الشرط والجزاء على لغة أهل بلده، ولا يشترط أن يتلفظ بلفظة العربية. هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم. وأما دلائل هذه المسألة فقد يخفى على مثلنا لعجزنا، لكن هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم. وأما الدليل فقد يخفى علينا؛ لكن هذا هو المفتى به عندنا والعمل عليه. والله أعلم.
(٦)
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله وحمد إلى الأخ سعيد، جعله الله من صالحي العبيد، وبلغه في الآخرة ما يريد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وجعلك من أنصار دينه وأعوانه، وما ذكرت من حالك، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتضمن الخط السؤال عن أربع مسائل:
[شقص في أرض مشاع لا تمكن قسمتها، هل فيه شفعة؟]
(الأولى): ما قول العلماء -﵃- إذا كان لرجل شقص في أرض مشاع لا تمكن قسمتها قسمة إجبار، هل له شفعة؟ فإن قلتم له، فما معنى قولهم في شروط الشفعة: أن يكون الشقص من عقار ينقسم قسمة إجبار، ثم قالوا: ولا فيما لا تجب كحمام صغير ونحوه.
(فنقول): هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: (الأولى): أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته، فإما ما لا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والعضادة والطريق الضيق والعراص الضيقة، فلا شفعة فيه؛ وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة. قال الموفق في المغني: وهذا ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة" والمنقب الطريق الضيق رواه أبو الخطاب
[ ١ / ١٦٣ ]
في رؤوس المسائل.
(والراوية الثانية) تثبت الشفعة فيه، وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج ورواية عن مالك، واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي وشيخ الإسلام.
قال الحارثي: وهو الحق لعموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لا ينقسم" وسائر الألفاظ. ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره، وهذا هو المفتى به عندنا، وهو الراجح والله أعلم.
[حكم كسب الزوجة]
(وأما المسألة الثانية): إذا كانت زوجة الرجل ذات صنعة وقال زوجها: ما حصل من الحرفة، فهو لي ومؤنتك علي، وقالت الزوجة: ما حصل من صنعتي فهو لي، وأقوم في بيتك مع صنعتي، فهل تمكن من هذا أم لا؟
فهذه المسألة أنت تفهم اختلاف الفقهاء فيها، وهل يلزمها أن تخدمه في مسألة الخدمة في طبخ وعجن وخبز ونحوه أم لا فمذهب الحنابلة أنه لا يلزمها وهو الذي نصره في الشرح، ومذهب مالك والشيخ تقي الدين أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه يلزمها عادة أمثالها لمثله.
وكذلك اختلفوا هل يجب عليها أن ترضع ولدها منه، فمذهب الحنابلة أنه لا يلزمها، ومذهب مالك أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه إن كان مثلها ترضع ولدها وجب عليها أن ترضعه.
وأما مسألة التكسب المسؤول عنها، فظاهر كلامهم أنه لا يلزمها وليس له أن يجبرها عليه، ولكن ليس لها أن تكتسب إلا بإذنه، فإن أذن لها فظاهر كلامهم أنها تختص بالأجرة.
ولهذا صرح الموفق في المقنع في باب الإجارة أنه يصح أن يستأجرها على رضاع ولده منها، وصرح في كتاب النفقات أنها أحق برضاع ولدها بأجرة مثلها سواء كانت في حبال الزوج
[ ١ / ١٦٤ ]
أو مطلقة. وصرح أيضا في كتاب النفقات أنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به.
[أخرج المرتهن الرهن إلى الراهن]
(وأما المسألة الثالثة): إذا أخرج المرتهن الرهن إلى الراهن، فهل يزول لزومه كما هو مذهب الحنابلة أم للمرتهن انتزاعه كما هو مذهب الشافعي أو هل يفرق بين ما تعلق به حق الغير كالرهن له أو بيعه وبين ما هو باق في يد الراهن وما المفتى به الآن؟
فقد اختلف العلماء هل من شرط صحة الرهن القبض، أم يصح ويكون رهنا بمجرد العقد؟ فمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه لا يلزم إلا بالقبض، وقبل القبض يكون جائزا لا لازما، ومذهب مالك ﵀ يلزم بمجرد العقد قبل القبض كالبيع. فإذا علمت الخلاف في أصل المسألة، فالقائلون باشتراط القبض اختلفوا فيما إذا أخرجه المرتهن باختياره، هل يزول لزومه ويبقى العقد كأنه لم يوجد فيه قبض؟ فمذهب الحنابلة كما ذكرته عنهم أنه يزول لزومه، فإن عاد إلى المرتهن عاد لزومه بحاله بحكم العقد السابق، وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي: استدامته القبض ليست شرطا كما ذكرته عنه، وذلك لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه فلم تشترط استدامته، وهذا هو المفتى به عندنا.
[إحياء الأرض بإجراء الماء عليها]
(وأما المسألة الرابعة): وهي: هل إجراء الماء على الأرض للحرث يكون إحياء أم لا؟
فقال في الإنصاف: وإحياء الأرض أن يحوزها بحائط، أو يجري لها ماء، أو يحفر فيها بئرا، هذا هو الصحيح من المذهب، نص عليه وقطع به الخرقي وابن عبدوس والقاضي والشريف وصاحب الهداية والخلاصة والوجيز وغيرهم، وقيل: إحياء الأرض ما عد إحياء وهو عمارتها بما تتهيأ
[ ١ / ١٦٥ ]
به لما يراد منها من زرع أو بناء أو إجراء ماء، وهو رواية عن أحمد اختارها القاضي وابن عقيل والشيرازي وابن الزاغوني والمصنف يعني الموفق في العمدة وغيرهم. وعلى هذا قالوا: يختلف باختلاف غرض المحيي من مسكن وحظيرة وغيرهما، فإن كان مسكنا اعتبر بناء حائط بما هو معتاد. وقيل: ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث، فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء، قاله في المغني ولم يورد في المغني خلافه. وقوله: إحياء الأرض أن يجري لها ماء، يعني إحياء الأرض أن يجري لها ماء إن كانت لا تزرع إلا بالماء، ويحصل أيضا بالغراس قال في الفروع، ويملكه بغرس وإجراء ماء نص عليهما. انتهى، والله أعلم.
* * *