سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخطّ وصلك الله إلى رضوانه.
وإن سألت عنا فنحمد إليك الله في خيرٍ وعافيةٍ وما ذكرت من المسائل:
فالأولى: شهادة المملوك هل تقبل في الحدود والقصاص والأموال أم لا؟
الجواب: أنّ الذي عليه جمهور العلماء أنّها تقبل في الأموال. قال في الإنصاف: شهادة العبد لا يخلو إما أن تكون في الحدود والقصاص أو في غيرهما، فإن كانت في غيرهما قبلت على الصّحيح من المذهب، وإن كانت في الحدود والقصاص قبلت أيضًا على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه. انتهى.
قلت: واختار هذا القول جمع من الحنابلة وغيرهم منهم: الشّيخ تقيّ الدّين -رحمه الله تعالى-، قال في الاختيارات: ولا تشترط الحرية في الشّهادة، وهذا مذهب أحمد، وظاهر كلام أبي العباس، ولو في الحدود والقصاص، وهو رواية عن أحمد. انتهى.
قال بعضهم: لا أعلم أحدًا ردّ شهادة العبد، وهذا إن شاء الله هو الصّواب، لاسيما إذا كانت شهادته في الأموال والمراد بذلك إذا كان عدلًا قد تمت فيه شروط قبول الشّهادة. والله أعلم.
المسألة الثّانية: هل تكره الصّلاة على أحدٍ من أموات هذه الأمةّ غير الغالّ، وقاتل نفسه أم لا؟
وهل الكراهة للإمام فقط أم للكل؟
الجواب: أنّ الصّلاة تكره على غير الغالّ، وقاتل نفسه؛ مثل: المجاهر بالفسق والكبائر، فقد قال الشّيخ تقيّ الدّين: ينبغي لأهل العلم والدّين أن يدعوا الصّلاة عليه عقوبةً ونكالًا لأمثاله، لتركه -ﷺ- الصّلاة على قاتل
[ ١ / ٢٦٠ ]
نفسه، وعلى الغالّ، والمدين الذي لا وفاء له، وإن كان منافقًا كمَن علم نفاقه لم يصلّ عليه، ومَن لم يعلم نفاقه صلّي عليه، ومَن مات مظهرًا للفسق منع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر فلا بدّ أن يصلّي عليهم بعض النّاس، ومَن امتنع من الصّلاة على أحدٍ منهم زجرًا لأمثاله كان أحسن. ولو امتنع في الظّاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت أحدهما. انتهى.
والمراد بكراهة الصّلاة على أهل الكبائر للإمام خاصّة، أو لأهل العلم والدّين المقتدى بهم. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: جراح العبد إذا جني عليه الحرّ عمدًا فيما دون النّفس هل يجب فيه قصاص عند مَن يمنع القود به في النّفس أم ليس هنا إلّا القيمة في النّفس وما دونها؟
الجواب: قال في الإنصاف: كلّ مَن أقيد بغيره في النّفس أقيد به فيما دونها، ومَن لا فلا. يعني: ومَن لا يقاد بغيره في النّفس لا يقاد به فيما دونها. وهذا المذهب، وعليه الأصحاب. كذا ذكره في أوّل باب ما يوجب القصاص، فيما دون النّفس، وقال في باب شروط القصاص: ولا يقتل حرّ بعبدٍ، وهذا المذهب، وعليه الأصحاب. وقال الشّيخ تقيّ الدّين: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتل الحر به، وقوّى أنّه يقتل به. وقال هذا الرّاجح، وأقوى على قول أحمد.
ثم قال: في الإنصاف: ولا يقتل مسلم بكافرٍ، ولا حرّ بعبدٍ إلّا أن يقتل وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح؛ فإنّه يقتل به، يعني: إذا قتل عبد عبدًا، أو ذمي أو مرتدٌّ ذميا، أو جرحه ثم أسلم القاتل أو الجارح، أو عتق ويموت المجروح؛ فإنّه يقتل به على الصّحيح من المذهب. نصّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
[ ١ / ٢٦١ ]
المسألة الرّابعة: عمد المملوك إذا جنى على الحرّ ما حكمه؟
فجوابها يعرف من التي قبلها، وهو أنّه إن كان موجبًا للقصاص في النّفس أو فيما دونها فإنّه يقتصّ منه، وإن عفي عنه إلى الدّية فإنّها تكون في رقبة العبد دَين في ذمّته يباع فيها.
المسألة الخامسة: هل للإمام أو نائبه أو الحاكم أن يلزموا المجني عليه أن يأخذ القصاص من الجاني، ولو طلب الأرش أم ليس لهم ذلك؟
وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلّا القصاص منه يوافق على أخذ القصاص منه أم العبرة بالمجني عليه؟
والجواب أنّه لا يجوز للإمام ولا لنائبه إلزام المجني عليه أن يأخذ القصاص من الجاني، ولو طلب الدّية إلّا في مسألة الغيلة؛ فإنّ مذهب مالك أنّه يقتل حدًّا، وأمره إلى الإمام، ولو عفا أولياء القتيل، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، لا يمكن التّحرز منه بالمحاربة، وكذلك قاتل الأئمة فإنّ القاضي خرج وجهًا في المذهب أنّه يقتل حدًا.
وقال السّائل: وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلّا القصاص منه يوافق على ذلك أم العبرة بالمجني عليه؟
فهذه المسألة مبنية على أصلٍ وهو أنّه هل الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدّية، أو أنّ الواجب في قتل العمد القصاص عينًا؟
وفي ذلك قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. قال في الشّرح الكبير: اختلفت الرّوايات عن أحمد -رحمه الله تعالى- في موجب العمد فروي عنه أنّ موجبه القصاص عينًا، لقول رسول الله -ﷺ-: "مَن قتل عمدًا فهو قود".
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨]. والمكتوب لا يتخيّر فيه. ولأنّه متلف يجب به البدل فكان معينًا كسائر المتلفات. وبه قال النّخعي ومالك وأبو حنيفة. قالوا: ليس للأولياء إلّا القتل
[ ١ / ٢٦٢ ]
إلّا أن يصطلحا على الدّيّة برضا الجاني.
والمشهور في المذهب أنّ الواجب أحد شيئين: إما القتل أو الدّية، والخيرة في ذلك إلى الولي إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدّية، وإن شاء قتل البعض إذا كان القاتلون جماعة؛ لأنّ كلّ مَن له قتله فله العفو عنه، كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو عن البعض؛ لأنّهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، فمتى اختار الأولياء أخذ الدّية من القاتل أو من بعض القتلة، كان لهم هذا من غير رضا الجاني. وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، والشّافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهي رواية عن مالك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨].
قال ابن عبّاس: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدّية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨]. انتهى.
والعفو أن يقبل في العمد الدّية فاتّباع بالمعروف يتّبع بمعروف، ويؤدّي إليه المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من رّبكم ورحمة مما كتب على بني إسرائيل. رواه البخاري.
وروى أبو هريرة قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- فقال: "مَن قتل له قتيل فهو بخير النّظرين: إمّا أن يؤدى، وإمّا أن يقاد". متّفق عليه.
وروى أبو شريح أنّ النَّبِيّ -ﷺ- قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل، وأنا والله عاقله، فمَن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا، وإن أحبّوا أخذوا الدّية". رواه أبو داود وغيره.
فإذا قلنا موجبه القصاص، فله العفو إلى الدّية، والعفو مطلقًا فإذا عفا مطلقًا لم يجب شيء. وهذا ظاهر مذهب الشّافعي، وقال بعضهم: تجب الدّية لئلا يبطل الدّم. وليس بشيء؛ فإنّه لو عفا عن الدّية بعد وجوبها صحّ عفو ومتى عفا عن القصاص مطلقًا إلى غير مالٍ لم يجب شيء إذا
[ ١ / ٢٦٣ ]
قلنا الواجب القصاص عينًا. فإن عفا عن الدّية لم يصحّ عفوه؛ لأنّها لم تجب، وإن قلنا الواجب أحد شيئين لا بعينه، فعفا عن القصاص مطلقًا أو إلى الدّية وجبت الدّية؛ لأنّ الواجب غير معيّن، فإذا ترك أحدهما تعيّن الآخر. وإن اختار الدّية سقط القصاص، ولم يملك طلبه؛ لأنّ الواجب أحد شيئين، فإذا تعيّن أحدهما سقط الآخر. وإن اختار القصاص تعيّن لذلك، وإن اختار بعد ذلك العفو إلى الدّية فله ذلك. ذكره القاضي؛ لأنّ القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلًا عن القصاص، وليست التي وجبت بالقتل كما قلنا في الرّواية الأولى إنّ الواجب عينًا، وله العفو إلى الدّية. ويحتمل أنّه ليس له ذلك؛ لأنّه أسقطها باختياره القود فلم يعد إليها. وعنه أنّ الواجب القصاص عينًا وله العفو إلى الدّية، وإن سخط الجاني؛ لما ذكرنا. قال في الإنصاف: وهذا الصّحيح على هذه الرّواية. وقال في المحرّر: وعنه موجبه القود عينًا مع التّخيير بينهما. وعنه أنّ موجبه القود عينًا وأنّه ليس له العفو على الدّية بدون رضا الجاني فيكون قوده بحاله. انتهى.
والصّحيح إن شاء الله أنّ موجبه أحد شيئين: القصاص أو الدّية، وأنّ الخيرة في ذلك إلى الولي. والله ﷾ أعلم.
- ٢٤ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم