قبل العلم بالجعل أو بعده؛ لذلك إن صحّ يأخذه الملتقط في موضع يجوز له أخذه عوضًا عن الالتقاط المباح. انتهى.
وقال في الفروع: فَمَن فعله بعد علمه استحقّه كدين، وإلّا حرم. نقل حنبل في اللّقطة إن وجدها بعد ما سمع النّداء فلا بأس أن يأخذ منه وإلّا ردّها ولا جعل له. انتهى.
فإذا تقرّر هذا فلا يخلو إمّا أن يجد الدّابّة قبل أن يسمع النّداء أو يبلغه، ويخبر فهذا صريح كلامهم أنّه لا يستحقّ جعلًا، وإن ردّها، فكيف إذا لم يعمل شيئًا، وإنّما هو مجرّد الخبر، وأمّا إن سمع النّداء أو الجعالة أنّ مَن ردّ دابتِي أو عبدي أو أخبرنِي بها فله كذا وكذا، ثم بحث عنها وسأل عنها في البوادي والبرية وغيرها حتى وجدها أو ردّها لصاحبها خبر؛ فإنّه يستحقّ الجعالة المذكورة. والله أعلم.
وفّقنا الله وإيّاك الحسن الفهم والعمل، وجنّبنا وإيّاك سوء الفهم والعمل.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٥ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وأدخله في سلك أهل ولايته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، فأمّا ما سألت عنه من قول صاحب الإقناع وشارحه في (باب التّعزير): وإن ظلم صبيًا أو بهيمة اقتصّ من الظّالم، هل يعمل بهذا أم لا؟
فنقول: اعلم قبل ذلك أنّ العلماء ذكروا أنّ التّعزير أصل عظيم من أصول الشّريعة المحمّدية الآتية بالحكم والمصالح والغايات المحمودة في المعاش والمعاد.
قال ابن عقيل -﵀- في الفنون: للسّلطان سلوك السّياسة،
[ ١ / ٢٧٠ ]
وهو الحزم عندنا، ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع إذ الخلفاء الرّاشدون قتلوا ومثّلوا وحرقوا المصاحف ونفى عمر نصر بن الحجاج، ولينل من عرضه مثل أن يقول له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس، والذين قدروا التّعزير من أصحابنا إنّما هو فيما إذا كان تعزيرًا عامًا من فعلٍ أو تركٍ. فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعلٍ له فهو بمنْزلة قتل المرتدّ والحربي والباغي، وهنا تعزير ليس يقدر بل ينتهي إلى القتل كما في الصّائل الآخذ للمال يجوز أن يمنع مع الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإن كان المقصود دفع الفساد ولم يرتدع بل استمرّ على الفساد فهو كالصّائل الذي لا يندفع إلّا بالقتل فيتقل، ويمكن منه التّجسس، وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية والمالكية وإليه يرجع قول ابن عقيل: وهو أصل عظيم في صلاح النّاس، وكذا طلب الفعل فلا يزال يعاقب حتّى يفعل.
والتّعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا، وهو جار على أصل أحمد؛ لأنّه لم يختلف أصحابه في أنّ العقوبات في المال غير منسوخة كلّها، وهو قول الشّيخ أبي محمّد المقدسي، ولا يجوز أخذ ماله وهو المعزر فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظّلمة.
والتّعزير يكون على فعل المحرّمات وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه؛ كالبائع المدلِّس، والمؤجِّر، والنّاكح، وغيرهم من المعاملين، وكذا الشّاهد، والمخبِر، والمفتِي والحاكم، ونحوهم، فإنّ كتمان الحقّ شبيه بالكذب، وينبغي أن يكون سببًا للضّمان، كما أنّ الكذب سبب للضّمان.
قال: ترك الواجبات عندنا في الضّمان كترك المحرّمات
[ ١ / ٢٧١ ]
حتّى قلنا فيمَن قدر على إنجاء شخصٍ بإطعامٍ أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه، وعلى هذا فلو كتم شهادة أبطل بها حقّ مسلمٍ ضمنه، ومن هذا الباب لو كان في القرية أو المحلّة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي الغريم عن مكانه ليأخذه منه الحقّ فإنّه يجب دلالته بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحقّ. فعلى هذا إذا كتموا ذلك حتّى تلف الحقّ ضمنوه، ويملك السّلطان تعزير مَن ثبت عنده أنّه كتم الخبر الواجب كما يملك تعزير المقرّ إقرارًا مجهولًا حتّى يفسره، ومَن كتم الإقرار، وقد يكون التّعزير بترك المستحبّ كما يعزّر العاطس الذي لم يجهر بترك تشميته.
إذا عرفت هذا، فلنرجع إلى جواب المسألة المسؤول عنها، وهي: ما إذا ظلم صبي صبيًّا، أو بهيمة بهيمةً اقتصّ للمظلوم إلى آخره.
فنقول: يعمل بذلك؛ لأنّ ذلك في الغالب لا يخلو عن ردع للظّالم، وإن لم يكن مكلّفًا. قال الشّيخ تقيّ الدّين: لا نزاع بين العلماء أنّ غير المكلَّف كالصّبي المميّز يعاقب على الفاحشة تعزيرًا بليغًا، وكذلك المجنون يضرب على ما فعل لينْزجر لكن لا عقوبة بقتل أو قطع.
قال في الفروع: قال في الواضح: من شرع في عشر صلح تأديبه في تعزير على طهارة وصلاة، وكذا في زنا، وهو معنى كلام القاضي، وذكر ما نقله الشّالنجي في الغلمان يتمردون لا بأس في ضربهم، وظاهر ما ذكره الشّيخ عن القاضي، يجب ضربه على صلاة. قال الشّيخ لِمَن أوجبها هو تأديب وتعويد على خط وقراءة وصناعة وشبهها، وكذا قال صاحب المحرّر كتأديبه اليتيم والمجنون والدّواب؛ فإنّه شرع لا لترك واجب. وظاهر كلامهم في تأديبه في الإجارة والدّيات أنّه جائز في الإجارة.
فأمّا القصاص مثل أن يظلم صبي صبيًّا أو مجنون مجنونًا أو بهيمة بهيمة، فيقتصّ للمظلوم من الظّالم، وإن
[ ١ / ٢٧٢ ]
لم يكن في ذلك زجر عن المستقبل. لكن لاستيفاء للمظلوم، وأخذ حقّه يتوجّه أن يقال بفعل ذلك، ولا يخلو عن ردع وزجر في المستقبل ففعله لأجل الزّجر وإلّا لم يشرع لعدم الأثرية والفائدة في الدّنيا.
وأمّا في الآخر فالله تعالى يتولّى ذلك للعدل بين خلقه فلا يلزم منه فعلنا نحن كما قال ابن حامد: القصاص بين البهائم والشّجر والعيدان جائز شرعًا، بإيقاع مثل ما كان في الدّنيا. وكما قال أبو محمّد البربهاري في القصاص في الْحَجَر التي نالت إصبع الرّجل، وهذا ظاهر كلامهم السّابق في التّعزير أو صريحه فيما لا يميّز.
وقال شيخنا: القصاص موافق للشّريعة واحتجّ بثبوته في الأموال وبوجوب دية الخطأ، وبقتال البغاة المفغور لهم. قال: فتبيّن بذلك أنّ الظّلم والعدوان يؤدّي في حقّ المظلوم مع عدم التّكليف؛ فإنّه من العدل وحرَّم الله الظّلمَ على نفسه، وجعله محرمًا بين عباده. كذا قال. وبتقديره فإنّما يدلّ على الآدميين. انتهى كلام صاحب الفروع. وقد عرفتَ أنّه قول كثير من العلماء.
فأمّا الصّبيان فمعلوم أنّ ذلك زجر لهم في المستقبل إذا اقتصّ لبعضهم من بعضٍ، والذي نرى أنّ الذي يقتصّ لهم الأمير أوالقاضي إلّا إذا لم يَخْفَ من تعدّي الصّبِيّ في اقتصاصه لنفسه؛ لأنّه أشفى لنفسه.
وأمّا البهيمة فيقتصّ لها مالكها، ومعلوم أنّ بعض البهائم يتأدّب إذا أدّب. والله أعلم بالصّواب.
المسألة الثّانية: إذا وجد مع امرأته رجلًا من غير زنا بها أنّه يضرب مائة سوطٍ كما في رواية يعقوب، واحتجّ بفعل عليّ -﵁-، فذكر هذه المسألة في الإنصاف، وذكر أنّه يعزّر بذلك. انتهى.
والتّعزير يرجع
[ ١ / ٢٧٣ ]
إلى اجتهاد الإمام، لكن الذي نختاره أنّه يعزّر بذلك اتباعًا للخليفة الرّاشد علي بن أبي طالب ﵁.
المسألة الثّالثة: إن أرى الإمام العفو عنه جاز، فقد قال في المبدع: معناه من الشّرح ما كان من التّعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو الجارية المشتركة فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن، إن رأى الإمام المصلحة فيه وجب كالحدّ، وإن رأى العفو جاز للأخبار إلى آخر الكلام.
فنقول: اعلم أنّ في وجوب التّعزير وعدمه روايتين في مذهب أحمد:
إحداهما: الوجوب مطلقًا. وهي المذهب، وعليه الأصحاب. وهو من مفردات المذهب. ومال إلى وجوبه الشّيخ تقيّ الدّين، وعنه مندوب نصّ عليه في تعزير رقيقه على معصيته وشاهد الزّور. قال في المغني والشّرح: إن كان التّعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو المشتركة وجب، وإن كان غير منصوص عليه وجب إذا رأى المصلحة فيه أو علم أنّه لا ينْزجر إلّا به، وإن رأى العفو عنه جاز. انتهى.
قلت: ومراده إذا كان في العفو عنه مصلحة، قال في الكافي: يجب التّعزير في الموضعين الذين ورد فيهما الخبر إلّا إن جاء تائبًا فله تركه. انتهى.
قلت: ومراده بالموضعين: إذا وطئ أمة امرأته مع تحليلها له أو الأمة المشتركة وهو معنى كلام صاحب المبدع الذي ذكرته في السّؤال، وليس في ذلك معارضة لما تقدم من كلامهم؛ لأنّه إذا جاء تائبًا نادمًا جاز ترك تعزيره، كما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، [هود، من الآية: ١١٤]، أنّ رجلًا أصاب من امرأة قبلة وفعل بها كلّ شيء إلّا الجماع ثم جاء تائبًا، وذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فقال الرّجل: ألي ذلك يا رسول الله أم لجميع النّاس؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "بل لجميع أمتّي". رواه الأئمة من طرق مختلفة.
قال المجد: فإن جاء من يستوجب التّعزير تائبًا لم يعزّر عندي. انتهى. قال في الرّعاية: إن تشاتم اثنان عزرا، ويحتمل عدمه. قال في الفروع: فدلّ على أنّ ما رآه يتعيّن فلا يبطله غيره وأنّه يتعيّن قدر تعزيره خلافًا لمالك. انتهى.
قلت: يعنِي: إذا عين الإمام التّعزير للمصلحة فلا يجوز لغيره إبطاله، وأنّه يتعيّن قدر تعزير عينه الإمام. قال في الإنصاف: ويجب إذا طالب الآدمي بحقّه. قال: في الفروع وفي المغني في قذف صغيرة: لا يحتاج في التّعزير إلى مطالبة؛ لأنّه مشرع لتأديبه فللإمام تعزيره إذا رآه. ويؤيّده نصّه فيمَن سبّ صحابيًّا يجب على السّلطان تأديبه ولم يقيّده بطلبٍ أو إرث مع أنّ أكثرهم أو كثيرًا منهم له وراث، وقد نصّ في مواضع على التّعزير ولم يقيّده وهو ظاهر كلام الأصحاب.
ويأتي في أوّل آداب القاضي إذا افتات خصم على الحاكم له تعزيره مع أنّه لا يحكم لنفسه إجماعًا، فدلّ على أنّه ليس كحقّ الآدمي المفتقر جواز إقامته إلى طلب. ولهذا أجاب في المغني عن قول الأنصاري للنَّبِيّ -ﷺ- عن الزّبير: أن كان ابن عمّتك، وأنّه لم يعزّره وعن قول الرّجل: إنّ هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، بأنّ للإمام العفو عنه. وفي البخاري أنّ عيينة بن حصن لما أغضب عمر هَمَّ به فتلا عليه الحر بن قيس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية [الأعراف، من الآية: ١٩٩]، قاله في شرح مسلم في قول عائشة -﵂- ما انتقم رسول الله -ﷺ- إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. أنّه يستحبّ لولاة الأمور التّخلق بهذا، فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حقّ الله. انتهى كلام صاحب الفروع.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فعلم مِمّا تقدم أنّ الأمير أو الحاكم إذا رأى التّعزير في المعصية جاز له ذلك، وإن كان لحقّ آدمي، ولا يفتقر جوازه إلى طلب صاحب الحقّ؛ لأنّ ذلك من باب إنكار منكرٍ وإزالة الظّلم الذي يتعلّق بالأئمة والأمراء. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: من نائب الإمام؟
فالمعروف عندنا أنّ نائب الإمام الأمير والقاضي جميعًا. والله أعلم.
المسألة الخامسة: هل يجوز إخراج العروض بقيمتها كالثّياب ونحوها عن زكاة النّقدين، وعن زكاة الثّمار، والحبوب؟
فقد أجبناك عنها قبل ذلك، وأطلنا الكلام، وذكرنا اختلاف العلماء، وأنّ البخاري ترجم لجواز ذلك في صحيحه، وذكر الآثار والأحاديث الدّالّة على هذه المسألة، فراجعه يتبيّن لك الصّواب إن شاء الله. والسّلام. والحمد لله ربّ العالمين. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
- ٢٦ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم