بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله، وعلي، وحمد إلى من يراه من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد): قال الله -تعالى -: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذّاريات: ٥٥]، فالمؤمن إذا ذُكّر تذكر، وإذا وُعِظ انتفع بالموعظة، وعمل بمقتضاها. وأميركم-جزاه الله خيرا- نصحكم، ووعظكم، وأبدى، وأعاد؛ ومع ذلك لم ينتفع بالموعظة إلا القليل، والله -تعالى- قد ذكر عن الكفار أنهم لا ينتفعون بالذكرى، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصّافات: ١٣]، ومن سمع المواعظ، ولم ينتفع بها فقد شابه الكفار في بعض أحوالهم؛ وذلك دليل على عدم معرفة الله، وخشيته، لأن المؤمن إذا ذُكّر انْتَفع، كما قال -تعالى-: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠].
والغلول قد عظم الله أمره، وأخبر في كتابه أن صاحب الغلول يأتي به يوم القيامة، قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ
[ ١ / ١٧ ]
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران من الآية: ١٦١].
وجاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالتغليظ الشديد، والوعيد الأكيد، على من غل شيئا من المغنم: قليلا كان، أو كثيرا.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، وعظمه، وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء؛ يقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك". وعن عبد الله بن بريدة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن الحجر يرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفا ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل: ائت به"فذلك قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران من الآية: ١٦١]، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ- حين صدر من حنين: "أدوا الخياط والمخيط؛ فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة "١، وعن أبي هريرة ﵁ قال:
"خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله عليه، ثم انطلقنا إلى الوادي
_________________
(١) ١ النسائي: الهبة (٣٦٨٨).
[ ١ / ١٨ ]
- يعني: وادي القرى-، ومع رسول الله ﷺ عبد له، فلما نزلنا، قام يحل رحله، فرُمي بسهم كان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، التي أخذها من المغانم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم. قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ: شراك أو شراكان من نار "١، وعن أبي حازم قال: "أتي النبي ﷺ بنطع من الغنيمة، فقيل: يا رسول الله، هذا لك تستظل به من الشمس. فقال: أتحبون أن يستظل نبيكم بظل من نار؟ "، وعن عبد الله بن عمرو قال: "كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركره، فمات، فقال رسول الله ﷺ: هو في النار؛ فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها"٢.
فالأحاديث في النهي عن الغلول، والتشديد على من فعله كثيرة جدا.
فاتقوا الله عباد الله، وتعاونوا على البر والتقوى، وتناصحوا فيما بينكم، واذكروا زوال الدنيا، وسرعة انقضائها، وليحذر الناصح لنفسه أن يلقى الله وقد غذّى جسمه بالحرام؛ ففي الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أيّما لحم نبت على سحت كانت النار أولى به"٣.
والله-سبحانه- فرض على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم من لا يفعل ذلك، فقال -تعالى-: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
فمن علم عند أحد شيئا من المغنم، فلينصحه، وليأمُرْهُ بأدائه؛ فإن لم يفعل، فليرفع حاله إلى الأمير، فإنه إذا سكت عن الغالّ كان شريكا له في الإثم.
ففي الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من كتم غالّا فإنه مثله"٤.
ولا عذر لأحد- ولله الحمد- في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والغلول قد فشا في الناس، واشتهر؛ والمعصية إذا خفيت صار وبالها على من فعلها، فإذا
_________________
(١) ١ البخاري: المغازي (٤٢٣٤)، ومسلم: الإيمان (١١٥)، والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٢٧)، وأبو داود: الجهاد (٢٧١١)، ومالك: الجهاد (٩٩٧). ٢ البخاري: الجهاد والسير (٣٠٧٤)، وابن ماجه: الجهاد (٢٨٤٩)، وأحمد (٢/ ١٦٠). ٣ الترمذي: الجمعة (٦١٤). ٤ أبو داود: الجهاد (٢٧١٦).
[ ١ / ١٩ ]
ظهرت، ولم تُنْكَرْ ضرت العامة. نعوذ بالله وإياكم من زوال نِعَمِهِ، وحلول ِنقَمِهِ. والله -تعالى، وله الحمد- قد أعطاكم ما تحبون، وصرف عنكم ما تكرهون؛ فكونوا ممن يُحْدِثُ عند النعمة شكرًا، فإن الله وعد الشاكرين المزيد من فضله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
والمعاصي سبب لتغيير النعم كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرّعد من الآية: ١١].
وكثير من الناس يتأول في الغنيمة تأويلات فاسدة، منها: استرخاص الإمام، أو طلبه منها، ويظن أن الإمام إذا أرخص له، أو طلبه فأعطاه أن الغنيمة تحل له بذلك، والأمير لا يحلل الحرام، وربما يجوز للإمام أن يعطي، ولا تحل العطية لمن أخذها؛ فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأعطي الرجل العطية، فيخرج بها يَتَأَبّطُهَا نارًا" ١ أو كما قال ﷺ.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على من قدر عليه من جميع الرعية، وهو في حق الإمام أعظم؛ فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين، بل يجب عليه القيام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على القريب والبعيد، ويؤدب الغالّ بما يردعه، وأمثاله عن الغلول من أموال المسلمين.
وقد روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فاحرقوا متاعه واضربوه"٢، وعن عمرو بن شُعيب قال: "إذا وجدتم الغلول عند الرجل أُخِذ وجُلِد مائة، وحُلِق رأسه ولحيته، وأُخِذ ما كان في رحله من شيء إلا الحيوان وأُحْرِق رحله؛ ولم يأخذ سهما في المسلمين أبدا. قال: وبلغنا أن أبا بكر، وعمر كانا يفعلانه".
فالواجب على الإمام القيام على الناس في الآداب البليغة
_________________
(١) ١ البخاري: الزكاة (١٤٧٨)، ومسلم: الإيمان (١٥٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٢)، وأبو داود: السنة (٤٦٨٣،٤٦٨٥)، وأحمد (١/ ١٧٦،١/ ١٨٢). ٢ الترمذي: الحدود (١٤٦١)، وأبو داود: الجهاد (٢٧١٣)، والدارمي: السير (٢٤٩٠).
[ ١ / ٢٠ ]
التي تزجر عن المعاصي؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ومن سمع المواعظ والزواجر من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فلم يرتدع ولم ينْزجر، استحق العقوبة البليغة التي تزجره عن فعل المنكرات وتعاطى المحرمات.
والغلول قد فشا وظهر، واشتهر وكثير من الناس لا يعده ذنبا، ولا ينقص الغالّ عند من لا يغل، ولا يسقط من أعين الناس مثل سقوط السارق ونحوه ممن يفعل الكبائر؛ والغلول من الكبائر المحرمة التي حرمها الله ورسوله. وهذا الذي ذكرناه نصيحة لكم؛ نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بمواعظه؛ ومن لم ينتفع فقد أُعْذِرنا منه بالنصيحة، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون.
(٣)