(وبعد) الخطّ وصل أوصلك الله إلى رضوانه، ونحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو على نعمة الإسلام والإيمان والعافية والاجتماع على دين الله بعد أجرى الله على أمير المسلمين ما أجرى، ونرجو من الله أن يفتح لنا فتحًا مبينًا، وينصرنا نصرًا عزيزًا أعظم مما تقدّم.
وأمّا المسائل التي تسأل عنها:
(الأولى): إذا قال رجل لزوجته: إن أعطيتِنِي كذا وكذا، فأنت طالق، أو إذا نزلت على أهلك، فأنت طالق، ومراده ونيّته وقت معلوم، كاليوم واليومين مثلًا، فلا تطلق إذا مضى الوقت الذي نواه، والظّاهر أنّه يحلف أنّ هذا مراده.
وأمّا إذا علّق الطّلاق على شرطٍ فأراد الرّجوع عن ذلك التّعليق قبل وجود الشّرط، فالذي صحّحه في الإنصاف وغيره أنّه ليس له الرّجوع عن ذلك.
[ ١ / ٢٣١ ]
(الثّانية): إذا طلبت المرأة من زوجها المريض طلاقها فطلّقها ثلاثًا صحّ طلاقه، وطلقت، والظّاهر أنّها لا ترث لعدم التّهمة، وأمّا كلام ابن عبّاس في الخلع وقوله: ليس الخلع بطلاق، فالظّاهر أنّ مراده الخلع الصّحيح، وهو المستكمل للشّروط المذكورة في القرآن: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، [البقرة، من الآية: ٢٢٩]. وهي رواية عن أحمد، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، وهو مروي عن طاوس، وعكرمة، وإسحاق، وأبِي ثور، وهو أحد قولي الشّافعي.
وأمّا خلع كثير من النّاس اليوم؛ فليس بخلعٍ صحيحٍ، والذي يفتى به لمثلهم أنّ الخلع طلاق بائن، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، سواء نوى به الطّلاق أم لا.
روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ومالك، وأصحاب الرّاي.
وأمّا مَن أراد تزويج أخته وليس معه إلّا شاهد ويمين، فمثل هذا يشترط له كثير من أهل العلم شاهدين، وليس لليمين مدخل في مثل هذا، إنّما ذلك في المال، وما يقصد به المال.
وأمّا الجار إذا كان شريكًا لجاره في طريق، وليس لغيرهما شركة فهي الشّفعة، خلاف مشهور. والرّاجح أنّ له الشّفعة، وهو المفتَى به عندنا، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين.
وأمّا الصّبرة المشتراة، جزافًا فلا يجوز بيعها حتّى ينقلها المشتري من مكانها إلى آخر، ويكفي في ذلك أن ينقلها من موضعٍ في السّوق إلى آخر.
وأمّا المساقاة والمزارعة إذا شرط ربّ الأرض أن لا يخرج منها سنين معلومة، فالظّاهر لزوم ذلك الشّرط، كما في الحديث: "المسلمون عند شروطهم "، وكثير من العلماء يقولون هي لازمة على المساقي والمزارع، وإن لم يشترط ربّ الأرض لزومه.
وأمّا الذي خالع زوجته، وقال: أنت طالق
[ ١ / ٢٣٢ ]
عدد الخوص، فإن كان الخلع صحيحًا فليس بطلاقٍ، وإن قال ذلك، وإن كان الخلع كخلع أكثر النّاس اليوم.
وأمّا الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه صغيرًا كان أو كبيرًا بالشّروط المذكورة في كتب الفقه.
وأمّا إذا اكترى رجل من آخر أرضًا أو نخلًا وأصابته جائحة؛ فإنّه يطرح عن المؤجّر بقدر ما نقصت الجائحة من الثّمرة من الأجرة.
وأمّا إذا قال الزّوج لزوجته عند سؤالها منه الطّلاق: الله يرزقكِ، فهذا كناية يحتاج إلى نية الطّلاق، ويصدق بيمينه إن لم ينوِ الطّلاق. انتهى.
وصلّى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ١٨ -