- ٢٠ -
ورد من محمّد الحفظي صاحب اليمن على نجد استفتاء عن ثلاث مسائل مشكلة، فأجاب عنها عبد الله بن الشّيخ بما يكفي ويشفي من الكتاب والسّنة وهذا نصّ الأسئلة:
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
سؤال -أصلح الله العلماء-: بناء القباب هل يكون علامةً على الكفر بمجرّد البناء، وكيف حال أهل العصر الثّاني ١ عن أصل البناء؟ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، [الأنعام، من الآية: ١٦٤، والإسراء، من الآية: ١٥، وفاطر، من الآية: ١٨، والزّمر، من الآية: ٧].
وكيف إذا كانت لم يذبح عندها البتة، ولم تتّخذ وثنًا يعبد أبدًا، وإنّما البناء عليها فقط عادة بدعية؟ فقد علم حديث أبي الهياج الأسدي عن علي، وهنا إشكال أنّ الصّحابة لم يكن في عصرهم تلك البنايات بدليل قبر عثمان بن مظعون، فهذه القبور التي أمر علي بتسويتها هل هي قديمة أو حديث قبر عثمان خاص ٢، والمراد: السّؤال عن مجرّد البناء من غير حدوث عبادة يشرك بها الولي أبدًا، أو يتوسّل إليها أيضًا أفيدونا.
الثّاني: عن الحدود، هل يحلّ إقامتها لغير الإمام، وهل يحلّ لأطراف مَن أجاب دعوتكم إقامتها بجعله نفسه أميرًا من غير نصب منكم ونحو ذلك أم لا؟
الثّالث: عن حال مَن صدر منه ما يكون كفرًا من غير قصدٍ منه لذلك؛ بل هو جاهل به، هل يعذر أم لا سواء كان ذلك الشّيء قولًا أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو توسّلًا؟ وكيف لو مات قبل التّوبة، وقبل العلم بأنّه مكفِّر؟ أفتونا مأجورين.
وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
_________________
(١) ١ أي: الذي بعد عصر بنائها. ٢ كذا في الأصل.
[ ١ / ٢٤٥ ]
(أجوبة الشّيخ عبد الله بن الشّيخ رحمهما الله):
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
الحمد لله ربّ العالمين، وصّلى الله على خاتم النَّبيّين محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
أمّا بناء القباب على القبور فهو من علامات الكفر وشعائره؛ لأنّ الله أرسل محمّدًا -ﷺ- بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجلٍ صالحٍ؛ لأنّ اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره وبنوا عليه بنية وعظموها، فلما أسلم أهل الطّائف وطلبوا منه أن يترك هدم اللات شهرًا لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الدّين فأبى ذلك عليهم، وأرسل معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب وأمرهما بهدمها.
قال العلماء: وفي هذا أوضح دليلٍ على أنّه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القباب التي بُنيت على القبور، واتّخذت أوثانًا، ولا يومًا واحدًا، فإنّها شعائر الكفر، وقد ثبت أنّ النَّبِيّ -ﷺ- نهى عن البناء على القبر وتجصيصه وتخليقه، والكتابة عليه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، [الحشر، من الآية: ٧].
وأمّا قول السّائل: هل يكون علامة على كفر بانيها؟
فهذا يحتاج إلى تفصيلٍ؛ فإن كان الباني قد بلغه هدي الرّسول -ﷺ- في هدم البناء عليها ونهيه عن ذلك، وعاند وعصى، أو منع مَن أراد هدمها من ذلك، فذلك من علامة الكفر، وأمّا مَن فعل ذلك جهلًا منه بما بعث الله به رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- فهذا لا يكون علامة على كفره، وإنّما يكون علامة على جهله وبدعته وإعراضه عن البحث عما أمره الله به ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه- في القبور.
وأمّا حال أهل العصر الثّاني الذين لم يحضروا البناء، وإنّما فعله آباؤهم
[ ١ / ٢٤٦ ]
ومتقدّموهم فالرّاضي بالمعصية كفاعلها، وفيها من التّفصيل ما تقدّم في البناء فافهم ذلك.
وهذا، إذا لم يذبح عندها، وتُعْبَد وتُدْعَى ويُرجَى منها جلب الفوائد، وكشف الشّدائد، فأمّا إذا فعل ذلك فهو الشّرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، [المائدة، من الآية: ٧٢].
وأمّا الإشكال الذي ذكره السّائل في حديث عليّ في القبور التي أمره الرّسول -ﷺ- بتسويتها، هل هي قديمة؟
فليس فيه إشكال بحمد الله؛ لأنّه محمول على القبور القديمة كقبور الجاهلية؛ لأنّ البناء على القبور وتعليتها من سنن الجاهلية، ولم يكن ذلك في عهد الصّحابة ﵃.
وأمّا حديث قبر عثمان بن مظعون، فليس فيه معارضة لما ذكرنا؛ لأنّ المراد به: إعلام القبر بعلامةٍ يعرف بها؛ كحصاة ونحوها بلا تعلية، ولا بناء، وهذا لا بأس به عند أهل العلم، فحديث قبر عثمان فيه دليل على جواز ذلك لكلّ أحدٍ، وهذا ظاهر ولله الحمد والمنة.
وأمّا الجواب عن السّؤال الثّاني فالذي ذكر العلماء أنّ الإمام هو الذي يقيم الحدود، أو نائبه؛ كالأمير الذي يأمره الإمام على بلده، أو عشيرته. فإذا ثبت ذلك جاز له إقامة الحدود على الوجه المشروع الذي شرعه الله ورسوله، وبيّنه أهل العلم في كتبهم.
وأمّا إذا كان لا يعرف ذلك، وليس عنده مَن يعلمه بذلك، فلا يجوز له الإقدام على ذلك.
وأمّا إذا نصب نفسه أميرًا من غير نصبٍ من أمير المسلمين فلا يجوز له الإقدام عليه أيضًا. والله أعلم.
وأمّا الجواب عن السّؤال الثّالث عن حال مَن صدر منه كفر من غير
[ ١ / ٢٤٧ ]
قصدٍ؛ بل هو جاهل، هل يعذر أم لا؟ سواء كان ذلك الشّيء قولًا، أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو توسّلًا؟
فنقول: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا، أو قوله كفرًا، أو اعتقاده كفرًا جهلًا منه بما بعث الله به رسوله -ﷺ-، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرّسالية التي يكفر من خالفها.
فإذا قامت عليه الحجّة، وبيّن له ما جاء به الرّسول -ﷺ-، وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجّة، فهذا هو الذي يكفر؛ وذلك لأنّ الكفر إنّما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، [الإسراء: من الآية: ١٥].
وبقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، [الزّمر: ٧١].
واستدلّوا أيضًا بما ثبت في الصّحيحين والسّنن وغيرها من كتب الإسلام من حديث حذيفة أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "إنّ رجلًا مِمَّن كان قبلكم قال: لبنيه إذا أنا منت فاحرقونِي ثم ذروا نصفي في البرّ ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنِي عذابًا لا يعذّبه أحدًا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البرّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا الرّجل قائم، قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك ومخافتك فما تلافاه أن رحمه".
فهذا الرّجل اعتقد أنّه إذا فعل به ذلك لا يقدر الله على بعثه جهلًا منه لا كفرًا، ولا عنادًا، فشكّ في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه.
وكلّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول -ﷺ-، ولكن الجاهل يحتاج إلى مَن يعرّفه بذلك من أهل العلم. والله ﷾ أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
[ ١ / ٢٤٨ ]
- ٢١ -
بسم الله الرحمن الرحيم