أن يرجع في هبته للولد، وأمّا إذا مات وصحّ القبض فلا رجوع على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء.
المسألة الرّابعة: فيمَن ماله مائة وخمسون، وقد أوصى لرجلٍ بثلث ماله ولآخر بعشرة، فإذا لم يجز الورثة ما زاد على الثّلث فيجعل الثّلث وهو خمسون ستة أسهم، لصاحب الثّلث خمسة أسهم كلّ سهم ثمانية وثلث، ولصاحب العشرة واحد من ثمانية وثلث، وأمّا الحديث فلم أقف عليه ومعناه صحيح. والله أعلم.
- ٢٤ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله وحده، والصّلاة والسّلام على مَن لا نَبِيَّ بعد، تأمّل -رحمك الله وهداك وتولّاك- ما ذكره بعض العلماء في مسألة عمت بها البلوى، وهي: ما إذا اشترى مسلم دابّة من بعض أسواق المسلمين، وهو لا يعلم أنّها مغصوبة فادّعى عليه آخر أنّها دابّته، قد أخذت منه بغير حقٍّ، وقد اعتمد بعض المفتين في قطرنا أنّه إذا أقام شاهدين أو شاهدًا ويمينًا أنّها دابّته أخذت منه نهبًا أن يفتى بنَزعها من يد المشتري مجانًا فيذهب على المشتري ثمنها والحالة هذه، وفي كلام العلماء من أئمة مذهبنا ومن بعدهم من متأخري الحنابلة أنّه لا يأخذها إلّا بالثّمن الذي اشتريت به، وهو أعدل إن شاء الله تعالى. وله أصل في كلام أئمة المذهب. قال في الشرح الكبير: إذا علم مال ارمرئ مسلم قبل قسمة الغنيمة وجب ردّه وصاحبه أحقّ به فأمّا إن أدركه بعد القسم؛ ففيه روايتان:
إحداهما: أنّ صاحبه أحقّ به بالثّمن، وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك، لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من
[ ١ / ٣٦٥ ]
الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة.
والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بحالٍ. نصّ عيله. ثم قال: إن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلّا بالقيمة وهو محجوج بحديث ناقة النَّبِيّ -ﷺ-. ولأنّه لم يحصل في يده بِعَوَضٍ. انتهى.
قلت: فتأمّل قول إمام مذهبنا: ولأنّه لم يحصل في يده بعِوَضٍ، وتأمّله قوله فيما تقدم: لئلا يفضي إلى حرمان مَن أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة. فتأمّل هذا التّعليل يظهر لك منه الدّليل؛ إذ لا فرق بين أن يشتريه من الغنيمة أو من بعض أسواق المسلمين. وهذا واضح بحمد الله.
وما نقلته من الشّرح الكبير نقله الخطابي في شرح السّنن عن هؤلاء الأئمة وبالله التّوفيق.
وقال في الاختيارات: وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرفه ربّه فالأشبه أنّ المالك لا يملك انْتزاعه من المشتري مجانًا؛ لأنّ قبض الإمام بحقّ ظاهرًا وباطنًا، ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبيّن مودعًا أو مغصوبًا، وهي قاعدة في كلّ مَن قبض مال الغير وهو لا يعلم به إما من مباحٍ أو من مغصوبٍ، أو من راهنٍ. انتهى. وقال في القواعد: كالمأذون له. انتهى.
وقال الشّيخ أحمد بن يحيى بن عطوة شيخ صاحب الإقناع: إذا اشتريت دابّة ونحوها من ظالمٍ وهو غاصبها ثم عرفها ربّها ثم نزعها بحجّةٍ شرعيةٍ رجع المشتري عليه بالثّمن. صرّح بذلك أبو العبّاس فيمَن خلص مال غيره من التّلف. إذا لم يقدر على تخليصه إلّا بما أدّى عنه رجع به واضح قولي العلماء؛ لأنّ ما خلص الدّابة إلّا دراهم المغرور، لقول -ﷺ-: "لا ضرر ولا ضرار". ولا يزال ضرر صاحب الدّابة يضرّ المبتاع فيردّ عليه الذي
[ ١ / ٣٦٦ ]
خلصها به وهو الثّمن الذي أسلمه للظّالم على الصّحيح.
قال الشيّخ إسماعيل بن رميح في تحفته: (فائدة جليلة) فيمَن خلص مال غيره من التّلف إذا لم يمكن تخليصه إلّا بما أدّى عنه رجع بما أدّى عنه في أظهر قولي العلماء. وذكره أبو العبّاس، وكذا معاوضة الرّاعي ببعض المسترعى عليه خوفًا من ذهاب الجميع جاز ذلك ووجب دفع أعلى الضّررين بأدناهما. وما بقي كان بينهم، ولو كان الملّاك لم يفعلوا إلّا هذا وإلّا عدّوا سفهاء. وأمّا أبو العبّاس فقال: من صودر على مال فأكره أقاربه أو أصدقاؤه فأدّوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا الأجلة. انتهى.
فعلى هذا، إذا اشتريت دابّة من غاصبها ثم عرفها مالكها عند المشتري المغرور، رجع بالذي خلصها به من الغاصب على مالكها، وقد ذكر في الإقناع كلام أبي العبّاس المذكور. وقال الشّهاب بن عطوة في روضته: قال شيخنا: فيمن وقف وقفًا وأشهد عليه وباعه على رجلٍ لم يعلم بالحال أنّ الوقف باطل والحالة هذه غير لازم بل يحكم الحاكم ببطلان الوقف مراعاة وحفظًا لمال المغرور، ولو فتح هذا الباب لتسلّط كلّ مكار وظالم على أموال المسلمين، واتّسع فتق لا يرقع، وفتح قلبه لذلك كلّ شيطانٍ لا يشبع، ويأبى الله ورسوله أن يجمع لهذا المخادع مال المبيوع ودراهم المخدوع، وقد أكذب نفسه وشهوده وبيّنته، فإذا شهدوا بالوقف وأنّه قد وقفه ثم أنّه قد باعه فكما قال الواقف فهي تكذبه، وهو يكذبها، فإذا شهدت البيّنة بالوقف فقد أكذبها بالبيع فبطلت وهو كذلك، ولا حيلة ولا ظلم ولا خديعة ولا غشّ بأكبر ولا أعظم من رجلٍ وقف أو وهب ماله لأقرب قرابته سرًا خفيًا ثم يبيعه على مسلمٍ غرّ ثم ينصب لذلك شهودًا وقضاة ينصرونه على ذلك لا كثّر الله منهم. انتهى.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ومن جواب للشّيخ عبد الله بن ذهلان وأصل السّؤال في شأن وقفٍ باعه مستحقّه وقبض ثمنه ثم أراد إفساد البيع الصّادر منه، وأكل الثّمن، وحاصل ما تكلّم به أنّه إذا باع إنسان عقارًا لا يعلم مشتريه كونه وقفًا ثم ادّعى بائعه وقفيته أنّ دعواه لا تسمع ولا بيّنته. انتهى.
قلت: وفي هذا القول الذي تقرّر سلامة المفتي من خطأ الشّهود وعدم عدّ التّهم باطنًا وظاهرًا؛ لأنّ العدل في هذه الأزمنة يعزّ وجوده؛ لأنّ أكثر الشّهود لا يشهد إلّا على الوهم كما في الحديث: "يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون لا يؤتمنون". فاتّق الله أيّها الحاكم ولا تقدّم إلّا بيقين، وإيّاك أن تختار ما لعلّه خلاف المختار، أو تعمد إلى ما لعلّه خلاف المختار، وتعتمد على ما لعلّه خلاف الصّحيح. والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
وصلّى الله على سيّد المرسلين وإمام المتّقين محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٥ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم