[معنى النكاح]
(مسألة): قوله: النكاح لغة: الوطء، على ما قاله الأزهري، فإن كان الوطء فهو واضح، وكذلك قوله النكاح في الشرع: حقيقة في حق التزويج، مجاز في الوطء، ما معنى الحقيقة؟ وكذا المجاز ما صفته وصورته وهذا الذي يشكل الحقيقة والمجاز وخصوصا في الإشكال لفظ المجاز، وكذلك قوله: فالأشهر أن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء. ما معنى ذلك؟
(الجواب): أما قولك: ما معنى قولهم النكاح لغة: الوطء الخ. فهذه المسألة ما يترتب على تحقيقها فائدة، وصورتها أنهم اختلفوا هل النكاح إذا أطلق في الكتاب والسنة يراد به الوطء حقيقة ويكون مجازًا في العقد، أم بالعكس فبعضهم قال: إنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وبعضهم قال: حقيقة في الوطء مجاز في العقد. والأصح عند المحققين أنه مشترك، قال الشيخ تقي الدين: النكاح في الإثبات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل
[ ١ / ١٥٠ ]
منهما. انتهى.
وبيان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء من الآية: ٢٢]، يراد به النهي عن العقد والوطء جميعا، وكذلك قوله ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"١ وقوله: "لا ينكح المحرم ولا ينكح"٢، وغير ذلك من الأحاديث، يراد بذلك النهي عن العقد والوطء جميعا. فإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة تبين لك أن المراد بالنكاح لفظ مشترك يعم العقد والوطء، إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة من الآية ٢٣٠] فإن المراد بالنكاح في هذه الآية الوطء بعد العقد الصحيح، فلا تحل بوطء من غير عقد ولا يكفي العقد وحده، بل لا بد من الوطء؛ لقوله ﷺ: "حتى تذوقي عسيلته"٣ الحديث.
[خطبة المرأة في عدة أختها]
(مسألة): إذا أراد رجل أن يتزوج بأخت زوجته، وهو يعلم أن الجمع بينهما لا يصح، ولكن أراد أن يخطبها في عدة أختها أو قبل طلاقها
(الجواب): فهذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلامهم، وظاهر عباراتهم جواز ذلك؛ لأنهم لم يذكروا إلا المنع من العقد خاصة، وأما الخطبة فلم يتعرضوا لها بمنع، ولم يمنعوا إلا من خطبة المعتدة من غيره، فقالوا: لا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، ولا يجوز التصريح بخطبة البائن المتوفى عنها، فإن فعل بأن عرض في موضع لا يجوز فيه التعريض، أو صرح في موضع لا يجوز فيه التصريح، ولم يعقد عليها إلا انقضاء العدة، فالعقد صحيح مع الإثم. وأما خطبة المرأة في عدة أختها أو خالتها أو عمتها فلا علمت فيه منعا.
ولكن الأحسن تركه أو ترك إظهاره، لما فيه من حصول العداوة وقطيعة الرحم التي عللوا بها في عدم جواز الجمع بينهما. فإن أراد الخطبة فلتكن سرًا بحيث لا تعلم زوجته مع أن ذلك ربما لا يفيده شيئا لأنها ربما
_________________
(١) ١ البخاري: النكاح (٥١١١)، ومسلم: النكاح (١٤٠٨)، والترمذي: النكاح (١١٢٦)، والنسائي: النكاح (٣٢٩٠،٣٢٩٢،٣٢٩٣،٣٢٩٤،٣٢٩٥)، وأبو داود: النكاح (٢٠٦٥،٢٠٦٦)، وابن ماجه: النكاح (١٩٢٩)، وأحمد (٢/ ٢٢٩،٢/ ٢٥٥،٢/ ٣٩٤،٢/ ٤٠١،٢/ ٤٢٣،٢/ ٤٣٢،٢/ ٤٦٥،٢/ ٤٧٤،٢/ ٥١٨،٢/ ٥٢٩،٢/ ٥٣٢)، ومالك: النكاح (١١٢٩)، والدارمي: النكاح (٢١٧٩). ٢ مسلم: النكاح (١٤٠٩)، والترمذي: الحج (٨٤٠)، والنسائي: مناسك الحج (٢٨٤٢،٢٨٤٣) والنكاح (٣٢٧٥،٣٢٧٦)، وأبو داود: المناسك (١٨٤١)، وابن ماجه: النكاح (١٩٦٦)، وأحمد (١/ ٥٧،١/ ٦٤،١/ ٦٥،١/ ٦٨)، ومالك: الحج (٧٨٠)، والدارمي: المناسك (١٨٢٣) والنكاح (٢١٩٨). ٣ البخاري: الشهادات (٢٦٣٩)، ومسلم: النكاح (١٤٣٣)، والترمذي: النكاح (١١١٨)، والنسائي: النكاح (٣٢٨٣) والطلاق (٣٤٠٩،٣٤١١)، وابن ماجه: النكاح (١٩٣٢)، وأحمد (٦/ ٣٤،٦/ ٣٧،٦/ ٤٢،٦/ ٩٦،٦/ ١٩٣،٦/ ٢٢٦،٦/ ٢٢٩)، والدارمي: الطلاق (٢٢٦٧،٢٢٦٨).
[ ١ / ١٥١ ]
وعدته فإذا نقضت عدة أختها ربما بدا لها.
[تزوج امرأة في عدة الطلاق من البوادي وهو جاهل]
(مسألة) فيمن تزوج امرأة في عدة الطلاق من البوادي، وهو جاهل هل يصير حكمه حكم الزاني أم لا؟ أم يعذر بالجهل؟ وهل يفرق بينهما أم لا؟
(الجواب): أما حكم من تزوج امرأة في عدة الطلاق، وهو جاهل من البوادي فلا يصير حكمه حكم الزاني بل يعذر بالجهل، ويفرق بينهما حتى تنقضي العدة الأولى من الطلاق الأول، ثم تعتد من وطء الثاني الذي تزوجها في عدتها، فإذا انقضت العدتان حلت للأزواج وهو من عرضهم.
[حلف لامرأته أن يتزوج عليها وقال: إن شاء الله]
(مسألة) في رجل حلف لامرأته أن يتزوج عليها، فقال في حلفه: إن شاء الله. ماذا يكون؟
(الجواب): أما الذي حلف أن يتزوج عليها فقال في حلفه: إن شاء الله، فهذا الاستثناء يرفع حكم اليمين ولا يلزمه كفارة إذا لم يتزوج.
[قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك]
(مسألة) في رجل قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك لعدم الجمع. هل يجوز هذا أم لا؟ وما عدم إجازته؟
(الجواب): أما الذي قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك؛ فهذا لا يلزمه به شيء ولا يكون طلاقا، ولكن الأحسن ترك مثل هذا الكلام لأن فيه قطيعة رحم بين الزوجة وأختها، خصوصا إذا فارقها وتزوج أختها.
[قال: إن حصلت له أخت زوجته فوت زوجته]
(مسألة) في هذا الرجل الذي يقول: إن حصلت له أخت زوجته فوت زوجته، وإن لم تحصل لم يفوتها، هل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب): أما قولك: إن حصلت له أختها فوتها، فهذا لا يجوز، وجمع الثلاث بدعة محرمة عند جمهور العلماء، ولا يترتب على ذلك له مصلحة؛ بل ليس فيه إلا تحريمها عليه من غير مصلحة تعود إلى أخرى، لأنه لو أراد
[ ١ / ١٥٢ ]
أن يرتجعها لم تحل له ما دامت أختها معه، فليس في التفويت إلا الضرر، فربما يفوتها، ولا تحصل له أختها؛ فيندم على ذلك.
[التلفظ بكنايات الطلاق في حال الغضب]
(مسألة): إذا غضب الرجل على زوجته، وأراد قمعها وهجرانها وقال لها: اخرجي من بيتي روحي لأهلك، ومقصده هجرها عند أهلها حتى يكون أصلح لها ولا له نية في الطلاق، ماذا يكون في مثل هذه، هل هو على النية أم لا وكذا إذا قالت المرأة: لم أنتقل إلا بطلاقي تريد لفظ الطلاق، ويقول الزوج: روحي لأهلك عن بيتي لست معي، يعني لست بشادك هذا معناه ونيته؛ وانتقلت على هذا الكلام، هل يكون على نيته ومعناه أم لا؟ والفاعل لذلك يفهم الأمر، وكل مقاصده إظهار لها من بيته لأجل المقصود لأنه أزين لطبعها وأشفق وأندم.
(الجواب): الرجل الذي غضب على زوجته وسألته الطلاق وقال لها: اخرجي من بيتي لست معي.
فهذه المسألة قد ذكر الفقهاء فيها أن الزوج إذا تلفظ بكنايات الطلاق في حال الغضب، وسؤالها الطلاق، ثم قال الزوج: لم أرد بذلك الطلاق أنه لا يقبل في الحكم بل تحسب عليه من الطلاق هذا في الظاهر. وأما فيما بينه وبين الله، فإن علم من نفسه أنه لم يرد الطلاق لم يقع عليه طلاق فيما بينه وبين الله.
[طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه]
(مسألة) في رجل طلق امرأته في طهر لم يصبها فيه فهل عليها عدة؟ وما عدتها؟
(الجواب): أما الرجل الذي طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه، فهذه لا بد أن يمضي عليها ثلاثة قروء بعد الطلاق، ولم تعتد بالحيضة التي مضت قبل الطلاق، بل لا بد أن تكون الأقراء بعد وقوع الطلاق.
[ ١ / ١٥٣ ]
[حلف عليها زوجها لا تدخل بيت فلان فدخلته ناسية]
(مسألة) في رجل حلف على امرأته أن لا تدخل بيت فلان أو بيت فلانة، فقال: إن فعلت فهو طلاقك، وحلف بالله أن طلاقها في دخولها البيت. فنسيت المرأة واحتاجت إلى دخول البيت، فدخلت ناسية ليمين الزوج. ماذا يكون وهل هنا كفارة مع الرجعة أم لا؟
(الجواب): أما المرأة التي حلف عليها زوجها لا تدخل بيت فلان، وعلق طلاقها على دخوله، فدخلته ناسية؛ فهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها ثلاث روايات عن الإمام أحمد. والمذهب عند المتأخرين من الحنابلة أن الطلاق يقع، وإن كانت ناسية. وعند الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء أنها لا تطلق، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب من الآية: ٥]، وبقوله ﷺ "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"١.