مثله ولأنّه قول مَن سمّينا من الصّحابة من غير مخالفٍ فكان إجماعًا.
فأمّا أحاديثهم فهي مخصوصة بما رويناه من الأحاديث والإجماع.
وأمّا الزّرع ولبن الماشية ففيهما روايتان. قال أحمد: لا يأكل إنّما رخص في الثّمار ليس الزّرع.
والثّانية: قال: يأكل من الفريك؛ لأنّ العادة جارية به يأكله رطبًا أشبه التّمر والزّبيب -إلى أن قال-: والأولى في الثّمار وغيرها أن لا يأكل منها إلّا بإذن لما فيها من الخلاف، ولبن الماشية روي عن أحمد كذلك فيه روايتان:
إ حداهما: يجوز أن يشرب ويحلب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة عن النَّبِيّ -ﷺ- أنّه قال: "إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل". رواه التّرمذي. وقال: حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وهو قول إسحاق.
والثّانية: لا يجوز لما روى ابن عمر مرفوعًا: "لا يحلبن أحد ماشية أحدٍ إلّا بإذنه". متّفق عليه. والله أعلم. وأنت في أمان الله والسّلام. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلم.
- ٣٧ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من عبد الله بن الشّيخ إلى حضرة الأخ في الله عبد الوهّاب أبو نقطة سلّمه الله من الآفات، واستعمله بالباقيات الصّالحات.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وتسأل فيه عن الكلام الذي ذكره ابن موسى.
الأوّل: أنّه قال: مَن قال: يعلم الله كذا يكفر فالذي قال: هذا تائه وواهم وأظنّ أنّكم ما فهمتم معنى كلامه، والحقّ أنّه إذا قال: يعلم الله كذا وكذا، وهو
[ ١ / ٣١٠ ]
صادق فلا بأس بذلك، وإنّما الإثم والحرج على مَن قال: يعلم كذا وكذا وهو كاذب، فهذا كذب وافتراء ولا يجوز ولا يبلغ إلى الكفر.
والثّاني: قوله إنّ مَن صلّى على النَّبِيّ -ﷺ- عشرًا صلّى الله عليه مائة، ومَن صلّى عليه مائة صلّى الله عليه ألفًا. فهذا حقّ وهو مقتضى قوله -ﷺ-: "مَن صلّى عليَّ مرّةً صلّى الله عليه بها عشرًا". وهو ثابت في الصّحيح.
وأمّا قول ابن عبد الهادي إنّ التّلفّظ بالنّيّة سنة عند الصّلاة فهو خطأ وجهالة، وإنّما غرّه بعض كلام المتأخّرين والقائل لذلك مخطئ، فإنّ السّنة هو ما واظب عليه رسول الله -ﷺ-.
قال ابن القيم -﵀- في الهدي: ولم ينقل عن النَّبِيّ -ﷺ- ولا عن أحدٍ من أصحابه أنّه تلفّظ بالنّيّة ولا استحبّها أحدٌ من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم. انتهى.
وإنّما استحبّها بعض المتأخّرين من أصحاب الشّافعي وغيره، فردّ عليهم المحقّقون من أهل مذهبه وغيرهم، وكلّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلّا رسول الله -ﷺ-. فلا ينبغي للمؤمن بل للمسلم أن يتّبع غلطات العلماء بل يعرض أقوالهم على الهدي النّبويّ، فما وافق ذلك قبله وما خالفه ردّه على قائله كائنًا مَن كان. فأنتم اذكروا لابن عبد الهادي كلامنا، ولا يخالف ويهون عن فتياه.
وكذلك إنكاره الخرص فالخارص الذي عليه الاجتهاد والتّحرّي، والخرص فعله رسول الله -ﷺ-، كان يبعث عمَّالَه إلى الثّمار يخرصونها عند استوائها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٢١].
وأمّا الموعظة والنّصيحة، فليس هنا أعظم من وصية الله تعالى للأولّين والآخرين. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ ١ / ٣١١ ]
وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، [النّساء، من الآية: ١٣١]. وتقوى الله -﵎- أن يفعل ما أمر الله به، ويترك ما نهى الله عنه وهذا هو الدّين كلّه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، [المائدة: ٣٥]. فأخبر سبحانه عباده المؤمنين بسبب الفلاح، وهو تقواه وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله، فهذه الثّلاث هي مجامع الخير. زرقنا الله وإيّاكم إيمانًا صادقًا، وعملًا متقبّلًا، ونيّةً خالصةً.
وسلموا لنا على يحيى وجميع إخوانكم. وأنتم في أمان الله وحفظه. وعبد العزيز وسعود وآل الشّيخ طيّبون ويبلّغونكم السّلام.
- ٣٨ -