سألت -رحمك الله- عن مسائل:
الأولى: إذا أسلم رجل آخر في دراهم في تمر ثم صلحت الثّمرة فأخذ من التّمرة خرصًا على رءوس النّخل وتصرفه
[ ١ / ٢٦٤ ]
فيه ببيع، أو نححوه هل يكون هذا قبضًا لدين السّلم أم لا؟
فإن قلتم قبضًا فما تفعل بقولهم يحصل القبض فيما بيع بالكيل أو الوزن بكيله أو وزنه؟ وذكروا الأدلّة على ذلك. ثم قالوا: وعن أحمد رواية أنّ قبض جميع الأشياء بالتّخلية.
فنقول: وبالله التّوفيق: يجوز أن يأخذ المسلم فيه جزافًا مثل أن يأخذ ثمرة من التّمر خرصًا على رؤوس النّخل أو في البيدر.
قال البخاري -﵀-: باب إذا قاص أو جازف في الدّين فهو جائز تمر بتمر أو غيره ثم روى بإسناده عن جابر أنّ أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظر فكلم جابر رسول الله -ﷺ- ليشفع له إليه، فجاء رسول الله -ﷺ- فكلّم اليهود ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى فدخل النَّبِيّ -ﷺ- فمشى فيها ثم قال لجابر: "جذّه له فأوف له الذي له"، فجذه بعدما رجع رسول الله -ﷺ- فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضل له سبعة عشر وسقًا فجاء جابر النَّبِيّ -ﷺ- فيخبره بالذي كان فوجده يصلّي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال: "أخبر بذلك ابن الخطاب"، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله -ﷺ- ليباركن الله فيها. اهـ.
فترجمة البخاري والحديث الذي ذكره دالّ على جوازه، وهو اختيار شيخنا -﵀-. وترجمة البخاري على حديث جابر ترجمة أخرى، فقال: باب إذا قضى دون حقّه وحلله فهو جائز. انتهى.
وباب الإيفاء عندهم أسع من باب البيع، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع.
وأمّا كلام الفقهاء، فقال في المغني والشّرح: لا يقبض ما أسلم فيه كيلًا إلّا بالكيل، ولا وزنًا إلّا بالوزن، ولا بغير ما قدر به وقت العقد؛ لأنّ الكيل والوزن يختلفان، فإنّ قبضه بذلك أي قبض المكيل وزنًا والموزون كيلًا فهو كقبضه جزافًا. ومتى قبضه فإنّه يأخذ قدر حقّه
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويردّ الباقي ويطالب بالنّقص إن نقص.
وهل له أن يتصرف في قدر حقّ من قبل أن يعتبره؟ على وجهين انتهى.
فمعنى كلامهم أنّه إذا قبضه جزافًا لا بأس به لكن لا يتصرف ببيع أو نحوه حتى يعتبره بما قدر به. وهذا على الرّواية الأولى التي هي المذهب عندهم وقد عرفت أنّ الرّاجح الجواز.
المسألة الثّانية: إذا باع العامي دين السّلم قبل قبضه فمعلوم أنّه غير متناول هل يصحّ هذا البيع أم لا؟
فإن قلتم يصحّ، فما نصنع بقولهم في الشّرح: ولا يجوز مسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه، وذكر الحديث في النّهي. وقال في الإنصاف: وعنه يجوز اختاره الشّيخ. انتهى.
فالجواب: أنّ ذلك لا يجوز كما نصّ عليه في الشّرح، واستدلّ عليه في الحديث الصّحيح.
وأمّا الرّواية الثّانية التي اختارها الشّيخ فالمراد جواز بيعه من بائعه فقط مطلقًا، بدليل تعليل الشّيخ تقي الدّين بذلك. قال في الأنصاف: وفي المربع وغيره رواية بأنّه يصحّ، يعنِي: بيع المسلم فيه قبل قبضه اختاره الشّيخ تقي الدّين. وقال: هو قول ابن عبّاس، لكن يكون بقدر القيمة فقط؛ لئلا يربح فيما لم يضمن. قال: وكذا ذكره أحمد في بدل القرض. انتهى. وبدليل ما ذكره صاحب الإنصاف عند قول صاحب المقنع: ومَن اشترى مكيلًا أو موزونًا لم يجز بيعه حتّى يقبضه. هذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه يجوز لبائعه. اختاره الشّيخ تقيّ الدّين، وجوّز التّولية فيه والشّركة. انتهى.
فدلّ ذلك على أنّ المراد بيعه من بائعه. والصّحيح عندنا عدم جواز بيعه من بائعه وغيره حتّى يقبضه، فيكون بيع العامي المسؤول عنه باطلًا لمخالفته لحديث نهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. والله أعلم.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثم رأيت كلام الشّيخ في الاختيارات على عمومه كما ذكره صاحب الإنصاف في السلّم: فقال يصحّ بيع الدِّين في الذّمّة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السّلم وغيره، وهو رواية عن أحمد، وقاله ابن عبّاس لكن بقدر القيمة لئلا يربح فيما لم يضمن. انتهى.
المسألة الثّالثة: قال في الكافي وغيره: وإن وكله في البيع وأطلق لم يملك البيع بأقلّ من ثمن المثل -إلى أن قال-: فإن باع بأقل من ثمن المثل وبأقل مما قدر له فنعه البيع، وعنه يصحّ ويضمن الوكيل النّقص ولا عبرة بما يتغابن به النّاس كدرهم من عشرة. وكذلك ذكروا إذا وكل في الشّراء وأطلق فما المفتَى به؟
فنقول: في الاختيارات قال في المحرر: وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل، أو باع بدونه صحّ ولزمه النّقص في مسألة البيع. قال أبو العبّاس: وكذلك الشّريك والوصي والنّاظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك. قال: وهذا ظاهر فيما إذا فرط.
وأمّا إذا احتاط في البيع والشّراء ثم ظهر غبن أو بيع لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم، ويشبه تصرفه قبل عمله بالعزل أبين من هذا النّاظر والوصي والإمام والقاضي إذا باع أو أجر أو زارع أو ضارب ثم تبيّن أنّه بدون القيمة بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفًا ثم تبيّن الخطأ فيه، مثل: أن يأمر بعمارة أو غرس، نحو ذلك، ثم تبيّن أنّ المصلحة في خلافه. وهذا باب واسع، وكذلك المضارب والشّريك، فإنّ عامة مَن يتصرّف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة وحصول المفسدة، ولا لوم عليه ولا تضمين بمثل هذا. انتهى كلامه.
فقد عرفت أنّ اختيار الشّيخ عدم تضمينه إذا لم يفرط ومقتضى كلام الشّيخ القول المشهور في المذهب، وهو صحّة البيع وتضمين الوكيل
[ ١ / ٢٦٧ ]
النّقص وشرط الشّيخ في ذلك إذا فرط وهو الأظهر عندنا.
وأمّا إذا فرط فحينئذٍ يتوجه القول بالبطلان وعدم انعقاد البيع، كما هو قول أهل العلم. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: إذا علق الرّجل طلاق امرأته على شرطٍ وأراد إبطاله قبل وجود الشّرط برجعتها، أو قال: أبطلت ما علقت هل له ذلك أم لا؟
فنقول: قال في الإنصاف: إذا علق الطّلاق على شرطٍ لزم وليس له إبطاله. هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة وقطعوا به. وذكر في الانتصار والواضح رواية بجواز فسخ العتق المعلّق على شرطّ. قال في الفروع: ويتوجه ذلك في طلاقه. ذكره في باب التّدبير.
وقال الشّيخ تقيّ الدّين أيضًا: لو قال: إن أعطيتِنِي أو إذا أعطيتِنِي أو متى أعطيتِنِي ألفًا فأنتِ طالق، أنّ الشّرط ليس بلازمٍ من جهته؛ كالكتابة عنده. قال في الفروع: ووافق الشّيخ تقي الدّين على شرط محض؛ كإن قدم زيد فأنت طالق. قال الشّيخ تقي الدّين التّعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، فإن كانت لازمة فلازم، وإلّا فلا يلزم الخلع قبل القبول، وإلّا الكتابة، وقول مَن قال التّعليق لازم دعوى محررة. انتهى.
فتحرّر أنّ التّعليق على شرط قسمان:
أحدهما: تعليق محض بلا شرط معاوضة؛ كقوله: إن قدم زيد فأنتِ طالقٌ، أو إن دخلتِ الدّارَ فأنتِ طالق، أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فهذا ليس له إبطاله على قول الجماعة، ووافقهم الشّيخ تقيّ الدّين على ذلك وهو الصّواب.
القسم الثّاني: تعليق بشرط معاوضة؛ كقوله: إن أعطيتِنِي ألفًا فأنتِ طالق، أو متى أعطيتِنِي، أو إذا، فهذا تعليق بشرط معاوضة، وليس بلازمٍ من جهة الزّوج عند الشّيخ تقي الدّين.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأمّا قولك -أيّدك الله بروحٍ منه-: هل له إبطال الشّرط برجعتها؟
فمعلوم أنّ الطّلاق لا يقع حتّى يوجد الشّرط فكيف يراجعها؟
وأمّا قولك: وهل الطلقتان والثّلاث في ذلك سواء؟
فهما سواء ولا فرق بينهما في ذلك بلا نزاع نعلمه.
الخامسة: إذا ذهب لرجلٍ دابة وحلى عليها بشيء وهي التي يسمّيها البدو الحلاوة والبلاسة، بأن يقول: مَن رأى أو أخبرنِي بدابتِي فله كذا، فأخبره، ولم يعمل شيئًا وإنّما هو مجرّد الخبر، هل يحلّ له ذلك للخبر أم لا؟ لأنّه من التّعاون على البر والتّقوى، وأخبر أخاك الخ، وهل يلزم ربّ الدّابّة ما قال؛ لأنّه من تمام الوعد أم لا؟ أم هي مسألة اجتهاد؛ لأنّها مصلحة لحفظ المال؟
فنقول: جزم الفقهاء بأنّ الجعل جائز؛ فلو التقطها مثلًا بعد أن يعلم بالجعالة لم يستحقّ الجعل، قال في الشّرح الكبير في باب الجعالة: هي أن يقول: مَن ردّ عبدي أو لقطتِي فله كذا، فإذا قال ذلك فمَن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقّه لما ذكرنا من الآية، وحديث أبي سعيد، يعنِي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، [يوسف، من الآية: ٧٢]. وحديث أبِي سعيد في رقية اللّديغ.
قال: وإن فعل قبل ذلك لم يستحقّه، سواء ردّه قبل بلوغه الجعل أو بعد، إذا التقط لقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقّ الجعل؛ لأنّه؛ لأنّه التقطها بغير عوضٍ وعملٍ في مال غيره بغير جعلٍ فلم يستحقّ شيئًا كما لو التقطها ولم يجعل فيها ربّها شيئًا، وفارق الملتقط بعد بلوغ الجعل؛ فإنّه إنّما بذل منافعه بعوض جعله فاستحقّه؛ كالأجير إذا عمل بعد العقد، وسواء كان التقاطه لها بعد الجعل أو قبله لما ذكرناه. ولا يستحقّ أخذ الجعل بردّها؛ لأنّ الرّدّ واجب عليه من غير عوضٍ فلم يجز أخذ العوض عن الواجب؛ كسائر الواجبات، وسواء ردّها
[ ١ / ٢٦٩ ]