سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تعلم أنّ نصيحتي لك نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلين وعامّتهم؛ لأنّ بصلاحك يقوم الدّين ويصلح أكثر النّاس، وفي الحديث: "الدّين النّصيحة"، قالها ثلاثًا، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم". وقد جعل الله لأهل الإيمان نورًا يمشون به في النّاس. وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد من فتنة خالد والعسكر وقبله إبراهيم باشا ميّز الله بها أهل نجد طيّبهم وخبيثهم وتفاوت مراتبهم في الشّر والزّيغ والفساد وكثرت السفاهة والقسوة ولا تخفى حالهم إلّا على مَن لا بصيرة له، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، [آل عمران، من الآية: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية، [الأنفال، من الآية: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، [العنكبوت، الآيات: ١ - ٣] إلى قوله:
[ ١ / ٣٢١ ]
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، [العنكبوت، الآية::١١].
وهذا أمر مشاهد لِمَن جعل الله في قلبه نورًا. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم، وجعل الله أهل الإيمان شهداء على النّاس. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، [التّوبة، من الآية: ١٠٥].
فيجب على مَن ولّاه الله أمر الدّين والدّنيا أن لا يتّهم من أقامهم الله شهداء على النّاس وهو يعلم منهم محبّة الإسلام ومحبّة أهله وبغض الباطل وأهله فكيف لا تقبل شهادة مَن أقامهم الرّبّ شهداء في أرضه على أعمال خلقه؟ وقد قال في المؤمنين والمهاجرين: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، [الأنفال، من الآية: ٧٢].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، [الأنفال: ٧٣].
ومن الفساد الكبير على ما ذكر العلماء ضعف الإيمان وقوّة الباطل وقد حذّر الله نبيّه -ﷺ- من طاعة الكافرين والمنافقين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، [الأحزاب: ١]، عليمًا بما يصلح عباده حكيمًا في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ولما كان التّحذير من أولئك من أهمّ مقامات الدّين قال الله لنبيّه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾، [المائدة، من الآية: ٤٩].
وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، [الكهف، من الآية: ٢٨].
وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾، [طه: ١٦].
وفي الأثر: تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إلى الله بالبعد عنهم، وأطلبوا رضاء الله بسخطهم".
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، [القلم الآتيان: ٣٥ - ٣٦].
و﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، [الجاثية: ٢١].
[ ١ / ٣٢٢ ]
فالمساواة بين أهل الأهواء والزيغ والمعاصي، وجعلهم في رتبة أهل الإيمان أو فوقهم، خلاف ما أحبه الله وأمر به عباده، وهو في نفسه فساد، وذلك سبب سخط الله وحلول عذابه. فعليك بمن من إذا قربتهم قربك الله وأحبك، وإذا نصرتهم نصرك الله وأيدك، واحذر أهل الباطل الذين إذا قربتهم أبعدك الله وأوجب لك سخطه، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٧]. وفي الحديث: "من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا"١.
وقد رأينا عجبًا أن من التفت إلى أحد دون الله، خذله الله به وسلطه عليه; قال العلماء ﵏: قضى الله قضاء لا يرد ولا يدفع: أن من أحب شيئًا دون الله عذب به، ومن خاف شيئًا دون الله سلط عليه. وأنت تجد وترى كثيرًا من الناس، قدمهم ولاة الأمر في شيء من أمورهم، فتعززوا على الناس، وتجاسروا على الأهواء ومخالفة الشرع في أقوالهم وأعمالهم، فخافهم أهل الدين؛ (فمنهم) من ذل لهم واعتذر بعدم القدرة، (ومنهم) من استصلح دنياه خوفًا من كيدهم. وأنت تجد هؤلاء إذا ظهرت حالهم كابروا العقول بزخرف من القول والكذب، واستعانوا على إفكهم بأمثالهم، محافظة على العلو والفساد.
فلو وفق الإمام بالاهتمام بالدين، واختار من كل جنس أتقاهم وأحبهم وأقربهم إلى الخير، لقام بهم الدين والعدل. فإذا أشكل عليه كلام الناس، رجع إلى قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"٢،
فإذا ارتاب من رجل، هل كان يحب ما يحبه الله؟ نظر في أولئك القوم وسأل أهل الدين: من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين، وأولاهم بولاية الدين والدنيا؟ فإذا أرشدوه إلى
_________________
(١) ١ الترمذي: الزهد ٢٤١٤ ٢ الترمذي: صفة القيامة الرقائق والورع ٢٥١٨، والنسائي: الأشربة ٥٧١١، والدارمي: البيوع ٢٥٣٢.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ما كان يصلح لذلك قدمه فيهم، ويتعيّن عليه أن يسأل عنهم مَن لا تخفى عنه أحوالهم من أهل المحلة وغيرها، فلو حصل ذلك لثبت الدّين وبثباته يثبت الملك، وباستعمال أهل النّفاق والخيانة والظّلم يزول الملك ويضعف الدّين، ويسود القبلية شرارها ويصير على ولاة الأمر كفل من فعل ذلك. فالسّيعد مَن وُعِظَ بغيره، وبما جرى له وعليه. وأهل الدّين هم أوتاد البلاد ورواسيها، فإذا فعلت وكسرت مادت وتقلبت كما قال العلامة ابن القيم -﵀- ولكن رواسيها وأواتادها هم، فأنت إذا فعلت ما قلت لك قام بك الدّين والعدل وصارت سنة حسنة في هذا الزّمان ونلت أجر مَن أقام السّنة كما في الحديث: "مَن سَنَّ في الإسلام سُنةً حسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
فإن انعكس الأمر كما هو الواقع كانت سنة سيّئة عليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
ومن المعلوم أنّ النّفس تميل إلى الرّاحة وطلب رضا الخلق، وفي النّظر فيما يرضي الله مخالفة للخلق أو بغضهم ولكن طريق الجنة حزن بربوة، واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، [آل عمران، من الآية: ١٧٥]. وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، [البقرة، من الآية: ٤١]. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، [هود، من الآية: ١٢٣]. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، [سبأ، من الآية: ٤٦].
فإذا عرفت أنّ العبد لا يأتيه ما يكره إلّا من شرور نفسه وسيّات أعماله وأنّ نواصي الخلق في قبضة الرّبّ ﵎، وأنّ قلوبهم بين إصبعين من أصابعه أفادك القيام بدينه وأخذت في أسباب ذلك والحبّ فيه والبغض فيه والتّقريب له والإبعاد لأجله، وجعلت أفعالك تطابق أمره
[ ١ / ٣٢٤ ]
الشّرعي الدّينِي، وتتحرّى مرضاته في كلّ قولٍ وفعلٍ وتقديم أو تأخير أو غير ذلك، فلو صلح تدبير الإمام فيما ولّاه الله من الحاضرة أصلح الله البوادي وغيرهم، فإنّ الأعمال حجّة لك أو عليك، وأنت سالم. والسّلام. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصبحه وسلّم.
- ٢ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم