بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مسائل وردت على وَلَدَيْ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب "حسين"، و"عبد الله" -رحمهما الله- فأجابا بما هو الصواب.
[عقيدة الشيخ محمد في العمل والعبادات والفروع]
(الأولى): ما عقيدة الشيخ -﵀- في العمل في العبادات، والفروع؟ الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
(الجواب) عن الأولى -وبالله التوفيق-: إن عقيدة الشيخ -﵀- التي يَدِين الله بها هي عقيدتنا وديننا الذي نَدين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان؛ وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله- قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله. وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النّساء من الآية: ٥٩].
أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى
_________________
(١) ١ البخاري: بدء الوحي (١)، ومسلم: الإمارة (١٩٠٧)، والترمذي: فضائل الجهاد (١٦٤٧)، والنسائي: الطهارة (٧٥) والطلاق (٣٤٣٧) والأيمان والنذور (٣٧٩٤)، وأبو داود: الطلاق (٢٢٠١)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥،١/ ٤٣).
[ ١ / ٣٢ ]
الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته؛ والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها.
وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -﵃ أجمعين-.
قال الإمام مالك: كل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله -ﷺ-، وقال الشافعي-رحمه الله تعالى- لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط. وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهومذهبي. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ٦٣]. أتدري ما الفتنة الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
وقال لبعض أصحابه: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الشافعي، وتعلم كما تعلمنا.
وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع.
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز له العمل به؛ لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم؛ ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله، وشرع رسوله -ﷺ- حتى يتبين الدليل الذي لا مُعارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديما وحديثا.
والذي ننكره هو التعصب للمذاهب وترك اتباع الدليل
[ ١ / ٣٣ ]
إذا تبين هذا؛ فهذا الذي أنكرناه، وأنكره العلماء في القديم، والحديث.
والله أعلم.
[قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر أو بثلاثة]
(المسألة الثانية): إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر، أو بثلاثة، أو قال: قبل موتي بثلاثة أيام أنت طالق، ويطلب هذا الرجل أن يحرم زوجته من الميراث الشرعي، فهل يقع على زوجته طلاق في الحال أم يجوز له أن يطأها إلى أن يموت
(الجواب): الذي نص عليه علماؤنا -رحمة الله عليهم- أنه يجب على الزوج اعتزالها من حين ذلك، لأن كل شهر أو يوم يحتمل أن يموت فيه، فتكون قد طلقت قبله في الوقت الذي وقته، فإذا وطئها والحالة هذه احتمل أن يموت؛ فيكون قد وطئها في حال بينونتها. وأما إذا عرف أن قصده بكلامه ذلك حرمانها من الميراث، فإنها ترثه ولو خرجت من العدة كما هو مذهب الإمام أحمد، وغيره من العلماء؛ وهو الذي تدل عليه قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع غيلان بن سلمة الثقفي لمّا طلق زوجاته، وقسم الميراث بين أولاده.
وهذه المرأة في حال حياة زوجها لها حكم الزوجات من النفقة، والكسوة والسكنى لا في الوطء والنظر؛ فإن ذلك لا يجوز، هذا الذي دل عليه كلام الحنابلة.
والله أعلم.
[قال لغلامه: أنت حر لوجه الله قبل موتي بشهر، وأعطاه جميع ماله]
(المسألة الثالثة): إذا قال لغلامه: أنت حر لوجه الله قبل موتي بشهر، وأعطاه جميع ماله، ومراد هذا الرجل حرمان ورثته؛ فهل يكون الغلام في تلك الساعة حرا، أم يبقى في الرق إلى موت سيده؟ إلى آخره.
(الجواب): إن العتق صحيح، فإذا مات السيد تبين أن العتق وقع قبل موته بما قدر به، وأما المال فلا يصح تمليكه إياه ولا هبته له، لأنه حين تمليكه المال هو رقيق، والعبد لا يملك بالتمليك في أصح أقوال العلماء.
[ ١ / ٣٤ ]
[قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث، والمهر زكوي ومؤجل في ذمته]
(وأما المسألة الرابعة): وهي الصداق الزكوي: إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق بالثلاث، والمهر زكوي، والزوجة معه سنين متعددة، والمهر مؤجل في ذمته، ولم تقبض منه شيئا، والزوج يخرج الزكاة كل سنة. إلى آخره.
(الجواب): إن الطلاق يقع، والزكاة تتعلق بذمة المرأة؛ فإذا أخذت الزكاة من الزوج، رجع عليها.
والله أعلم.
[النذر على رجل حي]
(المسألة الخامسة): هل يجوز النذر على رجل حي مثل أن قال: مالي نذر عليّ لوجه الله على ابني، أو على فلان الأجنبي، هل ينعقد هذا النذر، أو يكون شِرْكًَا إلى آخره.
(الجواب): إن النذر الذي يُقصد به وجه الله في عمل طاعة لله ورسوله كالنذر على فقير معين، أو غيره، فإنه يجب الوفاء به، كما قال -تعالى -: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٠].
وقال-تعالى-: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. وعن عائشة-رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فَلْيُطِعْهُ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِهِ" ١، ولا يكون هذا النذر شركا، لأن النذر الذي يكون شركا النذر لغير الله، كالنذر لولي يُعْبَدُ من دون الله، أو لِقُبّةٍ، أو لمن يخدمها، أو سدنتها؛ فهذا هو الذي يكون شركا، وهو نذر معصية، لا يجوز نذره، ولا الوفاء به كما تقدم في الحديث.
[التفضيل بين الأولاد في العطية]
(المسألة السادسة): رجل تصدق، أو وهب لأحد من أولاده من ماله زائدا عن الباقين، أو أعطى المال واحدا منهم، هل تصح عطيته، ويحرم الباقين من المال وهل يكون عاصيا لمخالفته الشرع؟
(الجواب): لا يجوز للوالد التفضيل بين أولاده في العطية، بل يحرم
_________________
(١) ١ البخاري: الأيمان والنذور (٦٦٩٦،٦٧٠٠)، والترمذي: النذور والأيمان (١٥٢٦)، والنسائي: الأيمان والنذور (٣٨٠٦،٣٨٠٧،٣٨٠٨)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٨٩)، وابن ماجه: الكفارات (٢١٢٦)، وأحمد (٦/ ٣٦،٦/ ٤١،٦/ ٢٢٤)، ومالك: النذور والأيمان (١٠٣١)، والدارمي: النذور والأيمان (٢٣٣٨).
[ ١ / ٣٥ ]
عليه ذلك، ويجب عليه ردها، والتسوية بينهم كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ- "في قصة النعمان بن بشير لمّا نحله أبوه نِحْلَةً، فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ على ذلك، فأتاه فأخبره، فقال: كل أولادك أعطيت مثل هذا؟ فقال: لا. فقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وفي لفظ آخر: "لا تشهدني على جور"١، قال النعمان: فرد أبي تلك العطية. وهذا مذهب الإمام أحمد، وغيره، وهو الصواب.
[القيام للأمراء والعلماء وأهل الفضل]
(المسألة السابعة): ما تقولون في القيام في وجوه الأمراء، والعلماء، وأهل الفضل كما يفعله أهل فارس، والروم، وبعض المطاوعة يفتون أن القيام جائز في حق العلماء، وأهل الفضل؟
(الجواب): إنه لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية، والجبابرة كملوك فارس، والروم وغيرهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم، وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار"٢، وفي حديث آخر عن أنس بن مالك قال: "لم يكن أحد أحب إليهم من رسول الله -ﷺ- يعني: الصحابة، وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك"٣.
وثبت في صحيح مسلم، وسنن أبي داود عن جابر قال: "اشتكى رسول الله ﷺ، فصلينا وراءه قياما وهو قاعد، وأبو بكر يسمعنا تكبيره، فالتفت إلينا فإذا نحن قيام، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا. فلما سلم قال: إن كنتم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم: إن صلوا قياما فصلوا قياما، فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا"٤.
_________________
(١) ١ البخاري: الشهادات (٢٦٥٠)، ومسلم: الهبات (١٦٢٣)، والنسائي: النحل (٣٦٨١،٣٦٨٢،٣٦٨٣)، وأحمد (٤/ ٢٧٣). ٢ الترمذي: الأدب (٢٧٥٥)، وأبو داود: الأدب (٥٢٢٩). ٣ الترمذي: الأدب (٢٧٥٤). ٤ مسلم: الصلاة (٤١٣)، والنسائي: السهو (١٢٠٠)، وأبو داود: الصلاة (٦٠٢،٦٠٥)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٢٤٠)، وأحمد (٣/ ٣٣٤،٣/ ٣٩٥).
[ ١ / ٣٦ ]
[الحلف بغير الله تعالى]
(المسألة الثامنة): الحلف بغير الله مثل: الحلف بالنبي، أو الولي، أو رأس فلان، أو تربة فلان، هل يكون هذا شركا أو مكروها؟
(الجواب): الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر؛ وقد يكون شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
والكفر والشرك أنواع: منها ما يخرج عن الملة، ومنها ما لا يخرج عن الملة، كما قال ابن عباس -﵄- في قوله-تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة من الآية: ٤٤]. قال: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم.
فإذا حلف بغير الله جاهلا أو ناسيا فليستغفر الله، وليقل لا إله إلا الله، كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"١.
[خالف في بعض المسائل مثل القنوت في الفجر]
(المسألة التاسعة): إذا خالف في بعض المسائل مثل: القنوت في الفجر، والجهر بالبسملة في موضع الجهر؛ هل يصح له ذلك، أم يوافق الجمهور وأيهما الأصلح
(الجواب): اعلم أن مسائل الخلاف بين الأئمة لا إنكار فيها إذا لم يُتَبَيّنْ الدليل القاطع، والصحابة قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض، وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلا منهم قد قال بما عنده من العلم؛ والصواب عندنا ترك الجهر بالبسملة، وترك القنوت دائما في الفجر إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة؛ فإن السنة قد وردت، وصحت بالقنوت في الفجر في هذه الحالة. وهذا هو الثابت عندنا من فعل رسول الله -ﷺ- وفعل خلفائه الراشدين كما هو مذكور في الكتب الصحيحة كالصحيحين، وغيرهما. والله أعلم.
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٨٦٠)، ومسلم: الأيمان (١٦٤٧)، والترمذي: النذور والأيمان (١٥٤٥)، والنسائي: الأيمان والنذور (٣٧٧٥)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٤٧)، وابن ماجه: الكفارات (٢٠٩٦)، وأحمد (٢/ ٣٠٩).
[ ١ / ٣٧ ]
[تقبيل أيدي الأمراء والعلماء والسادة والخضوع عند تحيتهم]
(المسألة العاشرة): تقبيل أيدي الأمراء والعلماء والسادة وغيرهم، وكذا الخضوع عند تحيتهم بأن يحرك رأسه ويحط يده على صدره أو على رأسه عند التحية، هل يكون شركًا أو مكروهًا؟
(الجواب): لا يجوز تقبيل أيدي العلماء والسادة والانحناء في التحية ويتخذ ذلك عادة وسنة؛ بل ذلك من البدع المحدثة، فينبغي للمسلمين إزالتها والنهي عنها. وأما تقبيل اليد في بعض الأحيان، كتقبيل يد العالم لعلمه، أو من كان من أهل بيت رسول الله -ﷺ- لشرف نسبه، فلا بأس بذلك إذا لم يُجْعَلْ عادة مستمرة، كما صح في الحديث أن أبا عبيدة قبل يد عمر؛ والفرق أن ما يُفْعَلُ بعض الأحيان فيجوز، وأما ما يُجعل عادة وسنة فلا يجوز؛ وهذا ظاهر عند أهل العلم.
والله أعلم.
[رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم]
(المسألة الحادية عشرة): رجل دخل هذا الدين وأحبه ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم ولكن لا أقدر أن أُكَفّرَ أهل لا إله إلا الله ولو لم يعرفوا معناها ١.
ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع، ولكن ما أتعرضها.
(الجواب): إن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به. فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب؛ فهذا لا يكون مسلما، بل هو مِمّنْ قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا
_________________
(١) ١ من لا يعرف معناها لا يكون من أهلها (فاعلم أنه لا إله إلا الله).
[ ١ / ٣٨ ]
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النّساء من الآيتين: ١٥٠ - ١٥١]
والله -﷾- أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم، وتكفيرهم؛ فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة من الآية: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآيات، [الممتحنة من الآية: ١].
والله أعلم.
[هجرة المسلم من بلده إذا كانت على الكفر أو الشرك]
(المسألة الثانية عشرة): رجل دخل هذا الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم؛ فهل يكون مسلما، أو كافرا وهل يعذر بعدم الهجرة؟
(الجواب): أما الرجل الذي عرف التوحيد، وآمن به، وأحبه، وأحب أهله، وعرف الشرك، وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر؛ فهذا فيه تفصيل:
فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما هم عليه من الكفر، والشرك، ويظهر لهم كفرهم، وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه لأجل عشيرته، أو ماله، أو غير ذلك فهذا لا يحكم بكفره، ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النّساء: ٩٧]، فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة، ولا يهتدي سبيلا؛ ولكن قل أن يوجد اليوم مَنْ هو كذلك إلا أن يشاء الله، بل الغالب أن المشركين
[ ١ / ٣٩ ]
لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلا ١.
وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا عن الآخرة، ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه؛ فدخل في قوله-تعالى-: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النّحل الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧].
[من مات من أهل الشرك قبل بلوغ الدعوة]
(المسألة الثالثة عشرة): فيمن مات قبل هذه الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة، ما الحكم فيه وهل يلعن، أو يسب، أو يكف عنه وهل يجوز لابنه الدعاء له وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، وبين من أدركها ومات معاديا لهذا الدين وأهله؟
(الجواب): إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يُدْعَى له، ولا يُضَحّى له، ولا
_________________
(١) ١ قد كان هذا هو الغالب فيمن حولهم من المشركين في زمنهم، وهو لا يصح على الأمم والممالك في عصرنا؛ فإن أكثر البلاد غير الإسلامية لا تقتل أحدا، ولا تخرجه لأجل دينه، وإن أظهره، وإن صرح بأنه هو المحق وكل من خالفه مبطل وعدو لله -تعالى-، وكذلك البلاد الإسلامية التي فشت فيها البدع المُكَفِّرة وغير المُكَفِّرَةِ، كمصر والآستانة مثلا؛ فإن حرية الدين فيها تامة. ومن كان مقيما لدينه في بلد كهذا لا يصدق عليه أنه ظالم لنفسه، فلا يدخل بمجرد الإقامة في عموم الآية، بل ربما كانت إقامته في أمثال هذه البلاد مفيدة من حيث تكون سببا لاهتداء بعض الناس به كما جربنا بنفسنا.
[ ١ / ٤٠ ]
يُتَصَدّقُ عليه، وأما حقيقة أمره فإلى الله -تعالى-: فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته، وعاند، فهذا كافر في الظاهر والباطن. وإن كان لم تقم عليه الحجة، فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه، ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقا كما في صحيح البخاري عن عائشة-رضي الله-عنها أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا "١، إلا إن كان أحد من أئمة الكفر، وقد اغتر الناس به فلا بأس بِسَبِّهِ إذا كان فيه مصلحة دينية. والله أعلم.
[إنكار الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه أو تأويلها]
(المسألة الرابعة عشرة): في إنكار الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح من الآية: ١٠]، ثم يقول: يد الله قدرته، أو يؤول الاستواء بالاستيلاء، أو يقول: الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فهل هذا كافر، أم لا؟
(الجواب): إن من اعتقد هذا الاعتقاد فهو مبتدع، ضال، جاهل، قد خالف العقيدة السلفية التي درج عليها النبي ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، كالأئمة الأربعة، ومن اتبعهم من العلماء، وأما التكفير بذلك، فلا يُحْكَمْ بكفره إلا إذا عرف أن عقيدته هذه مخالفة لما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان. والله أعلم.
[لم يحقق الموالاة والمعاداة ولم يتبرأ من دينه الأول]
(المسألة الخامسة عشرة): فيمن عاهد على الإسلام، والسمع، والطاعة، والمعاداة والموالاة، ولم يف بما عاهد عليه من الموالاة والمعاداة، ولا يتبرأ من دينه الأول، ويدعي أن آباءه ماتوا على الإسلام، فهل يكون مرتدا،، وهل يجوز أخذ ماله وسبيه إن لم يرجع؟
(الجواب): إن هذا الرجل إن اعتقد أن آباءه ماتوا على الإسلام
_________________
(١) ١ البخاري: الجنائز (١٣٩٣)، والنسائي: الجنائز (١٩٣٦)، وأحمد (٦/ ١٨٠)، والدارمي: السير (٢٥١١).
[ ١ / ٤١ ]
ولم يفعلوا الشرك الذي نهينا الناس عنه، فإنه لا يحكم بكفره. وإن كان مراده أن هذا الشرك الذي نهينا الناس عنه هو دين الإسلام، فهذا كافر. فإن كان قد أسلم، فهو مرتد يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِلَ، وصار ماله فَيْئًا للمسلمين؛ وإن تاب قبل موته أحرز ماله.
والله أعلم.
[اشترى نخلا ونذر المشتري متى ما دفع البائع أرجع نخله إليه]
(المسألة السادسة عشرة): رجل اشترى نخلا من رجل بثمن معين، وبعد هذا نذر المشتري نذرا: لله عليّ متى ما دفع البائع - أو مَنْ يقوم مقامه- دراهمي أن أرجع عليه نخله. وعلى هذه الصورة يدفع البائع بعد أكل ثمرة النخل سنة واحدة، فهل يصح البيع ويبطل النذر وهذه المسألة علماء فارس يجوزونها. وإذا اشترى الرجل هذا النخل، ونذر أن يرجعه على صاحبه بعد سنة، أو زائد، وبعدما عرف أن النذر لا يجوز، وتاب، ورجع عن هذا النذر، وادعى البائع في النخل، هل له أخذه من المشتري، أم لا؟
(الجواب): إن هذا العقد المذكور في السؤال عقد باطل، وهو حيلة على الربا، وهو من باب "كل قرض جر نفعا فهو ربا"؛ وتحيله بهذا العقد، والنذر لا يحل له الربا، وهي حيلة باطلة، والحيل لا تجوز في الدين.
ويجب على المشتري رد الثمن، ويعود النخل إلى بائعه، وأما ما أكل في حال كفره، وجهله من غَلّة النخل؛ فإنه لا يطالب بذلك. والله أعلم
وأما نذر المشتري أن يرد عليه نخله إذا أتاه بدراهمه؛ فليس هذا شركا كما تقدم في الجواب عن المسألة الخامسة.
[حكم إنفاذ وصية من أعطى بعض أولاده وترك البعض]
(المسألة السابعة عشرة): رجل أعطى بعض أولاده من ماله زائدا على الآخرين، أو أعطى المال ولدا واحدا، وحرم الباقين، ومات الرجل؛ أفيجوز للأمير أن ينفذ وصيته، ويعطي المال، واحدا من الأولاد، ويحرم الباقين؟
[ ١ / ٤٢ ]
أم تبطل الوصية، ويقسم بالحكم الشرعي، وهل يكون الموصي عاصيا لمخالفته لحكم رب العالمين؟ وأكثر العلماء المبطلين جوّزوا عطيته، وحكموا بالمال لواحد، وقالوا: ما دام الإنسان حيًّا له الاختيار في ماله، ولا عليه. بينوا لنا تؤجروا.
(الجواب): الحمد لله. إذا أوصى الرجل لبعض أولاده، أو بعض ورثته، لم تصح الوصية، ولا يجوز إنفاذها بعد موته، وقد اتفق العلماء على أن لا وصية لوارث؛ فإذا أوصى بذلك، فالوصية باطلة إلا إذا أجاز ذلك الورثة، بشرط أن يكونوا راشدين ليس فيهم سفيه، ولا صغير. وأما إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصحة، وفضّلهم على الآخرين، وقبض المُعْطِي العطية، ومات الوالد ولم يرجع في عطيته، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فالأكثرون قالوا: تمضي العطية لمن أُعْطِيَهَا، والإثم على الوالد المُفَضّل بينهم، ولا تحسب من الميراث.
ومن العلماء من قال: إما أن ترد، وإما أن تُحسب عليه من الميراث، ولا يأخذ زيادة على إخوانه، وهذا القول هو أقرب إلى الدليل، وأحوط.
والله أعلم.
[ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم سب المسلمين]
(المسألة الثامنة عشرة): في بلد بلغتهم هذه الدعوة، وبعضهم يقول: هذا الأمر حق، ولا غَيّرَ منكرا، ولا أمر بالمعروف، ولا عادى، ولا وَالَى، ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال، وينكر على الموحدين إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد، وبعضهم يكفر المسلمين جهارا، ويسب هذا الدين، ويقول: دين مسيلمة، والذي يقول: هذا أمر زَيْن، لا يمكنه يقوله جهارا؛ فما تقولون في هذه البلدة على هذه الحال مسلمون، أم كفار وما معنى قول الشيخ، وغيره: إنا لا نُكَفّرُ بالعموم، وما معنى العموم والخصوص؟ إلى آخره.
[ ١ / ٤٣ ]
(الجواب): إن أهل هذه البلدة المذكورين إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار؛ والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه، تجب عليه الهجرة إذا لم يكن ممن عذَره الله. فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ المال. والسامعون كلام الشيخ في قوله: إنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر، فالتكفير بالعموم أن يُكَفّرُ الناس كلهم، عالمهم وجاهلهم، ومن قامت عليه الحجة، ومن لم تقم عليه؛ وأما التكفير بالخصوص فهو أن لا يُكَفّرَ إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يُكَفّرُ مَنْ خالفها. وقد يُحْكَم بأن أهل هذه القرية كفار حكمهم حكم الكفار؛ ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه، ولا يعلمه المسلمون، كما قال -تعالى- في أهل مكة في حال كفرهم: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [الفتح من الآية: ٢٥].
وقال-تعالى-: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الآية [النّساء من الآية: ٧٥]، وفي الصحيح عن ابن عباس﵄- قال: كنت أنا، وأمي من المستضعفين.
وأما أهل القرية الذين عاهدوا على الإسلام، ولم يهدموا القباب، ولم يعادوا ولم يوالوا، وفيهم رجلان، أو ثلاثة يدّعون التوحيد، فاعلم-رحمك الله-أن مجرد العهد على الإسلام لا يكون الرجل به مسلما حتى يعمل بما عاهد عليه من توحيد الله، والتبري من الشرك وأهله، وإقامة الصلوات الخمس في أوقاتها بشروطها وأركانها، وأداء الزكاة المفروضة، والإيمان بجميع ما جاء به
[ ١ / ٤٤ ]
الرسول ﷺ. وإذا عاهد على الإسلام ولم يعمل به، واستمر على الشرك بالله، فإنه يكون مرتدا عن الإسلام، وذنبه أعظم من ذنب الكافر الأصلي الذي لم يعاهد قط، ولم يظهر الإسلام.
ولهذا ثبت في الصحيحين، وغيرهما أن النبيﷺ - قال: "من بدل دينه فاقتلوه "١، وفي الصحيح: "أن معاذا لمّا قَدِمَ من اليمن، وجد رجلا عند أبي موسى موثقا في الحديد فقال: ما هذا قال: رجل ارتد بعد إسلامه. فقال: لا أجلس حتى يُقتل: قضاء الله ورسوله. فأمر به فقتل. "٢
[قول سيدي فلان ومخدومنا فلان]
(المسألة التاسعة عشر): ما قولكم في قول: سيدي فلان، ومخدومنا فلان، وكما في الدلائل سيدنا، ومولانا محمد، هل يكون شركا؟ وبعض المطاوعة جوزوا هذه الألفاظ، وتركوا كتاب رب العالمين، وجعلوا درسهم دلائل الخيرات إلخ.
(الجواب): إن قول "سيدي"، ونحوه إن قُصِد به أن ذلك الرجل معبوده الذي يدعوه عند الشدة لتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، فإن ذلك شرك أكبر؛ وأما إن كان مراده غير ذلك، كما يقول التلميذ لشيخه: سيدي، أو يقال للأمير والشريف، أو لمن كان من أهل بيت رسول الله -ﷺ-: هذا سيد، فهذا لا بأس به، ولكن لا يجعل عادة وسُنّة بحيث لا يتكلم إلا به. وثبت أن رسول الله -ﷺ- قال: "أنا سيد ولد آدم"٣، وقال في الحسن: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"٤.
وأما قول صاحب دلائل الخيرات: اللهم صل على سيدنا، ومولانا محمد، فلا ينبغي جعل ذلك عادة وسُنّة، لأن رسول الله ﷺ أعلم أمته كيف يصلون عليه، ولم يذكر ذلك الكلام فيه.
[تسمية مالك ونافع ومحسن]
(المسألة العشرون): تسمية مالك، ونافع، ومحسن، أو محمد رفيع الدين، أو محمد صادق؛ هل تكون هذه الأسماء شركا، أم لا؟
(الجواب): لا بأس بالتسمي بمالك، ونافع، ومحسن، ومحمد رفيع الدين،
_________________
(١) ١ البخاري: الجهاد والسير (٣٠١٧)، والترمذي: الحدود (١٤٥٨)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠٥٩،٤٠٦٠،٤٠٦١،٤٠٦٢،٤٠٦٤،٤٠٦٥)، وأبو داود: الحدود (٤٣٥١)، وابن ماجه: الحدود (٢٥٣٥)، وأحمد (١/ ٢١٧،١/ ٢٨٢،١/ ٣٢٢). ٢ البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٢٣)، وأبو داود: الحدود (٤٣٥٤)، وأحمد (٤/ ٤٠٩). ٣ مسلم: الفضائل (٢٢٧٨)، وأحمد (٢/ ٥٤٠). ٤ البخاري: الصلح (٢٧٠٤)، والترمذي: المناقب (٣٧٧٣)، والنسائي: الجمعة (١٤١٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٦٢)، وأحمد (٥/ ٣٧،٥/ ٤٤،٥/ ٤٧،٥/ ٤٩،٥/ ٥١).
[ ١ / ٤٥ ]
ومحمد صادق؛ لأنه لم يرد في الحديث النهي عن ذلك، وقد كان في الصحابة من اسمه: مالك، ونافع، ومحسن، وفي التابعين جعفر الصادق، وغيره. والله أعلم.
[القراءة على القبور وحمل المصاحف إلى القبور]
(المسألة الحادية والعشرون): في القراءة على القبور، وحمل المصاحف إلى القبور، وكما يفعل بعض الناس يجلسون سبعة أيام بالمصاحف على القبور، ويسمونها الشدة، وكذلك اجتماع الناس عند أولياء الميت، ويجلسون سبعة أيام، ويقرؤون فاتحة الكتاب على ساعة، ويرفعون أيديهم بالدعاء، وكذلك يجمعون الناس عند بيت ولي الميت، ويقرءون القرآن، ويطعمون الطعام؛ فهل هذه الأفعال من أفعال الجاهلية المبتدعة؟
(الجواب): إن القراءة على القبور، وحمل المصاحف إلى القبور كما يفعله بعض الناس، يجلسون سبعة أيام، ويسمونها الشدة، وكذلك اجتماع الناس عند أهل الميت سبعة أيام، ويقرؤون فاتحة الكتاب، ويرفعون أيديهم بالدعاء للميت؛ فكل هذا من البدع والمنكرات المُحْدَثة التي يجب إزالتها؛ ولم يكن يُفعل على عهد رسول اللهﷺولا في عهد خلفائه الراشدين من ذلك شيء.
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، قال الله-تعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب من الآية: ٢١].
وقال-تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة من الآية: ٣]. ولم يمت رسول الله -ﷺ - حتى أكمل الله به دين الإسلام. وثبت في الصحيح عن عائشة -﵂- أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١، وفي حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود في سُننه وأحمد في مسنده
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي، عضوا عليها
_________________
(١) ١ البخاري: الصلح (٢٦٩٧)، ومسلم: الأقضية (١٧١٨)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٦)، وابن ماجه: المقدمة (١٤)، وأحمد (٦/ ٧٣،٦/ ١٤٦،٦/ ١٨٠،٦/ ٢٤٠،٦/ ٢٥٦،٦/ ٢٧٠).
[ ١ / ٤٦ ]
بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ١ ٢.
[رجل أظهر الإسلام ووالَى وعادى في بلده وأمير البلد ما خالف عليه]
(المسألة الثانية والعشرون): في رجل أظهر الإسلام في بلده، ووالَى، وعادى في بلده، وأمير البلد ما خالف عليه، وأيده، وصدقه؛ فهل يكون هذا مسلم، أم لا؟ ولا بقي في بلده وثن أبدا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حد الاستطاعة.
(الجواب): هذا الرجل إذا أظهر إسلامه في بلده، ووالى وعادى في بلده، وأمير بلده لم يخالف عليه، بل أيده، وصدقه، فهذا مسلم؛ لأنه قد عمل بدين الإسلام، وفعل ما يقدر عليه.
[هل يكفر صاحب البردة وغيره مِمّنْ يوجد الشرك في كلامه؟]
(المسألة الثالثة والعشرون): إن صاحب البردة، وغيره مِمّنْ يوجد الشرك في كلامه، والغلو في الدين، وماتوا، لا يحكم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان أن من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر. وأما القائل: فيرد أمره إلى الله -سبحانه -، ولا ينبغي التعرض للأموات، لأنه لا يُعلم هل تاب، أم لا. وأما شعر ابن الفارض فإنه كفر صريح، لأنه شاعر الاتحادية الذين لا يفرقون بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، بل يقول بوحدة الوجود، وهو من طائفة ابن عربي الذين قال فيهم ابن المقري الشافعي: مَنْ شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٧)، وابن ماجه: المقدمة (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، والدارمي: المقدمة (٩٥). ٢ عبارة وكل ضلالة في النار مقحمة هنا وهي ليست من الحديث.
[ ١ / ٤٧ ]