّاس هذه آخر آية نزلت على رسول الله -ﷺ- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، [آل عمران، من الآية: ١٣٠]. إلى غير ذلك من الآيات المحكمات.
وقد جاءت السّنة الصّحيحة بالزّجر عنه والتّحذير وإيضاح، ما أجمل منه بالبيان والتّفسير. عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "اجتنبوا السّبع الموبقات -قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال-: الشّرك بالله، وقتل النّفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل اليتيم والتّولي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي.
وعن جابر بن عبد الله - ﵁ قال: "لعن رسول الله -ﷺ- آكل الرّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه". وقال: "هم سواء". رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدّسة فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمّ فيه رجل قائم وعلى شطّ النّهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرّجل الذي في النّهر فإذا أراد أن يخرج رمي الرّجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النّهر آكل الرّبا". رواه البخاري في صحيحه.
وعن ابن عبّاس -﵂- قال: نهى رسول الله -ﷺ- أن تشترى الثّمرة حتّى تطعم، وقال: "إذا ظهر الزّنا والرّبا في قريةٍ فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله". رواه الحاكم. وقال: صحيح الإسناد.
وفي حديث الإسراء أنّ رسول الله -ﷺ- مرّ ليلتئذٍ بأقوام لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل هؤلاء أكلة الرّبا. رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "يأتي على النّاس زمان
[ ١ / ٣٣٤ ]
يأكلون فيه الرّبا". قال: قيل له: النّاس كلّهم؟ قال: "مَن لم يأكله منهم ناله من غباره". رواه الإمام أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه.
وعن ابن مسعود -﵁- عن النَّبِيّ -ﷺ- أنّه قال: "الرّبا ثلاثة وسبعون بابًا". رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وزاد: "أيسرها أن ينكح الرّجل أمّه وأن أربى الرّبا عرض الرّجل المسلم". وقال على شرط الشّيخين ولم يخرجاه ورواه محمّد بن نصر موقوفًا عن ابن مسعود قال: "الرّبا بضع وسبعون بابًا والشّرك نحو ذلك". رواه أيضًا عن أبي هريرة موقوفًا قال: "الرّبا سبعون حوبًا أدناهن مثل ما يقع الرّجل على أمّه وأربى الرّبا استطالة المرء في عرض أخيه". وروي أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا قال: "ليأتين على النّاس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلّ أو بحرام". ورواه البخاري. ولفظه: "لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام".
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلّا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلّا مثلاص بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز". رواه مالك والبخاري والنّسائي. وللبخاري: "الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح سواء بسواء مَن زاد أو ازداد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء".
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه -﵄- أنّ أبا سعيد حدّثه مثل ذلك حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلقيه عبد الله بن عمر فقال يا أبا سعيد ما هذا الذي تحدّث عن رسول الله -ﷺ-؟ فقال أبو سعيد في الصّرف؟ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الذّهب بالذّهب مثلًا بمثل، والورق بالورق مثلًا بمثلٍ". رواه البخاري.
وقال محمّد بن نصر المروزي: حدّثنا إسحاق بن
[ ١ / ٣٣٥ ]
إبراهيم أنا روح بن عبادة حدّثنا حبان بن عبد الله العدوي، وكان ثقة قال: سألت أبا مجلز عن الصّرف فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأسًا زمانًا ما كان يدًا بيد فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى ألا تتقي الله حتّى متى تُوكل النّاس الرّبا؟ أما بلغك أنّ رسول الله -ﷺ- قال وهو عند زوجته أم سلمة: "إنِّي لأشتهي تمر عجوة". فبعث بصاعين فأتى بصاع عجوة. فقال: "من أين لكم هذا؟ ". فأخبروه فقال: "ردّوه؛ التّمر بالتّمر، والحنطة بالحنطة، والشّعر بالشّعير، والذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، يدًا بيدٍ، عينًا بعينٍ، مثلًا بمثل، فما زاد فهو ربا". ثم قال: "وكذلك ما يكال أو يوزن أيضًا".
فقال ابن عبّاس جزاك الله الخير يا أبا سعيد ذكّرتَنِي أمرًا كنت نسيبته فأستغفر الله وأتوب إليه. قال فكان ينهى عنه بعد. قال روح: وكان حبان رجل صدوق.
وعن عبادة بن الصّامت -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- "ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح إلّا سواء بسواء، عينًا بعينٍ". رواه مسلم.
وعن أبي هريرة -﵁- عنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الذّهب بالذّهب وزنًا بوزنٍ مثلًا بمثلٍ، والفضّة بالفضّة وزنًا بوزنٍ مثلًا بمثلٍ، فَمَن زاد أو استزاد فقد أربى". رواه مسلم والنّسائي.
وعن أبي بكرة -﵁- قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن الفضّة بالفضّة، والذّهب بالذّهب، إلّا سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذّهب بالفضّة كيف شئنا والفضّة بالذّهب كيف شئنا". رواه البخاري والنّسائي. وله في رواية: "نهانا رسول الله -ﷺ- أن نبيع الفضّة بالفضّة إلّا عينًا بعينٍ سواء بسواء".
وعن مجاهد أنّه قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا
[ ١ / ٣٣٦ ]
عبد الرّحمن إنِّي أصوغ الذّهب ثم أبيع الشّيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي فنهاه عبد الله عن ذلك فجعل الصّائغ يردّد عليه المسألة وعبد الله ينهاه حتّى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدّينار بالدّينار، والدّرهم بالدّرهم، لا فضل بيهما، هذا عهد نبيّنا إلينا وعهدنا إليكم. رواه مالك والنّسائي.
وعن سعيد بن المسيّب عن بلال قال: كان عندي تمر دون فابتعت به من السّوق تمرًا أجود منه بنصف كيله، فقدمته إلى رسول الله -ﷺ- فقال: "ما رأيت كاليوم تمرًا أجود منه. من أين لك هذا يا بلال؟ ". قال: فحدّثته بما صنعت فقال: "انطلق فردَّه إلى صاحبه وخذ تمرك فبعه بحنطةٍ أو شعيرٍ واشتر به من هذا التّمر". قال: ففعلت ثم أتيت به، ثم قال رسول الله -ﷺ-: "التّمر بالتّمر مثلًا بمثلٍ، والملح بالملح مثلًا بمثلٍ، والذّهب بالذّهب وزنًا بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزنًا بوزنٍ، فما كان من فضل فهو ربا". رواه الإمام محمّد بن نصر المروزي.
فتضمنّت هذه النّصوص تحريم بيع الجنس من هذه الأجناس السّتة ونحوها بجنسه ما لم تعلم مساواته للآخر. وفرّق النَّبِيّ -ﷺ- بين الحلال والحرام بقوله: "مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، سواء بسواء، وزنًا بوزنٍ، عينًا بعينٍ". وأكّد ذلك بقوله: "فما كان من فضل فهو ربا". وبقوله: "فما زاد فهو ربا". وبقوله: "فمَن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء". فليس فوق هذا البيان بيان، وبهذا يعلم أنّ الصّور في بيع الجنس الرّبوي بجنسه ثلاث.
(صورة) منها: تحلّ وهي ما إذا علم التّماثل وحصل التّقابض في المجلس.
و(صورتان) لا تحلّ وهما: ما إذا جهل التّماثل أو علم
[ ١ / ٣٣٧ ]
التّفاضل. وعلى هذا دلّت الأحاديث الصّحيحة وبه صرّح العلماء -رحمهم الله تعالى-.
قال ابن حزم -﵀-: وافترض رسول الله -ﷺ- أن لا يباع الذّهب أو الفضّة بشيءٍ من نوعه إلّا عينًا بعينٍ، وزنًا بوزنٍ، أن لا يباع شيء من الإنصاف الأربعة بشيء من نوعه إلّا كيلًا بكيلٍ وعينًا بعينٍ، فإذا بَانَ في أحد الأنواع المذكورة خلط شيء مضاف إليه فلا سبيل إلى بيعه بشيء من نوعه عينًا بعينٍ، ولا كيلًا بكيلٍ، ولا وزنًا بوزن؛ لأنّه لا يقدر على ذلك أصلًا. انتهى.
وقال العماد بن كثير في تفسيره قال الفقهاء الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. انتهى.
وهذا الذي حكاه العماد عن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- يكفينا عن تتّبع أقوالهم. وقال في الشّرح الكبير: وأمّا ربا الفضل فيحرم في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بيع بجنسه وإن كان يسيرًا، وإن لم يأت فيه المكيل أو الوزن إمّا لقلته كالحبّة والحفنة أو ما دون الأرزة من الذّهب والفضّة أو كثرته كالصّبرة العظيمة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ ذلك لا يجوز إذا كان من جنسٍ واحدٍ، وفي الكافي وغيره: الرّبا في كلّ ما كان جنسه مكيلًا أو موزونًا. وإن تعذر الكيل فيه والوزن إمّا لقلته كالثّمرة والقبضة وما دون الأرزة من الذّهب والفضّة، وإمّا لعظمه كالزّبرة العظيمة وإمّا للعادة كلحم الطّير؛ لأنّه من جنس فيه الرّبا. وفي المنتهى: يحرم ربا فضل في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه، وإن قلّ كتمرة بتمرة. قال المحشي: قوله وإن قلّ، لعدم العلم بالتّساوي. انتهى.
وفي الكافي: وما جرى الرّبا فيه اعتبرت فيه المماثلة في المكيل كيلًا وفي الموزون وزنًا، لقول النَّبِيّ -ﷺ-: "الذّهب بالذّهب وزنًا بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزنًا بوزنٍ،
[ ١ / ٣٣٨ ]
والبرّ بالبرّ كيلًا بكيلٍ، والشّعير بالشّعير كيلًا بكيلٍ". رواه الأثرم. قال: ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زوان بخالصة أو غير خالصة، ولبن مشوبٍ بخالصٍ أو مشوب أو عسل بشمعه بمثله إلّا أن يكون الخلط يسيرًا لا وقع له كيسير التّراب والزّوان الذي لا يظهر في المكيل ولا يمكن التّحرّز منه. انتهى.
قلت: فتأمّل كيف أفاد أنّ ما يخل من الخلط بالتّماثل يمنع من بيع الجنس بجنسه، وهو صريح كلام الجميع ولا يخفى أنّ النّحاس المخالط للفضّة في الجدد يخل بالتّماثل، وما يخل بالتّماثل لا يجوز، ومن نظائرها ما نصّ عليه في شرح المغني والكافي وغيرهم من أنّه لا يجوز بيع الزّبد بالسّمن، قالوا: لأنّ في الزّبد لبنًا يسيرًا يحيل التّماثل.
قلت: فإذا كان الخلط اليسير من اللّبن في الزّبد يحيل التّماثل، فالنّحاس مع الفضّة من باب أولى؛ لكونها أصلًا وذاك فرع. فإن قال قائل: إنّ الفضّة فيها تبع قلت: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: أنّه لا قيمة للنّحاس الذي فيها إذ لو وصفت الفضّة عنه لعاد خبثًا.
الثّاني: إنّ الفضّة أصل في باب الرّبا وفي التّمنية وهو فرع فيهما فلا يجعل ما هو أصل تبعًا لفرعه. وأيضًا فالفضّة جوهر ثمين فلا تكون تابعة لما ليس كذلك. قال ابن حزم: وحبّة ذهبٍ أو فضّةٍ لها بال عند المساكين نعم وعند التّجار وعند أكثر النّاس ولا يحلّ أن يزيدهما في الموازنة. انتهى. وبما أسلفته من الأحاديث يبطل هذا الاعتراض. فإن قيل: قد جوّز الفقهاء درهمًا فيه نحاس بنحاس واختلاف.
قلت: هذا عليكم لا لكم؛ لأنّ الفضّة ليست من جنس النّحاس واختلاف الجنس لا يمنع التّفاضل بالاتّفاق. وأمّا ما كان من النّحاس في
[ ١ / ٣٣٩ ]
الدّرهم فقد أخرجته الصّنعة عن أصله وما أخرجته الصّنعة مما أصله الوزن فلا يجري فيه الرّبا غير الذّهب والفضّة نصّ عليه في المنتهى.
فإن قيل: قد أجازوا بيع درهم بمساويه في غشّ؟
قلت: هذا أيضًا من الحجّة عليكم؛ لأنّه لا سبيل إلى العلم بتساوي الدّرهمين المتساويين وزنًا في الغشّ إلّا من جهة العلم بتساويهما في الفضّة وبالعلم بالتّساوي يزول المانع بخلاف مسألتكم فإنّ التّساوي فيها غير معلوم.
فإن قيل: قد رأيناهم جوّزوا بيع التّمر فيه النّوى بمثله؟
قلت: هو كذلك، ولكنّه قد اشتمل على شيئين بأصل الخلقة، وما اشتمل على شيئين كذلك جاز. نصّ عليه في الكافي وغيره، ففارقت هذه المسألة، وقد نصّ الفقهاء -﵏- على أنّه لو نزع النّوى من التّمر لم يجز بيع التّمر المنْزوع منه النّوى بتمرٍ فيه نوى سواء ترك معه أو لا. ومسألتكم أولى بالمنع ولا بدّ. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- قد صرّح في الفتاوى المصرية أنّها إذا كانت الفضّة المغشوشة أكثر من المفردة فإنّه لا يجوز بيع أحدهما بالأخرى، وهي مسألتكم بعينها. وعلى المنع منها اتّفق العلماء ﵏.
وأمّا مسألة مدّ عجوة ودرهم التي منع الجمهور منها فللبطلان فيها مأخذان:
أحدهما: سدّ ذريعة الرّبا في كلام الإمام إيماء إلى ذلك.
الثّاني: وهو مأخذ القاضي وأصحابه أنّ الصّفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثّمن على قيمتها. وهذا يؤدّي هنا إمّا إلى يقين التّفاضل، وإمّا إلى الجهل بالتّساوي، وكلاهما مبطل للعقد؛ فإنّه إذا باع درهمًا ومدا يساوي درهمين بمدّين يتساويان ثلاثة، فالدّرهم في مقابلة ثلثي مدّ ويبقي مدّ في مقابلة مدّ وثلث وذلك ربا. فلو فرض التّساوي كمدّ يساوي درهمًا ودرهم بمدّ يساوي درهمًا ودرهمٍ لم يصحّ أيضًا؛ لأنّ التّقويم ظنّ وتخمين فلا تتحقّق معه المساواة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل. انتهى. عثمان عن م ص.
وأجازها أبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه وعليه فلا تشبه هذه المسألة بحالٍ، فإنّ المجوّزين لها اشترطوا شروطًا لم يوجد واحد منها في هذه المسألة، فمنها: أنّهم يشترطون أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره وبعضهم اشترط أن يكون الزّائد يسيرًا بقدر قيمة ما مع الجنس. وهذا الثّاني نصّ عليه الشّيخ تقيّ الدّين -﵀- في الفتاوى المصرية. فقال: إذا كانت الفضّة المفردة أكثر من الفضّة المغشوشة بشيءٍ يسيرٍ بقدر النّحاس فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء. انتهى.
فأفهم كلامه أنّه إذا لم توجد القيود الثّلاثة امتنع الجواز، وذلك في أربع صور:
إحداها: أن لا تكون المفردة أكثر وذلك بأن علم أنّها أقل أو جهل وأن تكون أكثر بشيء غير يسير أو بيسير أكثر من قيمة النّحاس ومسألتكم لا تخرج عن هذه الأربع فلا تجوز.
ومن المتأخّرين كصاحب المستوعب مَن يشترط في مسألة مدّ عجوة إذا كان مع كلّ واحدٍ من غير جنسه من الجانبين التّساوي جعلًا لكلّ جنس في مقابلة جنسه. قال في الإنصاف وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره لاسيما مع اختلافهما في القيمة. انتهى.
واشترطوا أيضًا أن لا يكون حيلة على الرّبا. وبعضهم اشترط أن لا يكون الجنس الذي مع غيره مقصودًا كالسّيف المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. وعلى كلٍّ فالمجوّزون لمسألة مدّ عجوة محجوجون عند الجمهور بما تقدّم من الأحاديث، وبما في السّنن وغيرها من حديث فضالة بن عبيد. قال أبو داود (باب في حلية السّيف) تباع بالدّرهم والقلادة فيها الذّهب والفضّة حدّثنا محمّد بن عيسى وأبو بكر
[ ١ / ٣٤١ ]
ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالوا: حدّثنا ابن المبارك وحدّثنا ابن العلاء أنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد حدّثنِي خالد بن أبي عمران عن فضالة بن عبيد، قال: أُتِيَ النَّبِيّ -ﷺ- عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النَّبِيّ -ﷺ-: "لا حتّى تميّزوا بينهما". قال ابن حزم: فهذا رسول الله -ﷺ- لم يكتف بنيّته في أنّه إنّما كان غرضه الخرز ويكون الذّهب تبعًا ولا راعى كثرة من قلّة وواجب التّمييز في الموازنة ولا بدّ. انتهى.
قال الشّيخ: فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسألة. وقد أتينا في هذه الرّسالة بما لعلّك لا تجده مجموعًا في غيرها. وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وصلّى الله على عبده ورسوله محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- ٦ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم