سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل خطك أوصلك الله إلى ما يرضيه. والذي أوصيكم به جميعًا ونفسي تقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوزوا بالأجر العظيم، وليحذر كلّ عاقلٍ أن يطلب العلم للمماراة والمباهاة؛ فإنّ في ذلك خطرًا عظيمًا، ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدّنيا والجاه والتّرؤّس بين أهلها وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين. ولو لم يكن في الزّجر عن ذلك إلّا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، [هود: ١٥ - ١٦].
وفي حديث أنس مرفوعًا: "مَن تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه فهو في النّار". وهذا القدر كافٍ في النّصيحة. وفّقنا الله. وإيّاكم لحسن القول.
وقد بلغني أنّكم اختلفتم في مسائل أدّى إلى النِّزاع والجدال وليس هذا شأن طلاب الآخرة، فاتّقوا الله، وتأدّبدوا بآداب العلم واطلبوا ثواب الله في تعلّمه وتعليمه، وأتبعوا العلم بالعمل؛ فإنّه ثمرته والسّبب في حصوله كما في الأثر: "مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم". وكونوا متعاونين على البر
[ ١ / ٣٧٠ ]
والتّقوى، ومن علامات إخلاص طالب العلم أن يكون صموتًا عما لا يعنيه، متذلّلًا لربّه، متواضعًا لعباده، متورعًا متأدّبًا لا يبالي ظهر الحقّ على لسانه أو على لسان غيره، لا ينتصر ولا يفتخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى، ولا يركن إلى زينة الدّنيا.
وأمّا المسألة الأولى وهي: هل يصحّ من الحائض إذا قدمت مكّة أن تسعى قبل الطّواف أم لا؟
الجواب: لا يصحّ السّعي إلّا بعد طوافٍ صحيحٍ لنسكٍ من الأنساك، أمّا المفرد والقارن فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما كما يجزئ القارن لعمرته. وأمّا المتمتّع فيسعى بعد طواف العمرة لها. ولا يجزئه للحجّ إلّا أن يسعى بعد الإفاضة بعد طواف. قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده، والمختار أنّه لا يطوف للقدوم وليس إلّا طواف الزّيارة وعليه أن يسعى بعده للحجّ، فإن سعى قبله لم يجزه، قالوا: ويجب أن يكون السّعي بعد طواف واجب أو مستحبّ. هذا كلام الحنابلة لا خلاف بينهم في ذلك. وقال الشّافعي: لو سعى ثم تيقن أنّه ترك شيئًا من الطّواف لم يصحّ سعيه فيلزمه أن يأتي ببقية الطّواف، فإذا أتى ببقيته أعاد السّعي نصّ عليه الشّافعي. وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة. ومِمَّا يستدلّ به لذلك حديث عائشة -﵂- وفيه: فلما كنا في بعض الطّريق حضت فدخل عليّ رسول الله -ﷺ- وأنا أبكي فقال: "ما يبكيكِ؟ "، قلت: وددت أنِّي لم أكن خرجت العام. فقال: "ارفضي عمرتكِ، وانقضي رأسكِ، وامتشطي وأهلي بالحجّ". ومعنى ارفضي العمرة: ارفضي أعمالها، فلو صحّ سعي قبل الطّواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك. والله أعلم.
[ ١ / ٣٧١ ]
وأمّا السّؤال عن قوله -ﷺ- في شأن الرّجل الذي صلّى بالتّيمّم ولم يعد لما وصل إلى الماء: "أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك". وقال لذي أعاد: "لك الأجر مرّتين". فلا شكّ أنّ الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشّرعي بدليل قوله -ﷺ-: "أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك"، وأمّا الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل فإنّه يثاب على الصّلاة الأولى والثّانية، وهو كونه صلّى الثّانية مجتهدًا فأثيب على اجتهاده للصّلاة الثّانية كما أثيب على الصّلاة الأولى، ومن المعلوم أنّ الفريضة أفضل من التّطوّع من جنسه وغير جنسه إلّا في أربعة أشياء ليس هذا محلّ ذكرها.
وأمّا السّؤال الثّالث فيمَن نوى جمع تأخير حيث يجوز الجمع فدخل وقت الثّانية قبل أن يَصِلُوا إلى الماء، فالأفضل في حقّهم أن يؤخّروا الصّلاة إلى الماء ما لم يدخل وقت الضّرورة، فإن صلّوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصّلاة بالتّيمّم ولا إعادة عليهم.
وقول السّائل: وهل يكون وقت الاختيار للثّانية وقت للأولى أم لا؟
الجواب: يكون وقتًا لها في حقّ مَن يجوز له الجمع، إذا نواه فتنبّه. والله أعلم.
يقول كاتبه إبراهيم بن راشد: إنّه لما قال ممليه ليس هذا محلّ ذكرها طلبت منه أن يذكرها فأملى علي نظمًا بيتين للسّيوطي والأخير لمحمّد الخلوتي:
الفرض أفضل من تطوّع عابد حتّى ولو قد جاء منه بأكثر
إلّا التّوضؤ قبل وقت وابتدا بالسّلام وإبراء لمعسر ١
وكذا ختان كان قبل بلوغه أنعم به نظم الإمام المكثر
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، ووزنه غير مستقيم.
[ ١ / ٣٧٢ ]