الأولى: في البدو إذا كان معهم أهلهم ومالهم ويتّبعون المرعى حيث وجدوه ويتّبعون الماء من أرضٍ إلى أرضٍ، فهل هم مقيمون والحالة هذه أم يجوز لهم التّرخّص كالمسافر؟
فالجواب: إنّا لا نجعلهم كالمقيمين أبدًا، ولا مسافرين مطلقًا، بل هذا محلّ تفصيل، فأمّا إذا نزلوا منْزلًا ونووا استيطانه، ما دام المرعى فيه، أو نووا الإقامة فيه وقتًا دون وقتٍ أو نزلوا على ماء ونووا الإقامة عليه ما وجدوا لدوابهم مرعى أو نووا الإقامة على هذا الماء وقتًا دون وقتٍ، فهم والحالة هذه مقيمون تثبت لهم أحكام الإقامة، ولا يستبيحون رخص السّفر؛ لأنّ هذا هو الاستيطان في حقّ هؤلاء، والعرف يشهد بذلك.
وأمّا إذا ظعنوا في هذه المسائل وما أشبهها إلى منْزل آخر، أو من ماء إلى ماء، وما بين المنْزلين، أو المائين مسيرة يومين قاصدين فإنّهم حينئذٍ يكونون مسافرين؛ لأن هذا يُسَمَّى سفرًا في حقّ هؤلاء. وكلام صاحب الإقناع على سبيل التّمثيل لا الحصر. وقد ذكروا في الملّاح الذي معه أهله وليس له نيّة الإقامة ببلدانه ليس له التّرخص فيعتبر في السّفر المبيح كونه منقطعًا لا دائمًا، ولا بدّ مع ذلك من اجتماع أمرين: أن يكون البدوي معه أهله، وأن ينوي الإقامة في موضعٍ، فإن اختل شرط منهما أبيح له رخص السّفر،
[ ١ / ٢٥٠ ]
فالبدوي بمنْزلة الملّاح في السّفينة، كما أنّ الملّاح لو نوى الإقامة وهو في سفينة في موضعٍ من البحر ثم سافر إلى موضع آخر لحمل متاع أو غيره حكمنا بأنّه مسافر، ولو كان أهله معه، وهذا هو الذي يظهر لنا، ونفهم من معنى كلام الله ورسوله؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٠١].
وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، [البقرة، من الآية: ١٨٤].
أطلق ﷾ للمسافر قصر الصّلاة والفطر في رمضان، ولم يخصّ في ذلك القروي دون البدوي، ولا مَن معه أهله دون مَن ليس معه أهله، ولا نعلم فيما ذكرنا خلافًا بين أهل العلم.
المسألة الثّانية: إذا أعطى الوالد ولده عطية وقبضها ثم مات قبل الرّجوع والتّسوية هل للإخوة الذين لم يعطوا الرّجوع عليه بعد موت المعطي أم لا؟
الجواب: الذي عليه أكثر أهل العلم، وهو الرّاجح عند كثير من الحنابلة وغيرهم أنّها تثبت للمعطى ولا يرجع عليه الذين لم يعطوا شيئًا. ويكون الإثم على الوالد، وهذا هو الذي كان يفتي به شيخنا -رحمه الله تعالى-.
والقول الثّاني: أنّهم يرجعون على المعطى ويكونون فيها سواء، وهذا اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، وهو أقرب إلى ظواهر الأدلّة. والله أعلم.
الثّالثة: عندنا امرأة أعطت أولادها الذّكور عطية دون البنات بزعم البنات .. الخ وهل الأم كالأب في وجوب التّسوية؟
فالجواب: كلام الشّارع -ﷺ- في وجوب التّسوية شامل للأم، فإن كانت المرأة تزعم أنّها معطية البنات مثل ما أعطت الأولاد، وأمكن صدقها فحسن، ولا تعرضوا لها بشيء، فإن ثبت عندكم بأمارة أنّها بارّة الأولاد
[ ١ / ٢٥١ ]
وقاطعة البنات لزمكم أن تلزموها مثل ما أعطت الأولاد، أو على قدر ميراثهم للذّكر مثل حظّ الأنثيين على ظاهر كلام أحمد وغيره من أهل العلم.
فإن ادّعت بغير ذلك وزعمت أنّها ما أعطتهم هذا العطاء الجزيل إلّا لأجل أنّ عندها لهم شيئًا أو غير ذلك من الأعذار التي يمكن معها صدقها، فإن كانوا قد خلصوا عند أخوي حسين أو غيره فلا تعرضوا لهم.
الرّابعة: إذا فضل الوالد في صحّته بإذن الذين لم يفضلوا بعض الأولاد هل يصحّ هذا أم لا؟
الجواب: الذي يظهر لي صحّة ذلك إذا أذنوا بطيب نفس ورضيها؛ لأنّ الحقّ لهم في ذلك كما أنّه لا يجوز الوصية بزيادة على الثّلث إلّا بإذن الورثة. والله أعلم.
الخامسة: هل المفتَى به عندكم التّفرقة بين المملوكة وولدها بعد البلوغ أم لا؟
الجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وأنا أذكر لك المسألة وكلامهم فيها حتى يتبيّن لك وجه الصّواب إن شاء الله تعالى.
قال في الشّرح الكبير: ولا يفرق في البيع بين ذي رحم محرم إلّا بعد البلوغ على إحدى الرّوايتين، وأجمع أهل العلم على أنّ التّفرقة بين الأم وولها الطّفل غير جائز، ثم ذكر الدّليل والتّعليل، ثم قال: ولا فرق بين أن يكون الولد بالغًا أو طفلًا في ظاهر كلام الخرقي وإحدى الرّوايتين؛ ولعموم الخبر؛ ولأنّ الوالدة تتضرّر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد إلّا بإذنها.
قال في الإنصاف: وهو المذهب، وجزم به في المنور وناظم المفردات، وهو منها واختاره ابن عبدوس وقدمه في المحرر وغيرها.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قال الشّارح (والرّواية الثّانية) يختصّ تحريم التّفريق بالصّغير، وهو قول الأكثرين منهم: مالك، والأوزاعي، واللّيث، وأبو ثور، وهو قول الشّافعي؛ لأنّ سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النَّبِيّ -ﷺ- فوهبها له، ولم ينكر التّفريق بينهما. ولأنّ الأحرار يتفرّقون بعد الكبر فإنّ المرأة تزوّج ابنتها وتفارقها، فالعبيد أولى انتهى. قال في الإنصاف: الثّانية: يجوز التّفريق ويصحّ البيع جزم به في العمدة، والوجيز، قال النّاظم: وهو أولى انتهى.
وهذا الحديث الذي احتجوا به نصّ في جواز التّفرقة بينهما بالهبة بعد البلوغ والبيع مثله إن شاء الله تعالى. وهو حديث صحيح ثابت. رواه مسلم وغيره، وهو الأصح عندنا.
قال في الإنصاف: حكم التّفرقة في القسمة وغيرها كأخذه بجناية والهبة والوصية والصّدقة وغيرها حكم البيع على ما تقدّم، ولا يحرم التّفريق بالعتق ولا بالافتداء بالأسرى على الصّحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. قال الخطابي: لا أعلمهم يختلفون في العتق؛ لأنّه لا يمنع من الحضانة.
السّادسة: هل الحكم يختصّ بالأم أم يعمّ ذلك كلّ ذي رحم محرم كالأب والأخ ونحوهما؟
الجواب: قال في الشّرح: ولا يجوز التّفريق بين الأب وولده، وبه قال أصحاب الرّأي، والشّافعي. وقال مالك واللّيث: يجوز. وبه قال: بعض الشّافعية؛ لأنّه ليس من أهل الحضانة بنفسه. ولأنّه لا نصّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص؛ لأنّ الأم أشفق منه. ولنا أنّه أحد الأبوين أشبه الأم، ولا نسلم أنّه من أهل الحضانة. انتهى.
قال في الإنصاف: لا يجوز التّفريق بين ذوي محرم هذا المذهب، وعليه الأصحاب. قال في المغني: وتبعه في الشّرح. قاله
[ ١ / ٢٥٣ ]
أصحابنا غير الخرقي. وجزم به في الفروع والرّعايتين والحاويين وغيرها، فيدخل في ذلك العمة مع ابن أخيها، والخالة مع ابن أختها. وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بالأبوين، والجدّين، والأخوين ونصّره في المغني، والشّرح. وظاهر كلام المصنّف تحريم التّفريق ولو رضي به، وهو صحيح نصّ عليه أحمد. انتهى.
واحتجّ في الشّرح على تحريم ذلك بين الأخوة بحديث عليّ في الغلامين الأخوين فلما باع أحدهما قال له رسول الله -ﷺ-: "ردّه ردّه". رواه التّرمذي وحسّنه.
وبما روي أنّ عمر كتب إلى عماله: لا تفرّقوا بين الأخوين ولا بين الأمّ وولدها، وإنّما يحرم التّفريق بينهم في الصّغر، وما بعده فيه الرّوايتان كالأصل. الأولى الجواز؛ لأنّ النَّبِيّ -ﷺ- أهديت له مارية وأختها سيرين، فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت. والله أعلم.
الثامنة: عبد عتق وتحته أمّة الخ.
الجواب: الذي يظهر من كلامهم أنّه لا بأس باستدامة نكاح الأمة؛ لأنّهم نصّوا في الحرّ المسلم إذا وجد فيه الشّرطان المبيحان للنّكاح وهما: عدم وجود الطّول لنكاح الحرّة المسلمة وخوف العنت، فتزوج الأمة لذلك ثم أيسر وزال خوف العنت أنّه يجوز استدامة نكاح الأمة. قالوا: لأنّ الاستدامة ليست كابتداء النّكاح، قالوا: واستدامة النّكاح تخالف ابتداءه بدليل أنّ العدّة والرّدّة وأمن العنت يمنع ابتداءه دون استدامته. قالوا: وكذلك لا يبطل نكاح بتزوّج حرّة عليها على الأصحّ؛ لما روي عن عليّ -﵁- أنّه قال: إذا تزوّج الحرّة على الأمة قسم لها ليلتين، وللأمة ليلة، ثم رأيت بعض فقهاء الشّافعية صرح بذلك في المسألة التي تسأل عنها، فقال: والصّحيح أنّ العبد إذا أعتق وتحته أمة أنّه لا خيار له. قلت: وظاهر هذا
[ ١ / ٢٥٤ ]
يقتضي جواز استدامة العبد إذا عتق نكاح الأمة. والله أعلم.
يقتضي جواز استدامة العبد إذا عتق نكاح الأمة. والله أعلم.
التّاسعة: امرأة ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثًا وشهد معها أبوها والزّوج منكر.
الجواب: قال ابن القيم في (إعلام الموقّعين): وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشّاهد الواحد وحلف الزّوج أنّه لم يطلّق لم يحكم عليه، وإن لم يحلف حلفت المّرأة ويقضى عليه، وقد احتجّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب ففي هذا الحديث أنّه يقضي بشاهدٍ وما يقوم مقام شاهدٍ آخر من النّكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزّوج أنّه يطلق فيمين الزّوج عارضت شهادة الشّاهد وترجّح جانبه بكون الأصل معه، وأمّا إذ نكل الزّوج فإنّه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهدٍ آخر، ولكن هنا لم يقض بالشّاهد ويمين المرأة ابتداء؛ لأنّ الرّجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا؟ فإذا نكل كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدّا على صدق المرأة فلم يقض بالنّكول وحده ولا يمين المرأة إنّما قضى بالشّاهد المقوّى بالنّكول ويمين المرأة. انتهى كلامه ملخّصًا.
فأنت تحكم بينهم بهذا الحكم. ويذكر لي محمّد بن سلطان أنّ والدي الشّيخ -﵀- يقول هذا الذي نفتِي به إذا وقعت المسألة.
العاشرة: رجل وأخوه بينهما شركة في أرضٍ تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادّعى أنّه اشتراها من أخيه ولكن الشّهود ماتوا.
فالجواب: الذي نفهم أنّ هذا على الأصل يلزم مدّعي الشّراء بيّنة، فإن لم يجد بيّنة حلف المنكر أنّه لم يبعها عليه، وأنّها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض، وأمّا كونها في يد أحدهما ويتصرّف
امرأة ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثًا وشهد معها أبوها والزّوج منكر.
الجواب: قال ابن القيم في (إعلام الموقّعين): وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشّاهد الواحد وحلف الزّوج أنّه لم يطلّق لم يحكم عليه، وإن لم يحلف حلفت المّرأة ويقضى عليه، وقد احتجّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب ففي هذا الحديث أنّه يقضي بشاهدٍ وما يقوم مقام شاهدٍ آخر من النّكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزّوج أنّه يطلق فيمين الزّوج عارضت شهادة الشّاهد وترجّح جانبه بكون الأصل معه، وأمّا إذ نكل الزّوج فإنّه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهدٍ آخر، ولكن هنا لم يقض بالشّاهد ويمين المرأة ابتداء؛ لأنّ الرّجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا؟ فإذا نكل كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدّا على صدق المرأة فلم يقض بالنّكول وحده ولا يمين المرأة إنّما قضى بالشّاهد المقوّى بالنّكول ويمين المرأة. انتهى كلامه ملخّصًا.
فأنت تحكم بينهم بهذا الحكم. ويذكر لي محمّد بن سلطان أنّ والدي الشّيخ -﵀- يقول هذا الذي نفتِي به إذا وقعت المسألة.
العاشرة: رجل وأخوه بينهما شركة في أرضٍ تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادّعى أنّه اشتراها من أخيه ولكن الشّهود ماتوا.
فالجواب: الذي نفهم أنّ هذا على الأصل يلزم مدّعي الشّراء بيّنة، فإن لم يجد بيّنة حلف المنكر أنّه لم يبعها عليه، وأنّها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض، وأمّا كونها في يد أحدهما ويتصرّف
[ ١ / ٢٥٥ ]
فيها من قدر ثمان سنين فمثل هذا ما يصير بيّنة ولا يحكم باليد في مثل هذه الصورة؛ لكونه يدّعي أنّه اشتراها والآخرة منكر، ولم يدع أنّها ملكه لا حقّ للآخر فيها بل هو مقرّ بملك أخيه فيها لكنه يدّعي الشّراء، وهذا الذي تقرّر عندنا. والأخ حمد بن ناصر.
الحادية عشرة: رجل وقع على امرأته بعد ما تبيّن الفجر ووضح الصّبح وهو ناس لصومه.
الجواب: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة، وهي روايات عن الإمام أحمد:
أحدهما: أنّ النّاسي كالعامد يقضي ويكفر وهو قول مالك والظّاهرية.
الثّاني: لا يكفر وليس عليه إلّا القضاء اختاره ابن بطة، وهو رواية عن مالك.
الثّالث: لا يقضي ولا يكفر، اختاره الآجري أبو محمّد الجوزي والشّيخ تقيّ الدّين، وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعي. قال في شرح مسلم: وهو قول جمهور العلماء، وهذا القول هو الذي يترجّح عندنا.
الثّانية عشرة: ما قولكم في الوقف على مَن يقرأ للميّت بالإدارة، أو غيرها؟
فنقول: في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جواب عن هذه المسألة بعينها، قال في الجواب: أمّا قراءة القرآن ففي وصوله للميّت نزاع إذا قرأ لله. فأمّا استئجار مَن يقرأ ويهدي إلى الميّت فهذا لم يستحبّه أحد من العلماء المشهورين، فإنّ المعطي لم يتصدّق لله لكن عاوضوا على القراءة والقارئ قرأ للعوض والاستئجار على نفس التّلاوة غير جائز، وإنّما النّزاع في الاستئجار على التّعليم ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثّواب لا يصل إلى الميّت إلّا إذا كان العمل لله، وما وقع بالأجر فلا ثواب فيه.
وإن قيل: يصح الاستئجار عليه، وإذا تصدّق على مَن يقرأ القرآن ويتعلّمه كان له مثل أجر مَن
[ ١ / ٢٥٦ ]
أعانه على القراءة من غير أن ينقص من أجورهم شيء. وينتفع الميّت بذلك، وإذا أوصى الميّت أن يصرف ماله في هذه الختمة وقصده التّقرب إلى الله فصرف في محاويج يقرؤون القرآن ختمة أو أكثر كان ذلك أفضل وأحسن.
الثالثة عشرة: هل يجوز تحمل الشّهادة وأداؤها بعد التّحمّل إن لم يعلم الشّاهد إلّا بعد التّحمّل أم لا؟
فالجواب: لا يجوز لقوله -﵇-: "إنِّي لا أشهد على جور". والجور لا يجوز الشّهادة عليه، وأمّا قوله -﵇-: "أشهد على هذا غيري"، فأجاب عنه بعض العلماء بأنّ هذا على سبيل الزّجر والرّدع، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، [فصلت، من الآية: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، [الكهف، من الآية: ٢٩].
الرابعة عشرة: هل يجوز الاعتمار من مكّة بعد طواف الإفاضة من التّنعيم؟
فالجواب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، والذي عليه الأكثر جواز ذلك واستحبابه. واختار الشّيخ ١ وتلميذه ابن القيم أنّه لا يسنّ ولا يستحبّ؛ لأنّه لم يفعله رسول الله -ﷺ-، ولا أحد من أصحابه سوى عائشة، فإنّه أذن لها في ذلك تطييبًا لقلبها، ولو كان ذلك سنة لفعله الصّحابة وبادروا إليه وهم الأسوة والقدوة في الدّين.
الخامسة عشرة: وهي ما ذكر لك أنّ بعض العيال أفتى أنّ مَن لم يطف يوم العيد وأراد أن يطوف بعده فعليه أن يحرم بعد رمي جمرة العقبة والذّبح والحلق، فالذي أفتى به الأخ عليّ -عفا الله عنه- لحديث بلغه في ذلك، لكن
_________________
(١) ١ يعنِي: ابن تيمية، بدليل ذكر تلميذه، وخالف بهذا الإطلاق اصطلاح فقهاء الحنابلة بإطلاق لقب الشّيخ على ابن قدامة، ولكن إذا أطلق شيخ الإسلام انصرف إلى ابن تيمية.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ما لزم أحدًا فعله ونحن ما جسرنا على الفتيا به؛ لأجل أنّه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وهو ما روته أم سلمة قالت كانت ليلى التي يصير إلَيَّ فيها رسول الله -ﷺ- مساء يوم النّحر فصار إلي فدخل وهب بن زمعة ومعه رجل متقمصين فقال رسول الله -ﷺ- لوهب بن زمعة: "هل أفضت أبا عبد الله؟ "، قال: لا والله يا رسول الله. قال: "انزع عنك القميص". فنَزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: وَلِمَ يا رسول الله؟ قال: "إنّ هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلّوا من كلّ ما أحرمتم منه إلّا النّساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا صرتم حرمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به". قال ابن جماعة: رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. قال البيهقي: لا أعلم أحدًا من القدماء قال به. قال: النّووي فيكون الحديث منسوخًا دلّ الإجماع على نسخه. الله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٢ -
بسم الله الرحمن الرحيم