سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من المسائل:
(الأولى): إذا باع رجل على رجلٍ شيئين ثم أنكر المشتري ووجد البائع أحد الشّيئين هل له الرّجوع في الموجود أم لا؟
(فالجواب): وبالله التّوفيق، أنّ هذه المسألة فيها روايتان:
(إحداهما): لا يرجع. نقلها أبو طالب عنه. قال: لا يرجع بقية العين، ويكون أسوة الغرماء؛ لأنّه لم يجد المبيع بعينه فأشبه ما لو كان عينًا واحدةً، ولأنّ بعض المبيع تالف فلم يملك الرّجوع فيه كما لو قطعت يد العبد. ونقل الحسن بن ثوبان عن أحمد إن كان ثوبًا واحدًا فتلف بعضه فهو أسوة الغرماء، وإن كان رزمًا فتلف بعضها فإنّه يأخذ بقيمتها إذا كان بعينه؛ لأنّ السّالم من المبيع وجده البائع بعينه فيدخل في عموم الحديث المذكور، ولأنّه مبيع وجده بعينه فكان للبائع الرّجوع فيه، كما لو كان جميع المبيع، فإن باع بعض المبيع
[ ١ / ٢٢٦ ]
أو وهبه أو وقفه فهو بمنْزلة تلفه؛ لأنّ البائع ما أدرك ماله بعينه.
(وأمّا الثانية): إذا باع رجل على رجلٍ سلعة قيمتها وقت البيع عشرة ثم أفلس المشتري وقد صارت قيمتها عشرين، هل له الرّجوع في الزّيادة المتّصلة أم لا؟
(فالجواب): أنّ من شرط الرّجوع في السّلعة إذا وجدها صاحبها عند المفلس أن لا يكون المبيع زاد زيادة متّصلة، كالسّمن، والكبر، وتعلّم صنعةٍ، فإنّ هذا يمنع الرّجوع، وهو اختيار الخرقي. وعن أحمد -رحمه الله تعالى- إنّ ذلك لا يمنع. قال في الشّرح الكبير، وهو مذهب مالك، والشّافعي، إلّا أنّ مالكًا قال: يخيّر الغرماء بين أن يعطوه السّلعة أو ثمنها الذي باعها به، واحتجّوا بالخبر يعني قوله: "مَن وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقّ به"، وبأنّه فسخ لا يمنع الزّيادة المنفصلة فلم يمنع المتّصلة كالرّدّ بالعيب.
قال: ولنا أنّه فسخ بسبب حادثٍ فلم يملك به الرّجوع في عين المال الزّائدة زيادة متّصلة؛ كفسخ النّكاح بالإعسار، أو الرّضاع، ولأنّها في ملك المفلس فلم يستحقّ البائع أخذها كالمنفصلة. انتهى.
والذي يترجّح عندي مذهب مالك -﵀-، وهو أنّ الغرماء يخيّرون بين أن يعطوه السّلعة بعينها، وبين أن يعطوه الثّمن الذي باعها به، فعلى هذا إن كان لهم مصلحة في زيادتها المتّصلة أعطوه ثمنه وأخذوا السّلعة، وتكون الزّيادة المتّصلة للمفلس يستوفون بها الغرماء.
(الثالثة): إذا كان على رجلٍ دينٌ وصار الدَّين أكثر من قيمة ماله لو يباع، وظهرت أمارات الفلس، ورهن بعض ماله قبل أن يطلب الغرماء الحجر عليه عند المفتي، هل يصحّ رهنه مع أنّ بعض الغرماء يدّعي عدم ظهور أمارات الفلس لغيبته أو غيرها ما الحكم؟
[ ١ / ٢٢٧ ]
(فالجواب): أنّ في نفوذ تصرّفه قبل الحجر عليه قولان هما روايتان عن أحمد:
(أحدهما): أنّه يصحّ تصرّفه وينفذ. قال في الإنصاف على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه جماهير الأصحاب، وقيل: لا ينفذ تصرّفه. ذكره الشّيخ تقي الدّين وحكاه روياةً واختاره.
وسأله جعفر -يعني الإمام أحمد- مَن عليه دين يتصدّق بالشّيء؟
قال: الشّيء اليسير وقضاء دينه أوجب عليه.
(قلت): وهذا القول هو الصّواب، خصوصًا وقد كثرت حيل النّاس وجزم به في القاعدة الثّالثة والخمسين، فقال: المفلس إذا طلب البائع منه سلعته التي يرجع بها قبل الحجر لم ينفذ تصرّفه، نصّ عليه، وذلك ثلاثة نصوص، لكن ذلك مخصوص بمطالبة البائع. انتهى كلامه في الإنصاف.
وهذا القول، هو الذي اختاره الشّيخ تقي الدين، وصاحب الإنصاف، وهو الرّاجح إن شاء الله تعالى.
(الرّابعة): إذا استأجر رجلّ أرضًا بأربعين ريالًا، وتنقلت بعد الأربعين إلى أنّ المستأجر يؤجّرها بعشرة وصاحب الأرض قد شرط على المستأجر مدّة سنين، وأراد المستأجر الفسخ، هل تدخل في حكم وضع الجوائح أم لا؟
(فالجواب): أنّ الذي نفهم من كلام أهل العلم أنّها ما تدخل في مسألة وضع الجوائح، وأنّ المراد بذلك إذا كانت الجائحة من قبل الله بآفةٍ سماوية كالمطر والبرد والسّيول وأشباه ذلك، وأمّا الإجارة فهي لازمة من قبل المؤجر والمستأجر إلّا إذا انهدمت الدّار، أو تعطّلت الأرض بآفة سماوية انفسخت الإجارة فيما بقي من المدّة، وأمّا هذه الصّورة فهي مثل أن يشتري سلعة غالية ثم ترخص بعد ذلك بتغيّر الأسعار. والله أعلم.
(الخامسة): إذا وجد رجل ضالة من الإبل فأخذها يريد الحفظ، وهو معروف بالأمانة، ثم تلفت بعد ذلك بموتٍ أو ذهابٍ، هل يغرمها إذا طالبه صاحبها أم لا؟
[ ١ / ٢٢٨ ]
(الجواب): قال في الإنصاف: يجوز للإمام أو نائبه أخذ ما يمتنع من صغار السّباع وحفظه لربّه، ولا يلزمه تغريمه. قاله الأصحاب، ولا يكتفى فيها بالصّفة. قاله المصنّف وغيره، واقتصر عليه في الفروع. ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء من ذلك لحفظه لربّه على الصّحيح من المذهب. وقال المصنّف ومَن تبعه يجوز أخذها إذا خيف عليها كما لو كانت في أرض مسبّعة أو قريبًا من دار الحرب، أو موضع يستحلّ أهله أموال المسلمين، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى فلا ضمان على مَن أخذها؛ لأنّه إنقاذ من هلكة. قال الحارثي: قالوا كما قال. وجزم به في تجريد العناية.
(قلت): ولو قيل: بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه. انتهى.
والذي يترجّح عدي أنّ الرّجل إذا عُرِفَ بالأمانة، وأنّه يحسن في حفظها ولم يتعرّض لها بركوبٍ وغيره، أنّه لا يضمن كما اختاره هؤلاء الأئمة. والله أعلم.
(السّادسة): إذا تزوّج رجل بامرأة وشرطت عليه طلاق ضرّتها، أو طلاقها بنفسها بعد شهرين هل يصحّ ذلك أم لا؟
(فالجواب): أمّا شرطها طلاقها بنفسها بعد شهرين؛ فهذا لا يجوز اشتراطه، وهو شرط باطل، وأمّا اشتراط طلاق ضرّبها ففيه خلاف مشهور بين العلماء. والصّحيح أنّه شرط باطل بما ثبت في الصّحيحين وغيرهما أنّ النَّبِيّ -ﷺ- قال: "لا تسأل المرأة طلاق ضرّتها؛ فإنّه يأتيها ما قدر لها"، أو كما قال -ﷺ-. والله ﷾ أعلم.
(السّابعة): إذا كان رجل معروفًا بالفلس ويعامله النّاس مع ظهور فلسه، وأراد رهن بعض ما في يده، أوفى به بعض الغرماء، وطلب غرماؤه الحجر عليه لزمه إجابتهم، وهذا هو الصّحيح إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٢٩ ]
(الثّامنة): العبد إذا ظاهر أو سرق من حرزٍ، هل يصير حكمه حكم الحرّ في ذلك أم لا؟
(فالجواب): أنّ الذي عليه جمهور العلماء أنّ الظّهار يصحّ من كلّ زوجٍ يصحّ طلاقه. قال في الإنصاف: هذا هو الصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، فيصحّ ظهار الصّبي حيث صحّحنا طلاقه. قال في عيون المسائل: سوى أحمد بينه وبين الطّلاق إلى أن قال: (تنبيهان): أحدهما: شمل قوله يصحّ من كلّ زوجٍ يصحّ طلاقه العبد، وهو الصّحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب. وجزم به في الفروع وغيره. وقيل: لا يصحّ، والذي يترجّح عندي هو قول جمهور العلماء.
وأمّا العبد إذا سرق، فالظّاهر من كلامهم أنّه كالحرّ وصرّح به العلماء من الشّافعية.
(التّاسعة): ما معنى قوله: ولا يجوز استصناع سلعة بعينها؟
(فالجواب): أنّ معنى ذلك: أن يأمر رجلًا أن يصنع له سلعة ولا يصفها بصفات السلم، فأمّا إذا ضبطها بأوصاف السّلم الذي لا يحصل معه الجهل ولا الغرر؛ فإنّه جائز؛ لأنّه داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، [البقرة، من الآية: ٢٧٥].
وقوله - ﵇: "المسلمون عند شروطهم".
(العاشرة): إذا كان لرجلٍ على رجلٍ دين مؤجّل قدر عشرة وأراد أن يعجل له بخمسة ويترك الباقي هل يصحّ ذلك أم لا؟
(فالجواب): أنّ فيها خلافًا مشهورًا بين العلماء. قال في الإنصاف: ولو صالح عن المؤجّل ببعضه حالًا لم يصحّ. هذا هو المذهب نقله الجماعة عن أحمد وعليه جماهير الأصحاب، وفي الإرشاد والمبهج رواية يصحّ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين؛ لبراءة الذّمّة هنا، وكدين الكتابة، جزم به الأصحاب في دين الكتابة، ونقله ابن منصور. انتهى كلامه.
والذي يترجّح عندي هو
[ ١ / ٢٣٠ ]
القول الأخير، وهو الذي اختاره الشّيخ تقي الدّين - قدّس الله روحه -.
وأمّا إذا كان الدّين حالًا فوضع بعضه، وأجّل باقيه، قال في الإنصاف: صح الإسقاط دون التّأجيل، أمّا الإسقاط فيصحّ على الصّحيح من المذهب. وعنه: لا يصحّ الإسقاط، أمّا التّأجيل فقد يصحّ على الصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب؛ لأنّه وعد. وعنه يصحّ، وذكر الشّيخ تقي الدّين روايةً بتأجيل الحال في المعارضة لا التّبرّع. قال في الفروع: والظّاهر أنّها هذه الرّاوية. والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- ١٧ -
وله أيضًا -رحمه الله تعالى-:
بسم الله الرّحمن الرّحيم