وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل كتابك تسأل فيه عن ثمان مسائل:
الأولى: رجل ادّعى على غائبٍ وأقام البيّنة بدعواه هل يسمعها الحاكم ويحكم بها أم لا؟ وهل للمسافة تحديد أم لا؟
فنقول: اعلم أنّ للعلماء في هذه المسألة قولين:
أحدهما: أنّه إذا طلب من الحاكم سماع البيّنة والحكم بها فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشّروط. وبه قال ابن شبرمة ومالك والشّافعي وأحمد والأوزاعي واللّيث وأبو عبيدة وإسحاق وابن المنذر. واحتجوا بحديث هند المتّفق عليه أنّها جاءت إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطينِي ما يكفينِي وولدي. قال: "خذي ما يكفيك وولد بالمعروف". فقضى عليه ولم يكن حاضرًا.
والثّاني: أنّ الحاكم لا يحكم على الغائب ولا يسمع البيّنة عليه. وبهذا قال شريح وابن أبي ليلى والثّوري وأبو حنيفة، إلّا أنّ أبا حنيفة قال: تسمع البيّنة ولا يحكم بها إلّا أن يكون له وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه. واحتجّوا بما روي عن النَّبِيّ -ﷺ- أنّه قال لعلِّي: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقتضِ للأوّل حتّى تسع كلام الآخر فإنّك لا تدري بما تقضي". قال التّرمذي: هذا حديث حسن، ولأنّه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البيّنة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه. وهي
[ ١ / ٢٩٩ ]
الرّواية الأخرى عن أحمد. قال في الفروع: وعنه لا يحكم على غائبٍ كحقّ الله فيقضي في السّرقة بالغرم فقط.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ القول الثّاني هو الرّاجح والعمل عليه عندنا لوجوه:
الأوّل: أنّ ما احتجّوا به لا يدلّ على موضع النِّزاع؛ لأنّ هذا استفتت النَّبِيّ -ﷺ- هل يجوز لها الأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها فقال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وليس هذا من باب القضاء على الغائب في شيءٍ يوضّحه.
الوجه الثّاني: وهو أنّه لو كان قضاء لأرسل إلى أبي سفيان يحضر مجلس الحكم؛ لأنّ الاستفتاء وقع بمكّة وأبو سفيان إذ ذاك حاضر فيها.
الوجه الثّالث: أنّه لو كان قضاء على الغائب لأمرها رسول الله -ﷺ- بإقامة البيّنة ولم يقض عليه حتّى يسمع البيّنة، والذي يقول بالقضاء على الغائب يشترط لجواز ذلك إقامة البيّنة المقبولة وغيبته مسافة القصر، فدلّ هذا على أنّه فتوى لا قضاء على الغائب، وكيف يقضي عليه مع حضوره وعدم غيبته؟ وهم مجمعون على أنّ القضاء على الحاضر الذي لم يغب دون مسافة القصر لا يجوز، فدلّ هذا على أنّه فتوى لا قضاء. ولهذا تعقب الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة النّووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم بأنّ القضية كانت بمكّة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء.
الوجه الرّابع: أنّه لو كان قضاء لاستحلفها رسول الله -ﷺ- إذا تعذر عليها إقامة البيّنة الكاملة ولم ينقل شيء من ذلك، ولهذا في حديث الأشعث بن قيس في البخاري لما خاصم ابن عمّه في أرضٍ له وادّعى أنّها
[ ١ / ٣٠٠ ]
له، قال رسول الله -ﷺ-: "شاهداك أو يمينه" الحديث. ولهذا قال في الشّرح الكبير ردًّا على مَن احتجّ بحديث هند على أنّ الحاكم يحكم.
المسألة الثّانية: هل في المسافة تحديد؟
فالذين يرون جواز القضاء على الغائب يحدّدون المسافة بمسافة القصر، قالوا: لأنّ ما دونها في حكم المقيم.
المسألة الثّالثة: هل تجب اليمين مع بيّنةٍ كاملةٍ ومع عدمها أم لا؟ وهل في المسألة تفريق الخ وما سبب الاختلاف؟
فنقول: عن ابن عمر أو ابن عبّاس -﵃- قال: لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى رجال أموال قومٍ ودماءهم، ولكن البيّنة على المدّعي واليمين على مَن أنكر. قال النّووي: حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا. وبعضه في الصّحيحين. وأصله في الصّحيحين عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى أناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدّعَى عليه".
وفيهما عن ابن عمر -﵄- أنّ رسول الله -ﷺ- قضى أنّ اليمين على المدّعَى عليه، وقد استدلّ العلماء بقوله: "اليمين على المدّعَى عليه" على أنّ المدّعي لا يمين عليه، وإنّما عليه البيّنة، وهو قول الأكثرين. قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: وروي عن عليّ -﵁- أنّه حلّف المدّعي مع بيّنته أنّ شهوده شهدوا الحقّ، وفعله أيضًا شريح وعبيد الله بن أبي عتبة بن مسعود وابن أبي ليلى وسوار العنبري وعبد الله بن الحسن ومحمّد بن عبد الله الأنصاري. وروي عن النّخعي أيضًا.
وقال إسحاق: إذا استراب وجب هذا. وسأل منها الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال أحمد قد فعله عليّ. فقال: أيستقيم هذا؟ فقال: بل فعله عليّ. فأثبت القاضي هذا رواية عن أحمد لكنه حملها على
[ ١ / ٣٠١ ]
الدّعوى على الغائب والصّبي. وهذا لا يصحّ؛ لأنّ عليًّا -﵁- إنّما حلّف المدّعي مع بيّنته على الحاضر معه، وهؤلاء يقولون هذه اليمين لتقوية الدّعوى إذا ضعفت باسترابة الشّهود كاليمين مع الشّاهد الواحد. وكان بعض المتقدّمين يحلف الشّهود إذا استراب بهم أيضًا. ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة، وجوز ذلك القاضي أبو يعلى من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة. وقد قال ابن عبّاس -﵄- في المرأة الشّاهدة على الرّضاع أنّها تستحلف، وأخذ به الإمام أحمد، وقد دلّ القرآن على استحلاف الشّهود عند الارتياب بشهادتهم بالوصية في السّفر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، [المائدة، من الآية: ١٠٦]. انتهى.
إذا عرفت ذلك، فالذي يتوجّه أنّ البيّنة الكاملة العادلة التي لا يستريب الحاكم في شهادتها لا يحلف معها المدّعي. وقال صاحب الإنصاف: وعنه يحلّف مع الرّيبة، ولنا وجه أن يحلف لقول رسول الله -ﷺ-: "شاهداك أو يمينه"، فدلّ على الاكتفاء بالشّاهدين. وأمّا إذا استراب الحاكم بالشّهود وخصوصًا في هذه الأزمان فهنا يتوجّه القول بتحليف المدعّي كما فعله عليّ -﵁- وغيره. ويتوّجه أيضًا تحليف الشّهود مع الرّيبة. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: إذا كان لرجلٍ على رجلٍ حقّ وقدر على أخذ ماله هل يجوز له أخذ قدر حقّه أم لا؟ وهل قول النَّبِيّ -ﷺ- لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" هل هو حكم أو فتيا؟
فنقول: هذه المسألة قد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال،
[ ١ / ٣٠٢ ]
وتُسمَّى هذه المسألة مسألة الظّفر:
أحدها: أنّه ليس له أن يخون مَن خانه، ولا يجحد مَن جحده، ولا يغصب مَن غصبه. وهذا مذهب أحمد ومالك.
والثّاني: يجوز أن يستوفي قدر حقّه إذا ظفر بماله سواء ظفر بجنسه أو بغير جنسه، وفي غير الجنس يدفعه إلى الحاكم ببيعه ويستوفي ثمنه منه. وهذا قول أصحاب الشّافعي.
والثّالث: يجوز له أن يستوفي قدر حقّه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس. وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.
والرّابع: إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذه إحدى الرّوايتين عن مالك.
والخامس: إن كان سبب الحقّ ظاهرًا كالنّكاح والقرابة وحقّ الضّيف جاز للمستحقّ الأخذ بقدر حقّه، كما أذن فيه النَّبِيّ -ﷺ- لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بنيها، وكما أذن لِمَن نزل بقومٍ ولم يضيّفوه أن يعقبهم في مالهم بمثل قراه كما في الصّحيحين عن عقبة بن عارم قال: قلت للنَّبِيّ -ﷺ-: إنّك تبعثنا فنَنْزل بقومٍ لا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا: "إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضّيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضّيف الذي ينبغي لهم".
وإن كان سبب الحقّ خفيًّا بحيث يتّهم بالأخذ والنّسبة إلى الخيانة ظاهرًا لم يكن له الأخذ، وتعريض نفسه للتّهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذًا حقّه كما أنّه ليس له أن يتعرّض للتّهمة التي تسلّط النّاس على عرضه، وإن ادّعى أنّه محقّ غير متّهم. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وهذا القول أصحّ الأقوال وأسدّها وأوفقها للقواعد الشّرعية، وبه تجتمع الأحاديث؛ فإنّه قد
[ ١ / ٣٠٣ ]
روى أبو داود في سننه من حديث يوسف بن مالك قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم فغالطوه بألف درهم فأدّاها إليهم فأدركت لهم من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك. قال: لا. حدّثنِي أبي أنّه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "أدّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخن مَن خانك". وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإنّ له شاهدًا من وجهٍ آخر. وفي المسند عن بشر بن الخصاصية أنّه قال: يا رسول الله إنّ لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلّا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: "لا. أدّ الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تخن مَن خانك".
فهذه الأحاديث تبيّن أنّ المظلوم في نفس الأمر إذا كان ظلمه غير ظاهرٍ وقدر على مال لِمَن ظلمه وأخذه خيانة لم يكن له ذلك، وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقّه لكنه خان الذي ائتمنه، فإنّه إذا سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه ولا باستحقاق ظاهر كان خائنًا، وإذا قال: أنا أستحقّ في نفس الأمر لما أخذته لم يكن ما ادّعاه ظاهرًا معلومًا، وصار كالمتزوّج امرأة وأنكرت نكاحه ولا بيّنة له، فإذا قهرها على الوطء من غير حجّة ظاهرة فإنّه ليس له ذلك، ولو قدر أنّ الحاكم حكم على رجلٍ بطلاق امرأته ببيّنة اعتقد صدقها وكانت كاذبة في الباطن لم يكن له أن يطأها لما يعلم في الباطن.
فإن قيل: ليس هذا بخيانة بل هو استيفاء حقٍّ. والنَّبِيّ -ﷺ- نهى عن خيانة مَن خان، وهو أن يأخذ من مال ما لا يستحقّ نظيره.
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن هذا السّؤال بأن قال: هذا ضعيف لوجوه:
أحدها: أنّ الحديث فيه: أنّ قومًا لا يدعون لنا شاذة إلّا أخذوها أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون منّا؟ فقال: "لا".
[ ١ / ٣٠٤ ]
الثّاني: أنّه قال: "ولا تخن مَن خانك"، ولو أريد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين مَن خانه ومَن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، ولا يحتاج إلى بيان وسؤال، وهو قوله: "ولا تخن مَن خانك". فعلم أنّه أراد أنّك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرّجل مالًا فخانه في بعضه ثم أودع الأوّل نظيره فأراد أخذ ماله منه فهذا هو المراد بقوله: "ولا تخن مَن خانك".
الثّالث: إنّ كونه خيانة لا ريب فيه، وإنّما الكلام في جواز على وجه القصاص، فإنّ الأمور فيها ما يباح القصاص فيه، كالقتل، وقطع الطّريق، وأخذ المال. ومنها ما لا يباح فيه القصاص كالفواحش، والكذب ونحو ذلك. قال الله في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، [الشّورى، من الآية: ٤٠]. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، [النّحل: ١٢٦]. فأباح الاعتداء والعقوبة بالمثل. فلما قال -ﷺ- ههنا: "ولا تخن مَن خانك"، عُلِمَ أنّ هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل. والله أعلم. انتهى.
فإذا تقرّر هذا، عرفت أنّ الصّواب في المثل ما رجّحه الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم -رحمهما الله تعالى- فيما تقدّم. وهذا هو الموافق لقواعد الشّرع. والله أعلم.
المسألة الخامسة: إذا كانت أرض بين رجلين لأحدهما الثّلثان، والآخر الثّلث ينتفع صاحب الثّلثين بقسمها ويتضرّر الآخر وطلب مَن لا يتضرّر القسم، هل يجبر الآخر عليه أم لا؟ وإن طلبها صاحب الثّلث هل يجبر الآخر أم لا؟ وإن طلب أحدهما القسمة بالزّمان أي: قسمة المنافع فهل يجبر الممتنع على ذلك أم لا؟ وإذا رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته هل له ذلك أم لا حتّى ينقضي الدّور ويستوفي كلّ واحدٍ منهما حقّه؟
[ ١ / ٣٠٥ ]
وكذا إذا تلفت المنافع في مدّة الآخر قبل تمكنّه من استيفاء حقّه فهل يرجع على الأوّل ببدل حصّته أم لا؟
فنقول: قال العلماء القسمة نوعان: قسمة تراضٍ، وهي: ما فيها ضرر أو ردّ عوضٍ من أحدهما كالدّور الصّغار والحمام والبيوت المتلاصقة التي لا يمكن قسمة كلّ عينٍ مفردة منها. والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالإجزاء والتّعديل إذا رضوا بقسمتها أعيانًا بالقيمة جاز؛ لأنّ الحقّ لهم لا يخرج عنهم، وقد روضوا بقسمته، وهذه جارية مجرى البيع لا يجبر عليها الممتنع، ولا يجوز فيها إلّا ما يجوز في البيع، لما روى مالك في الموطّأ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "لا ضرر ولا ضرار". والضّرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم. وقال الخرقي: هو ما لا يمكن قسمه ولا الانتفاع بنصيبه منفردًا فيما كان ينتفع به مع الشّركة، مثل أن يكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كلّ واحدٍ منهما موضعًا ضيّقًا لا ينتفع به، ولو أمكن أن ينتفع به في شيء غير الدّار ولا يمكن أن ينتفع به دارًا لم يجبر على القسمة أيضًا؛ لأنّه ضرر يجري مجرى الإتلاف. وهذه إحدى الرّوايتين عن أحمد.
والثّانية: أنّ المانع هو أن ينقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشّركة، وسواء انتفعوا به مقسومًا أو لم ينتفعوا، قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد، وهذا ظاهر كلام الشّافعي؛ لأنّ نقص قيمته ضرر شرعًا، والضّرر ينتفي.
فأمّا إن كان الضّرر على أحدهما دون الآخر كرجلين لأحدهما الثّلثان وللآخر الثّلث ينتفع صاحب الثّلثين بقسمتها ويتضرّر الآخر فطلب مَن لا يتضرّر القسم لم يجبر الآخر، وإن طلبه الآخر أجبر الأوّل. قال القاضي: إن طلبه الأوّل أجبر الآخر. وذكره أبو الخطاب، وهو ظاهر كلام أحمد في
[ ١ / ٣٠٦ ]
رواية حنبل. قال: كلّ قسمةٍ فيها ضرر لا أرى قسمتها. وبه قال ابن أبي ليلى وأبو ثور. قال في الفروع: إن طلبها المتضرّر أجبر الآخر. اختاره جماعة. قال في الشّرح: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
النّوع الثّاني: قسمة الإجبار. وهي ما لا ضرر فيها، ولا ردّ عوضٍ؛ كالأرض الواسعة والقرى والبساتين والدّور الكبار والدّكاكين الواسعة والمكيلات والموزونات والمائعات سواء قيل إنّ القسمة بيع أو إفراز حقٍّ؛ لأنّ بيعه جائز وإفرازه جائز، قالوا: وإذا طلب أحد الشّركاء القسمة في هذا النّوع أجبر الممتنع بثلاثة شروط:
أحدها: إن ثبت عند الحاكم ملكهم ببيّنة. قال في الفروع: ذكره جماعة. يعنِي: هذا الشّرط ولم يذكره آخرون. وجزم به في الرّوضة، واختاره شيخنا -يعنِي به الشّيخ تقيّ الدّين- وفي المرهون وجهان، وأنّ كلام أحمد في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما يثبت فيه ملكهما، وما لم يثبت لجميع الأموال التي تباع، وإنّ مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت إنّها خلية لا ولي لها هل يزوّجها بلا وليّ فيه؟ وجهان.
الثّاني: أن لا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع.
الثّالث: أن يمكن تعديل السّهام من غير شيء يجعل معها فإن لم يمكن ذلك لم يجبر الممتنع؛ لأنّها حينئذٍ تصير بيعًا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين. والله أعلم.
وأمّا قول السّائل -أرشده الله للصّواب-: وإذا طلب أحدهما القسمة بالزّمان، أي: بالمنافع فهل يجبر الممتنع على ذلك أم لا؟
ففيها قولان في مذهب أحمد؛ لكن الذي رجّعوه أنّ الممتنع لا يجبر، وعنه يجبر، اختار صاحب المحرّر الإجبار في القسمة.
وأمّا إذا اتّفقوا على المهايأة بزمانٍ بأن تجعل الدّار في يد أحدهما شهرًا،
[ ١ / ٣٠٧ ]
أو عامًا ونحوه، وفي يد الآخر مثلها، أو اقتسموا مهايأة بمكانٍ كسكنى هذا في بيتٍ وسكنى الآخر في بيتٍ ونحوه جاز؛ لأنّ المنافع كالأعيان، ولو تهايؤا في الحيوان اللّبون بأن يحتلب هذا يومًا وهذا يومًا فإنّه لا يصحّ، ولو تهايؤا في الشّجر المثمر لتكون لهذا عامًا ولهذا عامًا لم يصحّ ذلك أيضًا؛ لما فيه من الغرر الظّاهر، لكن طريقه أن يبيح كلّ واحدٍ منهما نصيبه لصاحبه في المدّة التي تكون بيده ويكون من باب المنحة والإباحة لا القسمة، وتكون قسمة المنافع بالزّمان والمكان جائزة لا لازمة سواء عَيَّنَا مدّة أو لم يعيِّنَاها؛ كالعارية من الجهتين، فلو رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته فله ذلك، وإن رجع بعد استيفاء نوبته غرم لشريكه ما انفرد به من الانتفاع بأجرة المثل. والله أعلم.
وأمّا إذا تلفت المنافع في مدّة أحدهما أو نوبته فلا إشكال في أنّه يرجع على صاحبه بقدر نصيبه الذي انتفع به. والله أعلم.
وأمّا المسألة السّادسة: هل قسمة الإجبار إفراز أو بيع، فإن قلتم إنّها بيع، فهل يجوز قسم الأرض المزروعة قبل اشتداد حبّها أم لا؟
فاعلم أنّ هذه المسألة فيها قولان للعلماء:
أحدهما: أنّها إفراز حقّ أحدهما من الآخر وليست بيعًا. وهذا أحد قولي الشّافعي.
والقول الثّاني: أنّها بيع. وحكي ذلك عن أبي عبد الله بن بطه؛ لأنّه يبدل نصيبه من أحد السّهمين بنصيب صاحبه من السّهم الآخر. وهذا حقيقة البيع. وذهب المجد وحفيده إلى أنّه إن كان فيها ردّ عوضٍ فهي بيع؛ لأنّ صاحب الرّدّ يبدل المال عوضًا عمّا حصل له من مال شريكه. وهذا هو البيع، وإن لم يكن فيها ردّ عوضٍ فهي إفراز.
وفائدة الخلاف: أنّها إذا لم تكن بيعًا جازت قسمة الثّمار خرصًا وما يكال وزنًا والموزون كيلًا. قال في التّرغيب في الأصحّ وتفرقهما قبل القبض فيما
[ ١ / ٣٠٨ ]
يشترط فيه القبض في البيع وإذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث وإذا كان العقار أو بعضه وقفًا جازت قسمته. وعلى القول بأنّها بيع تنعكس الأحكام المتقدّمة كلّها.
قالوا: ولا شفعة مطلقًا أي: على كلا القولين لجهالة الثّمن.
المسألة السّابعة: إذا دفع رجل إلى امرأته خمسة حمران ثم بعد ذلك اختلف فقال الزّوج الخمسة من المهر، والمهر قدره عشرة حمران ولم يذكر الزّوج يوم العطاء أنّها من المهر، فهل القول قول الزّوج؛ لأنّه أعلم بنيّته أم لا؟ وإن قلتم: القول قوله فهل يلزمه يمين؟
فنقول: الذي يظهر من كلام الفهاء في مثل هذه الصّورة أنّ القول قوله بلا يمين؛ لأنّه علم بنيّته. هذا الذي يظهر لي في المسألة. والله أعلم.
وأمّا المسألة الثّامنة: قولهم: ومَن مرّ بثمرة لا حائطٍ لها ولا ناظر ففيه ثلاث روايات .. الخ:
إحداها: له الأكل ولا يحمل. قال ابن رجب: هذا الصّحيح المشهور في المذهب. قال في الهداية: اختاره عامة أصحابنا. قال في الشّرح الكبير: وهو المشهور في المذهب لما روي عن أبي زينب التّيمي قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرّحمن بن سمرة وأبي برزة -﵃- فكانوا يمرّون بالثّمار فيأكلون في أفواههم. وقال عمر: يأكل ولا يتّخذ خبيئة، ثم ذكر القولين الآخرين، ثم قال: ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النَّبِيّ -ﷺ- سُئِلَ عن التّمر المعلّق فقال: "ما أصاب منه ذو الحاجة غير متّخذ خبيئة فلا شيء عليه، ومَن أخرج منه شيئًا فعليه غرامة مثليه والعقوبة". قال التّرمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو سعيد الخدري عن النَّبِيّ -ﷺ- أنّه قال: "إذا مررت ببستانٍ فناد صاحب البستان ثلاثًا فإن أجابك، وإلّا فكل من غير أن تفسد".
وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة عن النَّبِيّ -ﷺ-
[ ١ / ٣٠٩ ]